العودة   دار الرقية الشرعية > المنتدى الإسلامي > قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 30-Dec-2009, 09:43 PM
الصورة الرمزية aboahmed20092002
 
عضو جديد

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  aboahmed20092002 غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 25598
تـاريخ التسجيـل : Jun 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  مصر
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 37 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : aboahmed20092002 is on a distinguished road
Oo5o.com (23) (30) طريقة لخدمة دين الإسلام للشيخ/رضا آل صمدى

القاعدة الخامسة‏:‏ نحو عالمية الدعوة

ليست شخصية حالمة تلك التي تتطلع في بذلها للدين أن يصل مجهودها إلى المستوى العالمي ‏.‏ وليست من الأماني الكاذبة أن يتمادى الدعاة في تمني اليوم الذي تصبح دعوتهم الإسلامية شأنا عالميا يحسب له ألف حساب ‏.‏
ونحن في حديثنا عن قضية خدمة الدين نحاول أن نجمع بين الواقعية والطموح العالي ، ونجنح عن الدعة والخطط الساذجة بقدر جنوحنا عن التهور والخيال المستحيل ‏.‏ وفرق بين يقين النصر الذي يمثل دعامة أساسية في عقيدة الداعية ، وبين مصادمة السنن الكونية بل والشرعية بزعم أن الله سينصر عباده المؤمنين ‏.‏
تلك الكلمات السابقة وإن كانت صارمة فهي ضرورية قبل أن نشرع في تفصيل العنوان ، ذلكم أن من بدهيات العقول أن النتائج رهينة الإمكانيات ، والنجاح قرين البذل المتاح ، وتحقق الغاية مرتبط بتحقق الوسيلة ، وكل ذلك لا يقدح في كرامة الله لأوليائه بالنصر مع الذلة والقلة ، فحديثنا عما يجب أن يعتمل في صدر الداعية من حرص على اتخاذ الأسباب ‏.‏
إن عالمية الدعوة الإسلامية هاجس ينبغي أن يلح في طموح كل داعية إلى دين الله تبارك وتعالى ، ومشروع ينبغي ألا يغيب عن أذهان الغيورين على دين الإسلام ‏.‏
فهي حقيقة شرعية بلا امتراء ، قال الله تعالى ‏:‏ ‏(‏ إن الدين عند الله الإسلام ‏)‏ وقال تعالى ‏:‏ ‏(‏ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ‏)‏ وقال تعالى ‏:‏ ‏(‏ كنتم خير أمة أخرجت للناس ‏)‏ وقال تعالى ‏:‏ ‏(‏ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ‏)‏ وقال تعالى ‏:‏ ‏(‏ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ‏)‏ ‏.‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها ‏)‏ رواه مسلم ‏.‏
وقال صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين ، بعز عزيز ، أو بذل ذليل ، عزا يعز به الإسلام ، وذلا يذل به الكفر ‏)‏ ‏.‏ رواه أحمد والحاكم ‏.‏
وفوق كونها حقيقة شرعية هي ضرورة إنسانية تستنهض همة كل مشفق على حال البشر وسكان الكرة الأرضية ، فالكفر يلف أرجاء الأرض ، والفجور يستعلن على حين غفلة من القيم والمثل ، وأضحى للكفر والفجور دولة وسلطان ، وصارت ممارسات الفسقة تتحلى بغطاء الشرعية ، فالكفر يتزيا بحلة حرية الفكر ، والشذوذ الجنسي ينافح عن حقوقه تحت غطاء الحرية الشخصية ، والمرأة تريد أن تتبرأ من الحياء بزعم التحرر من القيود الجائرة ، بل إن براءة الأطفال تغتال بالخطف والاستغلال الجنسي تحت أضواء المدنية الكاذبة ‏.‏
كل ذلك ألا ينادي على النفوس الأبية أن تسعى لخلاص لتلك البشرية المغلولة ، أو تنافح عن القيم والمثل الضائعة في غابة الشهوات والغرائز البهيمية ‏.‏
لم تعد مسئولية الدعاة محصورة في نطاق المسجد الذي يخطبون فيه أو يلقون محاضراتهم ، وفي حدود قاطني الحي الذي يسكنون فيه ، إن حزام المسئولية يتمادى في الاتساع ليصل إلى كل نفس منفوسة تدب على هذه الأرض ‏.‏
يقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء ‏)‏ رواه الترمذي ، وإسناده حسن ‏.‏ قال العلماء في تفسير هذه الحديث أن العلماء لهم دور في الوصية بالكائنات الحية ، حتى إنهم يوصون الناس بإحسان الذبحة كما أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فنفعم عام على كل الخلاق ، ولذلك تتذكرهم بالخير والدعاء ‏.‏
وإذا كان هذا حال الحيتان فما بال البشرية التي التائهة في سرداب شهواتها ، إنها أحرى بأن تحتل مساحة من اهتمامنا معاشر الدعاة ‏.‏ وقد كاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يهلك نفسه حزنا على الناس ألا يكونوا مؤمنين ، وسهر الليالي ساجدا يدعو ربه متضرعا ‏:‏ أمتي أمتي ‏!‏ فصلى الله وسلم على ذلك النبي الشفيق الذي حمل هم توصيل الدين إلى كل البشرية ‏.‏
