العودة   دار الرقية الشرعية > المنتدى الإسلامي > قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 17-Sep-2007, 04:30 PM
الصورة الرمزية الطير الحر
 
عضو ذهبي

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  الطير الحر غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9136
تـاريخ التسجيـل : Aug 2006
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  Saudi Arabia
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 1,133 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : الطير الحر is on a distinguished road
السلفية بين الدعاة والعداة

السلفية:المفهوم والتحديات

محمد بن شاكر الشريف


لفـظ (سـلف) فـي اللـغة يراد به مـا مضى وتقدم؛ كما قال ـ تعالى ـ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] كما يراد به القوم الـمتقدّمون؛ فكل من تقدم من الناس فهو سلف لمن جاء بعدهم. قال الله ـ تعالى ـ: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ} [الزخرف: 56]. وقد وردت مادة «سلف» في القرآن في ثمانية مواضع كلها دالة على ما تقدم ذكـره. والملاحـظ في اللفـظ مطلق التقدم الزمني، دون الاقتصار على قوم معينين أو جماعة محددة من الناس. والسلف بمعنى مـن سبق، منهم الصالحون ومنهم الطالحون، والنسبة إليه سلفي. والسلف الصالح بالنسبة لنا هم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتابعون لهم بإحسان، والنسبة إليهم لا تعني إلا أن المنسوب إليهم السائر على نهجهم وطريقتهم؛ وعلى ذلك فالسلفية ليست جماعة من الجماعات، كما أنها ليست فترة زمنية من الفترات مرت وانتهت، وإنما السلفية تعني متابعة السلف الصالح في تعاملهم مع كتاب ربهم وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، في فهم الدين والعمل به والدعوة إليه، وهم أهل السنة والجماعة، مما يعني أن السلفية منهج علمي وعملي شامل ومتكامل تجاه النصوص الشـرعية، وليسـت مجـرد موقـف علمـي، وقـد حث الله ـ تبارك وتعالى ـ على اتِّباع السلف الصالح في قوله: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْـمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]، كما قال عنهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»(1)؛ فهي بذلك منهج قابل للتكرار على اتساع الزمان والمكان.

لقد كان التزام المسلمين بالمنهج السلفي في التعامل مع نصوص الشريعة من حيث الفهم والعمل، ضمانة ثبات الدين عندهم وعدم تحريفه في أذهانهم، مصداقاً لقوله ـ تعالى ـ: {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَـحَافِظُونَ} [الحجر: 9] كما مكَّن هذا الالتزام من التعامل مع النوازل والمستجدات بالطريقة نفسها التي تعـامل بها السـلف الصـالح معها، ممـا يعنـي وحـدة المنهج التـي تؤلـف بـين المسـلمين فتجـعل منهـم نـسيجاً متجـانساً، ولا يعني هذا عدم الاختلاف بين أصحاب المنهج السلفي في الفهم مطلقاً؛ فذلك أمر غير مقدور كما أنه ليس مطلـوباً، وإنمـا يكون الخلاف في هذه الحالة خلافاً منضبطاً أي وفق أطر وقواعد معلومة، تنأى بالاختلاف في الفهم والاستنباط عن أن يكون تفرقاً في الدين، أو تفـلتاً وخـروجاً على النصوص، كما لا يعني العصمة في الفهم والعمل؛ بحيث لا تكون هناك أخطاء علمية أو عملية، فذلك أيضاً لم يُضمن لأحد غير الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. ومن أدبيات المنهج السلفي ما جاء عـن ابن عـباس ـ رضي الله عنهما ـ رفـعـه قـال: «ليــس أحـد إلا يؤخذ من قوله ويُدَع غير النبي -صلى الله عليه وسلم-»(2)، وتبعه في ذلك مجاهد فقال: «ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-»(1)، وقد ورد نحو هذا عن الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، وقد ورد نحو ذلك أيضاً عن كوكبة كبيرة من أهل العلم في جميع المذاهب.

لقد كانت طبيعة هذا المنهج الذي يلتزم بقول الله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]، وبقوله ـ تعالى ـ: {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا} [الأحزاب: 36] سبباً رئيساً لأن يتـحالف ضـد متبـعيه على طـول التـاريخ المتفـلتون الذيـن لم يقدموا الكتاب والسنة على ما عداهما مما يظنونه من اتباع العـقول أو المصـالح، بل عـدُّوا الكتاب والسنة كأحد ما يمكن أن يرجع إليه ضمن أشياء أُخر.