وإذا كانت هذه الهمة العالية تمثل نسيج طموح كل داعية إلى الله تعالى ، فإنه إزاء تعظيمه لشعائر الله وفرائضه يأبى أن يكون مجرد مراهق ينشغل بالأحلام والأماني الخادعة ، ويجمح وراء خيال هاو وسراب كاذب ‏.‏
إنه يمزج هذا الطموح بتخطيط واقعي ، ويبني آمالا صادقة على جهود مخلصة ، ثم يكل النتائج إلى الله تبارك وتعالى ‏.‏ هو لا ينظر إلى كراسي الحكم والسلطة بقدر ما يتمنى أن يحوز كرسيا واحدا في جنة الخلد ‏.‏ يحدوه الطمع في رضا الله فيبذل حق البذل ليحوز السلعة الغالية ‏{‏ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنـة ‏}‏ ‏.‏
إنه قليل الكلام كثير العمل ، سريع التأثر بواقع المسلمين والاستجابة لنداء البذل ، إذا ما أقبل على عمل دعوي تسامى في العطاء له ، وإذا فكر في مشروع أعد له العدة الكاملة ‏.‏ يتخذ الأسباب التامة محاطة بتوكل على الله وثيق ، يحترم التخصصات ويأبى الفوضى والارتجالية ، إنه مثال الداعية الذي يحمل هما عالميا ، ويغذيه طموح عال ، ومثل هذا تفتقر إليه الدعوات العالمية ، ويعد طاقة دفاقة لكل من حوله من العاملين ‏.‏
إن نصف مساحة العالم الإسلامي دخلت في الإسلام صلحا ودعوة ومعاشرة لا عنوة وحربـا ، مما يثبت أن عالمية الإسلام في عالمية الداعية ، وأن السيف لم يرفع إلا على الظالمين والغاصبين لحق البشرية أن تؤمن بربها وإلهها ‏.‏
وإن تغلغل الإسلام في أوروبا والأمريكتين بل وفي روسيا والصين وإفريقيا وأستراليا مع قلة الدعاة وضعف الإمكانيات لدليل على أن هذا الدين الحق لو قُيض له من الحملة من يجهرون به في كل ميدان ويطوفون به في كل صقع لتغيرت خريطة العالم في سنوات معدودة ‏.‏
إن طرق خدمة الدين كثيرة ، وأساليب نشره بين الناس وفيرة ، وميادين النداء إليه شاسعة ، وما سطرناه في هذه الأوراق مساهمة متواضعة نحو عالمية الدعوة ، فمن أمانينا أن تتجيش كل الطاقات في خدمة الدين فنفاجيء الباطل بجندي للحق في كل شبر على وجه الأرض ، ونجابه الظلم والطغيان ، ونواجه الكفر والفجور ، ونضيق الخناق على إبليس وجنوده ، ونحكم الحصار على إغواءات الشياطين ‏.‏
إن عالمية الدعوة ستتحقق بجلاء ويقين يوم نرى كل مسلم يساهم بأي جهد في سبيل دينه وأمته ، يوم نرى كل مسلم يحاسب نفسه ‏:‏ ماذا قدم لدينه وأمته ‏؟‏ يوم نرى حديث الناس في المقاهي والطرقات والبيوتات ومجالس السمر يدور حول هم الدين وشأن المسلمين ، يوم نرى الأسرة تَدَّخِرُ من قوتها رغيفا تبذله لجائع أو محتاج ، يوم نرى الأغنياء يتبارون في أَرْيَحِيَّة صِدِّيقِيَّة نحو الإنفاق في سبيل الدين ، يوم نرى الدعاة قدوة لغيرهم في حمل أمانة الدعوة وتبليغها للناس ‏.‏
وفي سبيل بث هذه الروح العالية العالمية في نفوس الدعاة ، بل في نفس كل مسلم نقترح الاقتراحات الآتية ‏:‏
‏(‏1‏)‏ ينبغي أن يعلو في خطاب الدعاة إلى الناس ‏:‏ الشعور بالمسئولية العالمية للإسلام ، ومسئولية الأمة بأسرها عن حمل رسالة الدين ‏:‏ ‏{‏ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ‏}‏ ، وأن يستشعر كل من يستمع إلى صوت الصحوة أنها تحمل دورا رساليا ساميا وأنها تنادي على الناس أن يهبوا لتحمل هذا الدور معهم لمحض كونهم ينتمون لهذا الدين الرسالي الشامخ ‏.‏
‏(‏2‏)‏ من اللازم أن تتناول الأدبيات الإسلامية هذه القضية في كل المناسبات حتى تضحي عالمية الإسلام هما مشتركا يحيى في قلوب كل الناس ‏.‏ ولا بد أن تتنوع تلك الأدبيات في عرض هذه الفكرة ، ما بين شعر راق ونثر بليغ وقصة هادفة ومقال مؤثر أو نشيد حماسي محفز أو نحو ذلك من الأساليب المعروفة والتي سنتناولها بالتفصيل عند الكلام عن طرق خدمة الدين ‏.‏
‏(‏3‏)‏ يجب أن تقام المؤتمرات العالمية التي تذكر الناس بهذه القضية ‏(‏ عالمية الدين ‏)‏ ، ويتم اتخاذ قرارات وتوصيات تصب في هذا الصدد ‏.‏
‏(‏4‏)‏ إرسال برقيات ورسائل نصح إلى ملوك ورؤساء الدول الإسلامية وأصحاب المناصب الرفيعة النافذة في الحكومات الإسلامية والمنظمات الإسلامية العالمية والهيئات الإسلامية الخيرية العالمية وتحميلهم أمانة هذا الدين وتوجيه النصيحة الصادقة إليهم ، ورفع كل ظلامة وتصرف يتصادم مع واجبهم في القيام بحماية حوزة الدين والذود عن حياضه ‏.‏ وقد يظن البعض في هذا المسلك نوعا من الحماقة والأماني الحالمة ، وأنا أؤكد أن هذه الوسيلة إن لم تكن من الواجبات الشرعية والفروض الكفائية فإنها على أقل تقدير من الوسائل الجديرة بالمحاولة والتجربة ‏.‏ وكم رأينا في التاريخ من حركات إصلاحية تمت بسبب خطوة خطاها أصحابها لم تكن في الحسبان ‏.‏
‏(‏5‏)‏ تكوين رابطة حكماء من العلماء المشهورين والدعاة البارزين تكون مهمتها رأب الصدع بين الحركات الإسلامية والهيئات الدينية ، ومراقبة مسار الدعوة على المستوى العالمي ، وتوجيه النصح والاستشارة إلى كل أولئك ، مع تقديم يد العون والمساعدة لكل مجهود يبذل لخدمة الدين ‏.‏ ويمكن أن يبدأ عمل هذه الرابطة على مستويات دنيا لتكوين جبهة دعوية قوية من طلبة العلم والدعاة التنفيذيين ، يكون نواة لحركة ضغط وشعور شعبي موجه لإرادات الأمة وقرارات القادة ‏.‏ ومنذ زمان بعيد وأنا على يقين أن حركة الإصلاح التي يجب أن تحدث للصحوة الإسلامية جمعاء ينبغي أن يقوم بها طلبة العلم الصغار الذين لهم دور في إشعار القيادات الروحية للصحوة بضرورة الإصلاح وضرورة المصارحة والمكاشفة ، وهذه القضية ليس لها محل هنا ولكنني ذكرتها من باب الذكرى لعل الفرصة تواتي في تأصيلها وتنظيرها في القريب العاجل إن شاء الله تعالى ‏.‏
وبعد أيها القارئ الكريم ‏.‏‏.‏ لعلي لا أكون ممن يهرب من واقعه بالتلهي ، كمن يبني قصر الرمال لينسى أنه يسكن في كوخ من صفيح ، بل إنني على يقين أن جوانحك تحوي مثل هذه الآمال العظام ، وأنا على يقين أنك على يقين من هذه الآمال ، وأنها ليست من أحلام الكرى ، وأحتاج أنا وأنت وكل غيور أن نتواصى بالحق ونتناصح ، وأن نغذي الحزن والقلق بين الفينة والفينة بروافد الأمل الناصع ليتبدد ظلام الانهزامية عن فجر المستقبل الصادق ، وتتقشع غيوم القنوط عن شمس النصر الأكيد ‏.‏
الطريقة الأولى ‏:‏ إخلاص النيات وإصلاح السرائر
إن إشكالية كثير من الناس في شأن علاقتهم بالله تبارك وتعالى أنهم لا يعون شفافية الطاعة ، ولا يدركون أن الله تبارك وتعالى قد وضع لكل شيء في هذا الكون قانونا ونظاما ، فكما جعل النار محرقة والماء الزلال مُرْوِيَاً والهواء النقي منعشا فكذلك ما جعله الله تبارك وتعالى قربة لذاته ووسيلة لمرضاته ، فإن له قانونا لا يقل صرامة عن قوانين الكون الأخرى ‏.‏
والأعمق من ذلك أن الله عز وجل جعل من بعض الأشياء – على ضآلة شأنها فيما يعتقد الناس بادي الرأي – سببا لنوال الفتوح ، وحصول البركة والنماء بما لا يتفق والقوانين العادية ‏.‏
ومن تلك الأشياء ‏:‏ النية الصالحة للعمل الصالح ‏.‏ فغني عن القول أن عمل العبد مشروط قبوله بإخلاص النية وبمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فذانك هما النية الصالحة والعمل الصالح المقصودان بقول الله تعالى ‏:‏ ‏{‏ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ‏}‏ ‏.‏
وقضية الإخلاص بالنسبة للدعاة وحملة الدين تأخذ غورا لا تسعفه العبارات الساذجة ، أو الإيضاحات العادية ، فهو يحتاج إلى شفافية روحية توقن بكرامة الله لأوليائه وتعتقد أن القلب هو محل نظر الإله من العبد ‏.‏
فإذا ما توارد على الداعية المخلص شيء من كدر الحياة لجأ إلى تصفية شوائب المقاصد ليقينه أن ثمة علاقة طردية بين التوفيق الإلهي وبين سلامة النية وحسن الطوية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص ‏:‏ ‏(‏ إنك لن تُخَلَّف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به خيرا ودرجة ورفعة ‏)‏ ‏.‏
لاجرم أن الآيات القرآنية – مكيها ومدنيها – تواطأت على تأكيد أهمية النية وجلالة شأنها ‏.‏ قال تعالى ‏:‏ ‏{‏ فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص ‏}‏ وقال عز من قائل ‏:‏ ‏{‏ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ‏}‏ وقال ‏:‏ ‏{‏ قل الله أعبد مخلصا له ديني ‏}‏ وقال ‏:‏ ‏{‏ وادعوه مخلصين له الدين ‏}‏ وقال ‏:‏ ‏{‏ فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ‏}‏ وقال تعـالى ‏:‏ ‏{‏ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ‏}‏ ، ذلك الدين القويم أن نطيع الله مخلصين ونعبده مصححين للقصد والإرادة ‏.‏