- مفاهيم خاطئة عن المنهج السلفي:

يروِّج المناوئون للمنهج السلفي بعض المفاهيم المغلوطة عنه، ويخلطونها ببعض التحليلات التي تعتمد على تلك المفاهيم؛ فمن ذلك دعواهم:
أن المنهج السلفي منهج إقصائي حاد وعنيف يلغي الآخر المسلم ولا يعترف به، مما يترتب عليه تقسيم البلاد وتفتيت الجماعة، وتهديد الوحدة الوطنية، والعمل على تفكيك النسيج الاجتماعي، وهو يؤدي في النهاية إلى الاحتراب الداخلي، وهم يدعون لأجل ذلك إلى إقصاء المنهج السلفي، وإلى التمييع في متابعة الكتاب والسنة والسلف الصالح بزعم التمكين للتعددية الثقافية والمذهبية، وهذا بلا شك غير صحيح، بل أصحاب المنهج السلفي هم أهل اتِّباع السنة وأهل الجماعة والاجتماع؛ فهم حريصون على الجماعة يذمون التفرق ويصبرون من المخالف على الأذى. قال الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ في خطبته فيما صنفه من الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله قال: «الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى؛ فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم»(2)، وقد طبق ذلك ـ رحمه الله ـ عملياً؛ وموقفه العملي في ذلك مع المعتزلة الذين عذبوه وسجنوه معروف مشهور.

وهذا مالك بن أنس ـ رحمه الله تعالى ـ لما اسشاره هارون الرشيد في حمل الناس على موطَّئه قال له: «لا تفعل يا أمير المؤمنين! فإن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تفرقوا في الأمصار، فأخـذ كـل قوم عمن كان عندهم، وإنما جمعت علم أهل بلدي ـ أو كما قال»(3).

ومواقف أصحاب المنهج السلفي في ذلك كثيرة مشهورة؛ فكيف يقال عنهم إنهم إقصائيون؟ وقد سُمي السلف الصالح بأهل السنة والجماعة من حرصهم على الالتزام بالسنة ومجانبة الابتداع، وعلى الاجتماع ونبذ الفرقة، وبهذا يظهر أن هذه مواقف أصيلة في المنهج السلفي وليست تنازلات مؤقتة فرضتها ظروف قاهرة. والشيء الغريب في ذلك أن الذين يرمون الاتجاه السلفي بهذه الفرية هم من يعلنون ويطالبون بإقصاء التيار السلفي، بل الأغرب من ذلك أن من قَبِلَ من هؤلاء بالحل الديمقراطي وأن يكون قرار الشعب هو الفاصل، تجده يقول: ولكن كيف نفعل ذلك من غير أن يصل أصحاب المنهج السلفي إلى الحكم؟ فحتى النظام الانتخابي الذي ارتضوه يسعون إلى صياغته ليكون قائماً على الإقصاء.

ومن ذلك حديثهم أن أصحاب المنهج السلفي لا يستطيعون العيش بدون معارك داخلية مع العلمانيين والروافض وغيرهم، والشيء الغريب أن أصحاب هذه الأقوال هم من يقومون بمعارك داخلية عنيفة وإقصائية مع من يختلفون معهم، لكنهم لا يقبلون أن يردَّ عليهم أحد؛ فهم ينكرون على غيرهم ما هم غائصون فيه إلى الأذقان، ولكن بفارق مهم هو أنهم لا مرجعية لهم في إنكارهم على السلفيين.

فمن المعلوم من دين الإسلام وعند كل المسلمين أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما أمرت به الشريعة وجاءت به الرسالة. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له درجات ثلاث: باليد واللسان والقلب. ولا شك أن كل من كان لديه علم صحيح فعليه أن يقوم بالبيان في هذا الأمر؛ فهل المطلوب من السلفيين أن يكفُّوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويغلقوا أفواههم على ألسنتهم حتى يقال عنهم إنهم منفتحون أو يقبلون بالتعددية؟ إن هذا الاعتراض في حقيقته هو اعتراض على شريعة الإسلام نفسه وليس على السلفيين فحسب، إن الأمر والنهي أمر قد مارسه المسلمون في كل عصورهم، وكان ضمانة مهمة من ضمانات أمن المجتمعات الإسلامية، وإن الدعوة اليوم إلى إهماله أو تهميشه بحجة السماح بالتعددية الثقافية ونحو ذلك هي دعوة إلى إفساد المجتمعات وتخريبها، وتلك مهمة كثير من التيارات المناوئة للمنهج السلفي.

- حرب السلفية من جهة تيارات الحداثة بجميع فصائلها:

كل من كان يريد الخروج على هذه الشريعة الكاملة ومنازعة الكتاب والسنة في المرجعية، فلا بد أن يهاجم أصحاب المنهج السلفي؛ لأن أصحابه هم الذين يتصدون له ويردون عليه بالدليل ويبينون زيف كلامه أو دعواه.

في عصرنا الحاضر توجد مجموعات عدة تعادي أصحاب المنهج السلفي، بعضها يستند إلى جذور قديمة وبعضها محدَث جديد، فممن يستند في ذلك إلى أصولهم ومرجعياتهم القديمة، الشيعة وكذلك الصوفية.

لكن هناك فئة معاصرة تعادي أصحاب المنهج السلفي، من غير أن يكون لهم سلف أو أصول يمكن أن يرجعوا إليها، وهي فئة العصرانيين أو الحداثيين أو الليبراليين، وهو ما يجعلهم مقطوعي الصلة مبتوتين عن أوضاع المجتمع الإسلامي، وإن حاولوا الاستناد على المعتزلة الذين قدموا العقل في أمور كثيرة على الكتاب والسنة، فكانوا لهم سلفاً من هذه الناحية؛ فلذلك يكثر من هذه الفئة المديح والتبجيل لهم، ومحاولة إحياء تراثهم، حتى صار الثناء على المعتزلة يمثل علامة بارزة لأصحاب هذه الاتجاهات.