بل إن في الإخلاص من البركة العائدة على محيط الدعاة وصفاء الود ونقاء السيرة بينهم ما يدعو إلى العجب ، ومصداق ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ ثلاث لا يُغَلُّ عليهن قلب مسلم ‏:‏ إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين ، فإن دعوتهم تحيط بهم من ورائهم ‏)‏ ‏.‏ يقول ابن القيم– رحمه الله - ‏:‏ إي لا يبقى فيه غل ، ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة بل تنفي عنه غله وتنقيه منه ، وتخرجه عنه ، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل ، وكذلك يغل على الغش ، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة ، فهذه الثلاثة تملؤه غِلا ودغلا ، ودواء هذا الدغل واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة السنة …ثم يقول ابن القيم – في معرض كلامه عن تعريف الإخلاص - ‏:‏ وقد تنوعت عبارتهم في الإخلاص والصدق والقصد ، فقيل ‏:‏ هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة ‏.‏ وقيل ‏:‏ تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين ، وقيل ‏:‏ التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك ، والصدق ‏:‏ التنقي عن مطالعة النفس ‏.‏ فالمخلص لا رياء له والصادق لا إعجاب له ، ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق ولا الصدق إلا بالإخلاص ، ولا يتمان إلا بالصبر ‏.‏ وقيل ‏:‏ الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن ، والرياء أن يكون ظاهره خيرا من باطنه ، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره ‏.‏ وقيل ‏:‏ الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق ، ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله ‏.‏ ومن كلام الفضيل ‏:‏ ترك العمل من أجل الناس رياء ، والعمل من أجل الناس شرك ، والإخلاص أن يعافيك الله منهما ‏.‏ قال الجنيد ‏:‏ الإخلاص سر بين الله وبين العبد ، لا يعلمه ملك فيكتبه ، ولا شيطان فيفسده ، ولا هوى فيميله ‏.‏ وقيل لسهل ‏:‏ أي شيء أشد على النفس ‏؟‏ فقال ‏:‏ الإخلاص ، لأنه ليس لها فيه نصيب ‏.‏ وقال بعضهم ‏:‏ الإخلاص ألا تطلب على عملك شاهدا غير الله ولا مجازيا سواه ‏.‏ وقال مكحول ‏:‏ ما أخلص عبد قط أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ‏.‏ وقال أبو سليمان الداراني ‏:‏ إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء ‏.‏ أما الهروي فجعل الإخلاص تصفية العمل من كل شوب ‏.‏ أي لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس ، إما طلب التزين في قلوب الخلق وإما طلب مدحهم والهرب من ذمهم ، أو طلب تعظيمهم ، أو طلب أموالهم ، أو خدمتهم ومحبتهم ، وقضاء حوائجه ، أو غير ذلك من العلل والشوائب ، التي عَقْدُ متفرقاتها هو إرادة ما سوى الله بعمله ، كائنا ما كان ‏.‏
وأول درجاته عنده ‏:‏ إخراج رؤية العمل عن العمل ، والخلاص من طلب العوض على العمل ، والنـزول عن الرضا بالعمل ‏.‏
يعرض للعامل في عمله ثلاث آفات ‏:‏ ‏(‏1‏)‏ رؤيته وملاحظته ‏(‏2‏)‏ وطلب العوض عليه ‏(‏3‏)‏ ورضاه به وسكونه إليه ‏.‏ ففي هذه الدرجة يتخلص من هذه البلية ‏.‏
فالذي يخلصه من رؤية عمله مشاهدته لمنة الله عليه وفضله وتوفيقه له ، وأنه بالله لا بنفسه ، وأنه إنما أوجب عمله مشيئة الله لا مشيئته هو ، كما قال تعالى ‏:‏ ‏{‏ وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ‏}‏ … ثم قال رحمه الله ‏:‏ والذي يخلصه من رضاه بعمله وسكونه إليه أمران ‏:‏ أحدهما ‏:‏ مطالعة عيوبه وآفاته وتقصيره فيه ، وما فيه من حظ النفس ونصيب الشيطان ، فقل عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وإن قل ، وللنفس فيه حظ ‏.‏ سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في صلاته ‏؟‏ فقال ‏:‏ ‏(‏ هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ‏)‏ ، فإذا كان هذا التفات طرفه أو لحظه ، فكيف التفات قلبه إلى ما سوى الله ‏؟‏ هذا اعظم نصيب الشيطان من العبودية ، قال ابن مسعود ‏:‏ لا يجعل أحدكم للشيطان حظا من صلاته ، يرى أن حقا عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه ‏.‏ فجعل هذا القدر اليسير حظا ونصيبا للشيطان من العبد ، فما الظن بما فوقه ‏؟‏ وأما حظ النفس من العمل فلا يعرفه إلا أهل البصائر الصادقون ‏.