لقد وفرت الحملة الأمريكية الظالمة التي تشنها هي وأحلافها ـ على ثبات الدين الإسلامي في محاولة لتفريغه من مضمونه، أو تطويره الذي يعني تغييره وتبديله، متذرعة في ذلك بما ابتدعته وروجت له باسم الحرب على الإرهاب، وقد قدمت العديد من مراكز أبحاثهم توصيات لتحقيق ذلك كتقوية الفئات المبتدعة أو الفئات الليبرالية والاتصال بهم، وفرضهم على الأنظمة، والسماح بإدخال بعضٍ من أطروحاتهم ومفاهيمهم للدين لتكون جزءاً من المناهج التعليمية ـ وفرت شروطاً لنجاح أصحاب تلك الفرق في مشروعهم التخريبي، الذين عملوا على الاستفادة من هذه الأوضاع، واستغلال حالة الضعف الشديدة التي يمر بها الكثير من الأنظمة الإسلامية، التي لم يعد يشغلها سوى الحفاظ على مكاسبها وأوضاعها.

وقد تعرض المنهج السلفي في عصرنا على أيديهم إلى مناوأة شديدة على مختلف الأصعدة.

ويمكن تقسيم الحديث عن حربهم للسلفية إلى ثلاثة محاور:

الأول: المرجعيات أو المصادر (الكتاب ـ السنة ـ الإجماع).

الثاني: منهج التعامل العلمي والعملي.

الثالث: رموز ورجالات المنهج السلفي.

وقد حظي كل محور من هذه المحاور بحملة من الهجوم والقدح لمحاولة إفراغه من مضمونه، أو إسقاطه من نظر المسلمين.

1- حرب المرجعيات أو المصادر:
تمثلت هذه الحرب في محاولة تهميش مكانة الكتاب والسنة والإجماع باعتبارها الأصول الضابطة التي يرجع إليها عند الاختلاف؛ وذلك من خلال الحديث عن:

1 ـ تعددية القراءة للنصوص الشرعية؛ بمعنى أن النص الشرعي يمكن فهمه بأكثر من طريق، أو أسلوب، مما يسمح بالوصول إلى نتائج مختلفة أو متباينة، وأحقية كل واحد أن تكون له قراءة خاصة به، يفهم من خلالها النصوص بلا ضابط يضبط ذلك، سوى الحديث عن موافقة العصر ومجاراة التطور، وعدم التحجر أو مخالفة العقل، من غير اشتراط لأي إمكانيات أو مؤهلات علمية تعين على الفهم والاستنباط، وهم في ذلك متأثرون بالنظرة الغربية لكتبهم المقدسة التي فقدت قداستها لكثرة ما وقع فيها من الخلط والاضطراب، الذي هو أحد نتائج التحريف الذي تعرضت له تلك الكتب على أيدي أتباعها.

2 ـ إهمال مكانة أصحاب التخصص في العلوم الشرعية في الفهم والاستنباط، تحت زعم نفي الوصاية والقداسة، ومن هذا المنطلق، انفتح الباب على مصراعيه لكل دخيل دعي يزعم أحقيته في مخالفة المستقر المعلوم الذي دلت عليه النصوص، وأيدته أقوال أهل العلم على مدى القرون، وهم في ذلك أيضاً متأثرون بالنظرة الغربية لعلماء دينهم الذين جعلوا من آرائهم ومعارفهم المحدودة، شرعاً وديناً يضاهي ما نزل من عند الله العلي الكبير، فقامت لأجل ذلك في الغرب حركات للإصلاح الديني من أشهرها حركة «مارتن لوثر»؛ حيث دعا إلى رفع وصاية القساوسة عن «الكتاب المقدس» وأن تتاح قراءته لجميع النصارى بعيداً عن التقيد بشروحات أو أفهام القساوسة والرهبان.

3 ـ تاريخية الشريعة؛ بمعنى ربط النص بالحادثة أو الواقعة التي جاء فيها، وهو يعني إخراج الشريعة عن عمومها وشمولها، وهو ما يعني في حقيقته نسخ الشريعة، وإذا لم يكن النسخ كاملاً عند بعض هؤلاء، فعلى الأقل نسخ كل ما يتعارض من الشريعة مع ما يعدونه من قيم التحضر والمعاصرة؛ انطلاقاً من أن تلك النصوص المتروكة إنما هي نصوص تاريخية ليست عامة أو شاملة، فصارت هذه القيم بمنزلة المحكم الذي يُقدَّم على غيره، وتُحرَّف لأجله النصوص الواضحة المحكمة باسم التأويل.

2- حرب المنهج العلمي: وذلك من خلال:

1 ـ الاعتداد الزائد عن الحد بالعقل وتقديمه على النص؛ فإذا تعارض ما دل عليه الشرع مع ما دل عليه العقل، كان ما دل عليه العقل هو المقدم.

2 ـ تأسيس الأحكام على ما يتصور أنه مصلحة من غير مراعاة لأية قيود أو ضوابط سوى مجرد المصلحة.

3 ـ الخروج على الضوابط الشرعية والتفلت من الاتِّباع بدعوى التيسير، فأصبح لفظ التيسير هو الصخرة التي ُتحَطَّم بها الضوابط والقيود والحدود، وتخالَف بها النصوص الصريحة في دلالاتها

3- حرب الرموز:

أما الرموز فهي القيادات المتبعة للمنهج السلفي والداعية إليه والمقررة لأصوله، ويكون ذلك بالطعن فيها بنبزها بالتحجر والانغلاق، وعدم معرفتها بالواقع، وعدم الانفتاح على قيم العصر، وأن هذه القيادات لم تعد مما يصلح في حقبة العولمة التي تحول فيها العالم إلى بقعة كبيرة متجانسة متصلة ببعضها اتصالاً وثيقاً على رغم بُعد المسافات بينها، ومحاولة حصر المنـهج فـي عـدد مـن الأشـخاص وكـأنهم هـم الذيـن جاؤوا به أو ابتدعوه، وليس هو منهج السلف الصالح رضي الله عنهم، فتراهم يحصرون المنهج السلفي في العصر الحديث في الشيح محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ومن قبل يحصرونه في شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى؛ في حين أن هؤلاء الأعلام لم يكونوا أكثر من مقررين لمنهج السلف، ناقلين له، وداعين إليه؛ فلم يكونوا منشئين له؛ والدليل على ذلك أنك تجدهم يستدلون على ما يقررونه بكلام المتقدمين من أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة المتَّبَعين كأبي حنيفة ومالك والليث والشافعي وابن حنبل والبخاري والطبري وابن عبد البر والآجرِّي واللالكائي والهروي والدارمي وابن مندة، وغيرهم كثير.

- ساحات العمل:

لقد بان أن على أصحاب المنهج السلفي أن يجاهدوا في ساحة عمليات واسعة، تشتمل على عدة جبهات كلها مفتوحة فـي آن واحـد. ولا شك أن تعدد الجبهات واتساعها من شأنه أن يضـعف القـوة المواجـهة ويشتـتها، كمـا قـد يـورث نوعـاً مـن البـلبلة والتداخل بل وربما التعارض أحياناً، وليس هناك من خيار في مواجهة تلك الجبهات جميعاً، لكن قد يمكن التأجيل بعض الوقت مع بعض الجبهات، وتقديم مواجهة الأخطر على الخطير إذا لم يمكن استيعاب الجبهات جميعاً، كمـا يمكن تقسيم العمل بحيث تتفرغ مجموعة لمواجهة طرف من أطراف الهجوم على المنهج السلفي، بينما تتفرغ مجموعة أخرى لمواجهة طرف ثانٍ وهكذا، ويتبين من هذا أن الساحة تتسع لكل فصائل التيار السلفي بالمشاركة دون المزاحمة، والجبهات المفتوحة لمحاربة المنهج السلفي هي: جبهة الشيعة، جبهة الصوفية، جبهة تيار الحداثة بكل فصائله، جبهة الغلاة الذين يغالون في المنهج السلفي. وفي المقابل لهم: فئة المتخاذلين أمام جبروت الظالمين وكلهم يزعم اتباع المنهج السلفي، وهم رغم تناقضهم الشديد إلا أنهم وجهان لعملة واحدة، هي البعد عن المنهج السلفي: إما بالغلو فيه، وإما بالجفاء عنه

* التحديات التي تواجه الدعوة السلفية:

هناك العديد من التحديات التي تعترض مسير الدعوة إلى المنهج السلفي، التي يمكن النظر إليها من خلال جهة التحدي: فهناك تحديات دولية، وهناك تحديات محلية، كما أن هناك تحديات داخلية، نذكر منها ما يلي:

< التحديات الدولية:

تتمثل التحديات الدولية في الحملة العالمية المعلنة على الإرهاب، التي تحاول الربط ظلماً وافتراء بين الإرهاب والمنهج السلفي؛ فاتِّباع المنهج السلفي يعد في نظر أصحاب هذه الحملة من الإرهاب الذي ينبغي محاربته، ويعدون المنهج السلفي هو منتج الإرهاب، ولا يستثنون من ذلك إلا ما يدعونه بأنه معتدل. والاعتدال عندهم ليس هو ما ينافي الغلو، ولكن الاعتدال هو القبول بالقيم الغربية والدعوة إليها، أو عدم معارضتها، فأتْباع المنهج السلفي ـ عندهم ـ إما إرهابيون بالفعل، وإما إرهابيون بالاستعداد، مما ترتب عليه ضغط الحكومات الغربية على كثير من الأنظمة الإسلامية للتضييق على الاتجاه السلفي ومحاصرته، وذلك عن طريق إلغاء التعليم الديني أو التضييق عليه، وتقييد النشاط الدعوي السلفي، وتقليص الدعم المادي إلى حدود متدنية، ولا يبعد عن ذلك تلك الهجمة الشرسة على المؤسسات الخيرية الإسلامية التي تقوم بالعمل الخيري بين المسلمين، وهذا يؤثر بلا شك على الدعوة السلفية؛ حيث يجعلها في دائرة الاتهام في نظر المخدوعين بهذه الحملة الظالمة، مما يصد الكثير من المسلمين عنها.