‏ الثاني ‏:‏ علمه لما يستحقه الرب جل جلاله من حقوق العبودية ، وآدابها الظاهرة والباطنة ، وشروطها ، وأن العبد أضعف وأعجز وأقل من أن يوفيها حقا ، وأن يرضى بها لربه ، فالعارف لا يرضى بشيء من عمله لربه ، ولا يرضى نفسه لله طرفة عين ، ويستحيي من مقابلة الله بعمله ‏.‏ فسوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها وكراهته لأنفاسه وصعودها لله يحول بينه وبين الرضا بعمله والرضا عن نفسه ‏.‏ وقال بعضهم ‏:‏ آفة العبد ورضاه عن نفسه ، ومن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور ‏.‏ وقيل ‏:‏ لا بد من الخجل من العمل ، مع بذل المجهود ‏.‏ فمن إخلاص العابد خجله من عمله ، وهو شدة حيائه من الله إذا لم ير ذلك العمل صالحا له مع بذل مجهوده ، قال تعالى ‏:‏ ‏{‏ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ‏}‏ ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه ‏)‏ ‏.‏ أهـ
وأنت ترى مما نقلته عن ابن القيم فقه رياضة النفس في ‏:‏
‏(‏1‏)‏ تحضير الإخلاص وتقويته في القلب ‏.‏
‏(‏2‏)‏ ودرء الشرك والرياء والسمعة والعجب ، ولا ريب أن الدعاة إلى الله تبارك وتعالى أقوى الخلق قلوبا وأنقاهم أفئدة وأصفاهم سريرة ، لأنهم موصولون بالوحي المطهر في نذارتهم الخلق وتعبدهم لربهم به ‏.‏
وقد تيقنت من تجربتي في الدعوة أن الدعاة من أحوج الناس وأقربهم إلى الله تبارك وتعالى ، فقلوبهم مملوءة بالشفقة على المسلمين ورغبتهم ‏(‏ الدعاة ‏)‏ في هداية الخلق ، وقد علموا بالاضطرار أيضا أن الهداية في يد الله تعالى ، فتكامل اضطرارهم إلى الله تعالى أن يجعل الهداية متحققة بسببهم ، ولن يجدوا صعوبة – إن شاء الله – في تطهير قلوبهم من عوالق الرياء وعوائق الشرك ‏.‏
وحري بالدعاة أن يتعهدوا قلوبهم على الدوام مفتشين عن رواسب الهوى وبقايا الدغل الذي يتخلل ثنايا النيات القلبية ، وأخطرها الذي يتغلف بقصد سوي معتبر زيّنه له هواه فاتبعه ، فإنها والله القاصمة ، قال تعالى ‏:‏ ‏{‏ أفرأيت من اتبع إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ‏}‏ ، وقال ‏:‏ ‏{‏ أفمن زين به سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ‏}‏ ‏.‏
ويتعاظم دور إبليس اللعين في تزيين المقاصد الخبيثة وإلباسها خلعة الولاية وزينة الإخلاص ونزاهة الضمير ، فيحس الداعية بالطهارة والبراءة حال كونه متلبسا بأعظم زور وأشنع بهتان ، وما أتعس الذي يدعو إلى نفسه زاعما أنه يدعوا إلى الله ، يدل الخلق إلى ذاته متزلفا إليهم بصورة الداعية المخلص ‏.‏ إن مثل هذا النوع قليل بين الدعاة ، ووالله ليسوا من الدعاة ، ولكن داءهم لم ينج منه داع بل مسلم ، وأي نفس تلك التي لا ترجو لنفسها عزا وجاها وسلطانا ، كل نفوس الخلق تطلبه ، ولكن ما أعظم تلك النفس التي تتصدر عند البذل وتتوارى عند المغانم وتعف ، إنها النفس المخلصة التي تمحض بذلها لربها ، فلسان حالها يقول ‏:‏ ‏{‏ لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ، إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا ‏}‏ ‏.‏
لقد كان السلف الصالح لا يستحيون من مواجهة أنفسهم بنياتهم السيئة وما أكثر ما رأيناهم يكلمون ويحذرون أنفسهم من نية خبيثة تسللت على حين غرة وولجت في سانحة غفلة ، ولم يتحرجوا رحمهم الله من التصريح بهذه النية التي تسللت ليعلموا الأجيال كيف يكون الإخلاص والتجرد ، فجزاهم الله عن الأمة خيرا ‏.‏
ومن أهم ما يجب أن ننبه له الدعاة على كل مستوياتهم أن قضية الإخلاص على خطورتها ليس من جنس ما لا يطاق أو من قبيل ما يعسر على المكلفين إتيانه ، وإلا ما كلفهم الله به وجعله ركنا في قبول الأعمال ، إذ لا يكلف الله ولا يأمر إلا بما هو داخل في حيز استطاعة المكلفين كما معلوم في محله ، وما ورد عن بعض السلف من صعوبة الإخلاص وأنه عزيز وعسير فمحمول على استحضار الإخلاص مع وجود وَالِجَاتِ الهوى ونوازع الإرادة الخبيثة ، أو أنه محمول على التبرؤ من الإخلاص لأن ادعاءه دليل عدمه ، وإلا فإن متواتر سيرة الصحابة – وهم أقل الناس تكلفا – يثبت أنهم كانوا يعالجون قلوبهم هونا ، ولم يتجشموا معارك وهمية مع النفس والهوى ، فينصرف الهم حينئذ للتفتيش عن عدو داخلي خيالي وينسى معركته الأساسية مع الأعداء الخارجيين ‏.‏ وقد كان مما ذُم به الحارث المحاسبي يرحمه الله كثرة كلامه في النيات على غير طريقة السلف ففي سير أعلام النبلاء للذهبي ‏(‏13/112‏)‏ قال ‏:‏ قال سعيد بن عمرو البرذعي شهدت أبا زرعة الرازي وسئل عن المحاسبي وكتبه فقال إياك وهذه الكتب هذه كتب بدع وضلالات عليك بالأثر تجد غنية هل بلغكم أن مالكا والثوري والأوزاعي صنفوا في الخطرات والوساوس ، ما أسرع الناس إلى البدع ‏.‏ أهـ ولا أستريب أن في كلام أبي زرعة شدة بيد أن المفهوم من كلامه أن السلف لم يكونوا يعالجون نياتهم على نحو ما ورد في الرعاية ونحوها من كتب المحاسبي ، ولابن القيم وابن كثير كلام مشابه لا يحضرني ذكره ‏.‏