وفي تقرير (شيرلي بينارد) الذي أعدته مؤسسة (راند) لمقاومة الإسلام في شخص المتمسكين به، قدَّمتْ عدداً من التوصيات لصانعي القرارات. فمن ذلك: أن الصوفية تمثل تأويلاً فكرياً منفتحاً للإسلام، ويجب أن يتم تشجيع التأثير الصوفي بقوة في البلدان التي لديها تقاليد صوفية مثل العراق وأفغانستان، وذلك من خلال التأثير في مناهج التعليم وقيم المجتمع وثقافته؛ حيث إن الصوفية بما لديها من طقوس شعرية وموسيقية وفلسفية تمثل جسراً للخروج من الاندماج الديني. ومن ذلك يجب دعم الحداثيين في المقام الأول؛ وذلك من خلال تغليب نظرتهم للإسلام.. ويجب العناية بهم وتقديمهم إلى الرأي العام على أنهم يمثلون الوجه المعاصر للإسلام. ومن ذلك تشجيع العلماء من أنصار الحداثة في تأليف الكتب وإعداد المناهج الدراسية. ومنه الاستفادة من وسائل الإعلام الإقليمية للتعريف بأفكار وممارسات أنصار الحداثة المسلمين. ومن ذلك العمل على تأهيل نماذج قيادية يقتدى بها. ومن ذلك أيضاً مشاركة الغالبية من المسلمين من أنصار الحداثة في المناسبات السياسية ليصبحوا حقيقة سكانية ماثلة للعيان(1)، إلى غير ذلك من التوصيات التي تأخذ طريقها إلى التنفيذ في واقع المجتمعات الإسلامية.


< التحديات المحلية:

وأما التحديات المحلية فكثيرة، ومنها: سيطرة كثير من مروِّجي بضاعة الغرب الفكرية على مواقع التأثير، والذين يرون أن في التمسك بالمنهج السلفي والمحافظة عليه خطراً يهدد سلامة المجتمع وأمنه وتآلفه، ولذلك يدعون إلى التخلي عن هذا المنهج وتجاوزه، واستغلال واقع العالم المناوئ للمنهج السلفي في كسب أرض جديدة، والضغط على الأنظمة لابتزازها في التصدي للدعوة السلفية، واستعدائها عليها بزعم الخطورة على استقرارها، والتخويف بالعالم الغربي.

ومن ذلك السماح للاتجاهات المنحرفة إسلامياً كالشيعة والصوفية الغالية وتيارات الحداثة في الدعوة إلى انحرافاتهم، ومن ذلك تجاهل أصحاب الدعوة السلفية في كثير من المجتمعات، وإبعادهم عن مراكز التأثير، والحيلولة بينهم وبين المناصب العليا في مؤسسات الدولة المهمة، وعدم إشراكهم في حركة التصحيح والإصلاح، بل حجبهم عن ذلك ومنعهم منها، مما يؤثر على قدرتهم في إصلاح مجتمعاتهم ويحول بينهم وبين الانفتاح على شعوبهم.

ومنه جهل كثير من الشعوب الإسلامية بحقيقة دين الإسلام، مما أدى إلى اختزال الإسلام على شموله وعمومه في بعض أركانه عند فريق، وفي مستحباته عند فريق آخر، بل بلغ الاختزال إلى مجرد الانتساب إليه؛ فالإسلام عندهم هو الانتساب إليه، ولو لم يقم بأيٍّ من فرائضه، وقد ترتب على هذا الاختزال أن انحرفت كثير من العقول عن جادة الطريق وتعلقت بسفساف الأمور، ولا شك أن هذا الاختزال عند الكثيرين يجعلهم ينظرون إلى دعاة المنهج السلفي وكأنهم قد أتوا بدعوة جديدة، وليس تجديداً لمفهوم الدين الصحيح.

ومن التحديات الخطيرة التي يظهر أنها مرشحة بقوة في الفترة القادمة لمواجهة المنهج السلفي، الإغراء بلعبة الحل الديمقراطي والانتخابات، مما قد يغري طائفة كبيرة من الناس بالتحول إلى ذلك الخيار خاصة مع التضييق على المنهج السلفي، فيذهب الناس إليه على أنه متنفس لهم، يحاولون عن طريقه تحقيق ما يمكن تحقيقه، وإذا كان من الممكن تحقيق بعض الإيجابيات من ورائه على المدى القصير؛ فإن سلوك هذا الطريق والتعويل عليه سيكون على المدى الطويل حائلاً دون اجتماع المسلمين على متابعة الصحابة والتابعين والأئمة الأعلام، ولذلك فإننا نجد ضغطاً غربياً على الدول العربية والإسلامية لفتح هذا الباب حتى آخر مداه، ولا يكون ضغطهم هذا لخير الأمة؛ فقد قال الله ـ تعالى ـ في وصف حالهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118]، والآيات في ذلك كثيرة، وإنما يضغطون لما يعود عليهم من النفع من وراء ذلك.