وقد نبهت على هذا الأمر لأنه كثر بين شباب الصحوة من يتنصل من العمل للدين بزعم خوف الرياء والسمعة وعزة الإخلاص ونحو ذلك من المعاذير الساذجة التي يمليها عليهم شيطان مريد أو نفس عاجزة كسول ‏.‏ فيضيع الدين بين ورع كاذب وكسل مقنع ‏.‏
ولولا هذا الداء الذي استشرى وتولى كبره زمرة من الناس زعموه الدين الخالص فحذروا الشباب من التصدر دفعا للرياء ومنعوا المبتدئين من الدعوة بزعم ضرورة التحصرم قبل التزبب ، أقـول ‏:‏ لولا استشراء هذا الداء لما أوليت هذا الشأن اهتماما ولما ألقيت إليه بالا ، لأن الأصل اتهام النية ومحاسبة الدواخل وعدم تزكية النفس ، ولكنني رأيت الأمر أمرا منكرا ، وأبصرت طاقات هائلة من شبيبة الدين تتخاذل عن البذل وتتوارى عن المصافة في كتائب الحق ، وتنـزوي في صوامع التزكية ‏(‏ زعموا ‏)‏ ، وتترك مناجزة الباطل وأهله بدعوى إصلاح النية والخوف من فساد القلب بالتصدر ، حتى خلا الجو لأهل البدعة والكفر ، وصدق فيهم قول القديم ‏:‏
خلا لك الجو فبيضي واصفري ونـقري ما شـئت أن تنقري
وبينما نرى هذا النكوص يقنن في صفوف شباب الصحوة نرى نبتة الكفر تترعرع على أكتاف شبيبة يعدون إعدادا جيدا ويتصدرون في المحافل داعين إلى كفرهم مدافعين عن باطلهم ، وأخسر بها من صفقة أن تعمر دور العبادة بالركع السجد بينما الباطل يجول جولته ويصول صولته في ميادين الثقافة والاقتصاد والسياسة ، وقد نادى القرآن أهل الإيمان نداء صارما وأوضح حقيقة الصفقة بين العباد وربهم ، فقال تعالى ‏{‏ انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ‏}‏ وقال ‏{‏ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن‏}‏‏.‏
وقد نص أئمتنا على ضرورة التصدر في زمان الفتن وعند غلبة الأهواء ، وفي أبواب القضاء من كتب الفقه تجد نصا صريحا بلزوم السعي لمنصب القضاء إذا تعين أو رأى من تعين عليه القضاء تصدر المفسدين وتطاولهم للحصول عليه ، بل تجد أن بعض الفقهاء رخص في دفع البرطيل ‏(‏ الرشوة ‏)‏ لنوال منصب القضاء إذا تعين ، وعللوا ذلك بأن في تسنم القضاء رجل جاهل أو مبتدع أو فاسق مفسدةً تربو على مفسدة الرشوة ، وفي حصولها لمن هو أحق بها وأهلها مصالحَ تربو على مصلحة الزهادة في هذا المنصب كما هو شأن السلف ‏(‏ أعني زهادتهم في مناصب الدولة ‏)‏ ‏.‏
ولنا في مسلك النبي يوسف عليه السلام - حين علم تأهله لعلاج الخطر المحدق بالبلاد – مدكرٌ وأسوة ، فقالها غَيْرَ وَجِلٍ ‏:‏ ‏{‏ اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ‏}‏ ‏.‏ وأولئكم فتية أهل الكهف ‏{‏ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ‏}‏ ‏.‏ وإبراهيم كسر الأصنام وواجه انتفاشة الكفر وهو بعد غض الإهاب فكان يسفه الأصنام ويبين عوار مسلك من يعبدها حتى تسامع الناس بدعوته فقالوا ‏{‏ سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ‏}‏ ‏.‏ ولم يخش الرسول صلى الله عليه وسلم على علي بن أبي طالب من زهو الأبطال وخيلاء الشجعان غداة قتل عمرو بن وُدٍّ في غزوة الخندق وقد عجز عن ذلك العتل خيرة الكماة من الصحابة ‏.‏
نعم ‏:‏ ينبغي التحرز من تصدير من عرف بطره وكبره وحبه للوجاهة والمنصب ، لأن الولايات الشرعية لا تقلد لمن طلبها كما تقرر في السياسة الشرعية ولأن المفسدة التي قد يحدثها صاحب العجب والكبر بالناس أعظم من مصلحة توليه وإن كان ذا كفاءة ودراية ‏.‏
ولا جناح أن نولي ونصدر من يخشى عليه العجب والكبر – ومن الذي لا يخشى عليه ذلك ‏؟‏ - إذا كان هناك منهج رشيد في تلافي ولوج تلكم الأمراض إليه ، أو كانت المصلحة في توليه تربو على مفسدة مرض نفسه ‏.‏
وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان بن حرب غداة فتح مكة شيئا لأنـه يـحب الذكر ، ولم يقل ‏:‏ بل نحميه من الكبر والعجب ونحو ذلك ، وولى أسامة بن زيد قبل وفاته وأنفذه إلى الشام في ركب حـوى كبـار البدريين من المهاجرين والأنصار ‏.‏