< التحديات الداخلية:

وأما التحديات الداخلية فهي تتمثل في التحديات الآتية من داخل التيار السلفي نفسه؛ فمن ذلك: تقدير بعض الفصائل لنفسها تقديراً زائداً عن الحد حتى لترى أنها الفرقة الناجية دون ما سواها من المسلمين، ومن ثم النظر لكل من خالفها على أنها من الفرق المذمومة، ومن ذلك وسْم المنهج السلفي بسمات ضيقة مما يترتب عليه أن يُخرج كل فصيل من المنهج السلفي الفصيل المغاير له في الفهم ولو في بعض القضايا الفقهية، ومنه اختزال العمل الدعوي كله في العناية ببعض المسائل العلمية، وتحقيقها وشرحها والدعوة إليها.

\ ضوابط وآليات في المواجهة:

أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح من الصحابة والتابعين هم الأمناء على هذا الدين وهم من يقع على كاهلهم أمانة تبليغه والمحافظة عليه، وهم الذين عناهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك»(1)، وهم الـمُناط بهم مواجهة الخارجين عن هذه الشريعة أو الزائغين عنها، وهناك أمور مهمة يحتاج إليها المسلم على الدوام في رد عادية المعتدي، فمن ذلك:

1 ـ الجهر بالحق والمفاصلة عليه مع من يبغضون الحق ويكرهونه، وعدم الضعف في ذلك أو التلون أمام ضغوط الإكراه أو الإغواء، وقد قال الله ـ تعالى ـ لرسوله وهو في مكة: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ} [يونس: 104]، وقال له: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} [الكافرون: 1 - 2] وهو قول له ولكل من اتبعه وسار على منهاجه، ولكن ينبغي الحذر من البغي أو الاستطالة على الآخرين.

2 ـ كشف المحاربين للدعوة السلفية والذين يتدثرون ببعض أرديتها، حتى يكون الناس على بينة من أمرهم، لكن من غير أن يُظلم أحد أو يُتهم بغير بينة ودليل يرشد إلى ذلك.

3 ـ عدم الفتور في نشر المنهج السلفي وجمع الأمة عليه، والتماس كل طريق صالح يؤدي إلى ذلك؛ فإن الدعوة السلفية دعوة للاجتماع على الحق قولاً وعملاً.

4 ـ تحديث وسائل الدعوة ومواجهة الخارجين على المنهج السلفي بأساليب ووسائل صحيحة مقبولة وفق قواعد المنهج السلفي، مع عدم الانسياق وراء ما تروجه وسائل الإعلام في كثير من بلاد المسلمين عن الخيار الديمقراطي.

5 ـ الثبات على الحق وعدم المداهنة أو الخضوع والخنوع؛ فإن من عوامل قوة المنهج السلفي الثبات على الحق. وفي أجواء الحملة المضـادة ربمـا يحاول بعضهم أن ينحني للعاصفة حتى لا تقتلعه، وإذا كانت قواعد السياسة الشرعية تسمح للمسلم بأن يؤخر الدعوة إلى أمر من الدين إذا علم أنه لا يقدر على ذلك، فيؤخره إلى حين التمكن، لكن لا ينبغي له المداهنة والموافقة على بعض الباطل في مقابل أن يُسمح له ببعض الحق، فالسكوت عن التكلم بالحق إذا لم يكن ذلك مقدوراً أوْلى من النطق بالباطل؛ وقد حــذر القــرآن من ذلـك المسـلك فقــال ـ تعالى ـ: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] وقد بين ابن جرير الطبري ـ رحمه الله تعالى ـ معنى ذلك فقال: «ود هؤلاء المشركون يا محمد! لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم، فيلينون لك في عبادتك إلهك»(1)، وقال الحسن البصري ـ رحمه الله تعالى ـ: «ودوا لو ترفض بعض أمرك، فيرفضون بعض أمرهم»(2).

فالمنهج السلفي يأبى الصيغ التوافقية التي يترتب عليها الإقرار ببعض الحق بجانب بعض الباطل، أو التخلي عن بعض الحق في مقابل أن يتخلى أهل الباطل عن بعض باطلهم، ونلحظ في هذا المجال في أيامنا هذه محاولة إدخال كثير من الألفاظ والتعابير وحشرها بعُجَرها وبُجَرها في نسيج الأمة الثقافي من غير أي تمييز، وموافقة كثير من الناس على ذلك أو السكوت عليه، كما نلحظ اتهام من يميز هذه الألفاظ ويبين ما فيها من الصواب وما فيها من الخطأ، فمن هذه الألفاظ التي غزت ثقافتنا: التسامح أو الإخاء الديني، والاعتراف بالآخر المختلف ثقافياً وعقدياً، ونبذ التعصب والكراهية للآخر المختلف، والبحث عن المشترك الإنساني والتعاون لخير الإنسانية. وفي المقابل نجد عملية تغييب مقصودة لكثير من المصطلحات الشرعية مثل: الولاء والبراء، ودار الحرب ودار الإسلام، وأحكام أهل الذمة.

6 ـ الصبر وعدم الضجر واستعجال النتائج: إن مشروعاً ضخماً كمشروع المنهج السلفي يحتاج إلى جهد ومثابرة ومكابدة وطول زمان، والاستعجال يقوِّض العمل ويفسد النتائج؛ فالزلل يلازم المستعجل، لكن عدم الاستعجال لا يعني التراخي والكسل، بل الجد والاجتهاد والحرص، وكلها أمور مطلوبة في ترسيخ هذا المشروع الكبير، وقد قال نوح ـ عليه السلام ـ: {إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا} [نوح: 5] وقال: {ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إسْرَارًا} [نوح: 8 - 9] مما يبين حرصه الشديد وجهده المتواصل، وكذلك الأنبياء من بعده، وعلى رأسهم سيد البشر -صلى الله عليه وسلم-، فلم يستعجل؛ إذ ظل يدعو في مكة ثلاثة عشر عاماً من غير استعجال النتائج، ولكن مع الجد والاجتهاد في الدعوة؛ حيث كان يلقى الناس في المواسم ويعرض عليهم دعوته، كما خرج من مكة إلى الطائف يدعو إلى ربه، فلم يكن عدم الاستعجال؛ مدعاة للتواني أو الخـمول، وكـان -صلى الله عليه وسلم- يرشد أصحابه إلى عدم الاستعجال، فعـندما قـال له خباب رضي الله ـ تعالى ـ عنه وهم يُضيَّق عليهم في مكة: ألا تستنصر لنا! ألا تدعو الله لنا! قال لهم بعدما ذكر ما كان يلاقيه المسلمون السابقون من أقوامهم: «واللهِ! ليتمنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون»(3).

لكن هناك ضوابط لا بد مراعاتها في هذه المواجهة، والتي منها:

1 ـ العدل والإنصاف: فلا يجور على المخالفين، ولا يعاملهم بمثل ما يعملون من الكذب والغش والخيانة. قال الله ـ تعالى ـ: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، والعدل والإنصاف مطلوب مع كل أحد سواء كان من أهل السنة والجماعة، أو كان من أصحاب الفرق، أو كان مـن غـير المسـلمين. وأمـا مـن كـان يفـتري علـى أصـحاب المنهج الـسلفي فإن الله ـ تعالى ـ يرد كيده في نحره ويخذل المفترين. قـال الله ـ تعالى ـ: {إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْـمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] فبـين الله ـ تعالى ـ أن هـذه العـقـوبـة جـزاء لكـل مفترٍ.

2 ـ اتباع الظاهر وعدم التنقيب عن البواطن: فإنه لا سبيل إلى الاطلاع على البواطن إلا للذي يعلم السر وأخفى، لكن ينبغي مع هذا عدم الغفلة عن القرائن التي تنبئ عما وراءها، كما قال ـ تعالى ـ: {وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَـحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 30]، وإذا كانت هذه القـرائن لا تصـلح لإصـدار حـكم علـى صـاحـبهـا، لكنها تصلح للاحـتراز والاحـتراس منـهم، وهـو معـنى مـا روي عن عمر ـ رضي الله تعالى ـ عنه: «احترسوا من الناس بسوء الظن» والحسن البصري ومطرف بن عبد الله من التابعين، وكذلك ما ورد في أمثال العرب من قول القائل: أخوك البكري فلا تأمنه.

3 ـ عدم المبالغة أو الغلو في الأحكام: فمن المعروف أن أحكام الشريعة ليست كلها على وِزان واحد؛ فمنها ما هو معلوم من الدين بالضرورة، ومنها ما هو مجمَع عليه، ومنها ما هو مختلَف فيه خلافاً ضعيفاً، ومنها ما هو مختلف فيه خلافاً قوياً، وكـل نـوع منـ هذه الأنـواع له أحـكامه المترتـبة علـى وضـعه، ولا ينبغي إنزال الجميع منزلة واحدة بحيث تعامل المسائل المختلَـف فيــها كما لو كانت مسائل إجماعية، ولا تعامل المسائل المشهــورة كمـا لو كانـت معلومـة مـن الـديـن بالضـرورة، كما لا ينبغي حمل الناس على مذهب واحد في العلم والفتيا في المسائل الاجتهادية.

ويتبين مما تقدم أن أصحاب المنهج السلفي أهل السنة والجماعة بحاجة إلى وحدة الصف وعدم التنازع وتفريق الجـهـود، والثـبات علـى الحـق ورفـض المسـاومة علـيـه، والجـد والاجتهاد واحتمال الأذى في العمل لهذا الدين، وبيان فساد الدعوات المخالفة، وبيان ارتكانها على المشاريع الغربية السـاعية لتـقويض صـرح هـذا الديـن، حتى يحذرهم الناس علىـ دينـهم ودنيـاهم، والله غـالب علـى أمـره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش

(1) أخرجه البخاري كتاب رقم ومسلم كتاب رقم ( ).

(2) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 11/339 وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون (مجمع الزوائد 1/430) ونسبه في فتح المجيد إلى رواية الإمام أحمد وهو وهم، ونسبه السيوطي في الدرر المنتثرة (1/361) إلى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد.

(1) أخرجه البخاري في قرة العينين (1/73).