ولقد أذن للشافعي في الإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة ، وحدث أبو زرعة الرازي في الثانية والثلاثين ، وأُخذ عن البخاري ولما يخضر شاربه ، وأفتى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وجلس للإفادة والتدريس ولما يبلغ الخامسة والعشرين ‏.‏
وقد تقرر أن اليقين لا يزول بالشك ، واليقين الذي يجب وجوده لتولية المستورين أو الأغمار أو من يخشى عليهم أمراض القلوب من صغار السن أو التجربة ‏:‏ أن تحتدم المعركة بين أهل الإسلام وملة الكفر ، وتتعاظم الفروض والتكاليف ويقل الناصر والمعين ، وأن يكون في المولَّى من الكفاءة والأهلية والاحتياج إليه ما ينفي الغضاضة من توليه ‏.‏
وقد احتج القائلون بضرورة رعاية أحوال القلوب عند تولية الولايات الشرعية بعزل عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد رضي الله عنهما عن إمرة الجيوش الإسلامية وتولية أبي عبيدة مكانه ‏.‏
والجواب عن ذلك أنه لاشك أن رعاية أحوال القلوب من أجل ما يعتني به السالكـون إلى الله ، ومن أهم ما ينبغي أن يولى من الاهتمام عند الدعاة والمربين ، بيد أن عزل عمر لخالد أملته مصالح شرعية أخرى ، واقتضته مجريات الحوادث ، ونظرة عمر بن الخطاب إلى مستقبل الجيوش الإسلامية ، ومستقبل الفتوح أيضا ‏.‏ وقد أثبتت العسكرية الحديثة أن القيادة لابد أن تتجدد درءا للرجعية التي تفسد مشروعات التطوير ، ومنعا لاستقطاب قيادي داخل المؤسسة العسكرية ، ودفعا لأطماع القيادات في الاستحواذ بتدبير أمور الجيش ، إذ تجنح نفسية القائد العسكري للديكتاتورية وتشمئز من الشورى كما علم من تجارب الأمم ‏.‏
ولا شك أن كلامي لا يفهم منه قدح في عمر أو خالد ، فهما من هما ، ولكن قراءة متأنية في ملف القضية ينبيك بأن العزل اقتضته أمور جليلة ارتآها عمر ، ولا يمكن أن نستدل بالحادثة على ما نحن فيه من منع تصدر المتأهلين في مناصب الدعوة خوفا عليهم من الرياء والسمعة والعجب ‏.‏
ومن قبيل ما نحن فيه ‏:‏ دفن العبقريات ومواراة الأفذاذ خلف الكواليس بدافع الحسد والخوف على الجاه ، وكم رأينا من عناصر شابة صاعدة رزقت البركة والتوفيق في العلم والعمل ، فحيل بينها وبين التنامي لأن جلالة المناصب التي كانوا سيتأهلون لها - في نظر كبرائهم - لا تناسب أسنانهم ‏.‏
وقد شكا إليّ أحد طلبة العلم أن أستاذه الذي يشرف على رسالته في الماجستير يأمره بالتمهل لأن سنه – خمسة وعشرون آنذاك – صغيرة على هذه الدرجة العلمية وأنه لم ينلها أحد في كليته في هذا العمر ‏.‏
أعود للتأكيد أنني لا أماري في خطورة أمر النيات وأحوال القلوب وضرورة تزكيتها وحمايتها من حمأة الأمراض والآفات وفورة حب الرياسة والتصدر ، ولكننا نعالج ذات المرض فيمن يمنعون الشبيبة من خدمة الدين والبذل له حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم أن في تصدرهم خطورة على وجاهتهم ‏.‏
والسؤال الذي لا بد أن أسمعه ، كما لا بد أن أجيب عليه ‏:‏ هل تريد إذا أن نولي الأحداث وصغار السن مناصب تحتاج إلى الحنكة والخبرة وطول التجربة ‏؟‏ وهل تريد أن نترك المجال فسيحا لكل ذي هوى مغرض أن يتسنم مناصب الدعوة فيحدث من الفتنة – بما في قلبه من الفتنة – ما تُصطلم معه روح الجماعية بين الدعاة ‏؟‏ وقد علمنا كم جر أولئك الأغمار على الدعوة من ويلات بسبب فتاواهم الجريئة المتسرعة ، وخطواتهم الدعوية غير المحسوبة ، وافتقادهم لآداب العلماء وخصال الأئمة ، وبعدهم عن الروية والأناة ‏.‏
والجواب أن المرض يعالج ، والأضرار الدعوية نتلافها ، ولا تبتر الأعضاء النافعة بزعم الخوف عليها من التلف إذا عملت ، ولا توأد الطاقات بزعم حمايتها من فورتها ونشاطها ‏.‏
إن العلم النافع والعمل الصالح والدعوة المخلصة أمور كفيلة بتنقية القلوب من كل دغل ، وقد نص القرآن على أن الدعوة من أحسن القول ‏:‏ ‏{‏ ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ‏}‏ ‏.‏ ورقابة القادة والعلماء وتربيتهم لصغار السن ضامن من ولوج الهوى إلى نفوسهم ‏.‏ ولله الأمر من قبل ومن بعد ‏.‏
وقد مر معنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم ‏:‏ إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط بهم من ورائهم ‏)‏ ‏.‏
ولم يقل أحد من أهل العلم أن علاج الرياء وآفات العمل بترك العمل ، بل المنقول عن السلف أن ترك العمل لأجل الناس رياء ، ومثل الذي يهجر العمل أو يمنع الناس منه خشية على القلوب من آفاتها كمثل من ترك الطعام والشراب خوفا من الجراثيم الكامنة فيها ، أو كمثل من هجر الناس ولم يلامسهم خوفا من عدوى الأمراض وانتقال الحمى ‏.‏
ومن رام عملا خاليا من الشوائب نقيا من المعايب فقد ركب متن الشطط وأعظم على نفسه الفرية ‏.‏ وأنى السبيل إلى عمل خالص صاف والله تعالى يقول ‏:‏ ‏{‏ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ‏.‏ أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ‏}‏ ، وقد أخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجه وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت ‏:‏ قلت ‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ قول الله ‏:‏ ‏{‏ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ‏}‏ أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏(‏ لا ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي وهو مع ذلك يخاف الله أن لا يتقبل منه ‏)‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قولـه ‏{‏ وقلوبهم وجلة ‏}‏ قال ‏:‏ يعملون خائفين ‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد ابن حميد وابن المنذر عن عائشة ‏:‏ ‏{‏ والذين يأتون ما أتوا ‏}‏ قالت ‏:‏ هم الذين يخشون الله ويطيعونه ‏.‏
وأنت ترى بجلاء أن الآية نصت على أن أولئك المؤمنين يعملون ، مع الخوف والوجل من عدم قبول العمل ، ولم يصرفهم هذا الوجل عن تجشم عناء العمل ، ومجاهدة الرياء وآفات النفس ‏.‏
إن المقصود من هذه الطريقة تطهير الضمير الدعوي ، وتنقية المقاصد من الخبث الذي يعتور المتنافسين على الدنيا ، وتمحيص الخطو الحركي للدعاة من عرجة الرياء وعثرة الشرك الخفي ‏.‏
إن مرادنا أن نحقق في دعاتنا النـزاهة المطلقة في إراداتهم ، وأن نصرف أبصارهم عن رؤية أعمالهم ، وأن يتجافى كل داعية عن بطرٍ مردٍ أو غرور مطغٍ ‏.‏
وليس عسيرا على كل فرد ينتمي إلى هذه الصحوة المباركة أن يبادر إلى نياته فينشأ منها ما يصلح للعرض على الله تبارك وتعالى،أو يسارع إلى الفاسد منها فيتداركه بالاصلاح ،ويضرع إلى الله تعالى أن يرزقه النية الخالصة والعمل الصالح.
رد مع اقتباس
قديم 30-Dec-2009, 09:45 PM   رقم المشاركة : ( 2 )
عضو جديد

الصورة الرمزية aboahmed20092002

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 25598
تـاريخ التسجيـل : Jun 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  مصر
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 37 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : aboahmed20092002 is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

aboahmed20092002 غير متواجد حالياً

ولمن أراد تحميل كتاب ((30)) طريقة لخدمة دين الإسلام للشيخ رضا آل صمدى


http://www.ballighofiles.com/books/01614.zip

أو

http://www.al-eman.com/booksD/Downlo...edmtAldeen.exe
[/color][/size]
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
الامام ابن تيمية يجيز الاحتفال يجيز الاحتفال بالمولد فلماذا المكابرة يا من تدعون انك عاشق المنتدى قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي 23 03-Feb-2012 10:15 PM
الصراط أصول منهج أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والعمل أم عبدالمهيمن قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي 0 03-Oct-2011 08:46 PM
رسالة تحذير أهل السنة من يوسف القرضاوي عبد الرزاق قسم وجهة نظر 9 11-Mar-2011 11:54 AM
أكثر من 30 مقطع فيديو قصص أعتناق الإسلام في الغرب لا تفوتك رائعة شمس الإسلام قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي 5 16-Feb-2008 07:02 PM
مقاطع فيديو لبعض قصص اعتناق الإسلام في الغرب وبعض الهندوس totot367 قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي 3 24-Jan-2008 09:17 PM


الساعة الآن 08:48 PM.


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
سبحان الله وبحمده :: سبحـان الله العظيم

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42