(2) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (15/284).

(3) مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/338).

(1) انظر: الإسلام المدني الديمقراطي، تأليف شيرلي بينارد، ص 75 وما بعدها.

(1) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، رقم 3544.

(1) تفسير ابن جرير الطبري (12/182).

(2) تفسير القرطبي (18/202).

(3) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، رقم 3343.


المصدر: مجلة البـيان- العدد 221- محرم 1427هـ
رد مع اقتباس
قديم 17-Sep-2007, 04:31 PM   رقم المشاركة : ( 2 )
عضو ذهبي

الصورة الرمزية الطير الحر

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9136
تـاريخ التسجيـل : Aug 2006
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  Saudi Arabia
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 1,133 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : الطير الحر is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

الطير الحر غير متواجد حالياً

أهل السنة والخصوم


د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف*


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

< منذ أشرقت الرسالة المحمدية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ وخصوهما يقارفون الكبر والمكر والصدّ عن سبيل الله ـ تعالى ـ بالطعن في هذا الدين، والعمل المتواصل بالإساءة للصادق الأمين -صلى الله عليه وسلم-، فسمّى بعض المشركين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ساحراً، وسمّاه بعضهم كاهناً، وبعضهم مجنوناً، وبعضهم مفترياً كذّاباً.

ولما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ورقةَ بن نوفل بما رآه في بدء الوحي.. فقـال له ورقة: هـذا النـاموس(1) الذي نـزّل الله علـى موسى، يا ليتني فيها جَذَعاً(2)، ليتني أكون حيّاً؛ إذ يُخرجك قومك. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أوَ مخرجيّ هم»؟! قال: نعم! لم يأتِ رجل قط ُّبمثل ما جئتَ به إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ـ يلبث ـ ورقة أن توفي. أخرجه البخاري، كتاب: بدء الوحي، برقم (3).

ولما قالت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ للنبي -صلى الله عليه وسلم-: هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيتُ من قومك ما لقيتْ، وكان أشدّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة؛ إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد يا لِيل بن عبد كُلال(3)، فلم يجبني إلى ما أردتُ، فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي...» الحديث. أخرجه البخاري، كتاب: بدء الخلق، برقم (3231)، وانظر: باب: ما لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من المشركين بمكة، ك: مناقب الأنصار، من صحيح البخاري.

< وإذا تبيّن ذلك فإن أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- لا بد أن يصيبهم البلاء، وتعرض لهم المحن، ولذا قال بعض السلف: وهذا علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة(4).

ومع أن أهل السنة امتُحنوا بأنواع المحن، وفُتنوا بأنواع الفتن ـ كما سيأتي بيانه ـ إلا أنهم أعظم الناس صبراً ويقيناً؛ فالثبات والاستقرار في أهل السنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل البدع والأهواء(5).

بل قرر ابن القيم ـ رحمه الله ـ أن المحنة والابتلاء ملازمان لكل إنسان سواء كان مؤمناً أو كافراً.

وقال ـ أيضاً ـ: «إن الإنسان مدني بالطبع، لا بد له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات واعتقادات، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، فإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب من وجه آخر، فلا بدّ له من الناس ومخالطتهم، ولا ينفك عن موافقتهم أو مخالفتهم، وفي الموافقة ألم وعذاب، إذا كانت على باطل، وفي المخالفة ألم وعذاب، إذا لم يُوافِق أهواءهم واعتقاداتهم، ولا ريب أن أَلَم المخالفة لهم في باطلهم أسهل وأيسر من الألم المترتب على موافقتهم.

واعتـبر هذا بمن يطـلبون منه الموافـقة على ظلم أو فاحشة أو شهادة زور، فإن لم يوافقهم آذوه وعادوه، ولكن له العاقبة والنصر عليهم إن صبر واتقى، وإن وافقهم فراراً من ألم المخالفة أعقبه ذلك من الألم أعظم مما فرّ منه، والغالب أنهم يسلطون عليه، فيناله من الألم منهم أضعافُ ما ناله من اللذة أولاً بموافقتهم.

فمعرفة هذا ومراعاته من أنفع ما للعبد، فألمٌ يسيرٌ يُعْقِب لذة عظيمة دائمة أوْلى بالاحتمال من لذة يسيرة تُعْقِب ألماً عظيماً دائماً، والتوفيق بيد الله»(1).

< وما فتئ أهل البدع والأهواء في الطعن على أهل السنة، ونبذهم بالألقاب الكاذبة، كما هو مسطور في القديم، ومشاهَد في الحديث. فأما في القديم فقد ساق شيخ الإسلام الصابوني بإسناده إلى أبي حاتم الرازي (ت 277هـ) أنه قال: «علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر(2)، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهلَ الأثر حشوية(3)، يريدون بذلك إبطال الآثار، وعلامة القدرية تسميتهم أهلَ السنة مجبرة، وعلامة الجهمية تسميتهم أهلَ السنة مشبِّهة، وعلامة الرافضة تسميتهم أهلَ الأثر نابتة(4) وناصبة..»(5).

وصّنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي (ت622هـ) جزءاً أسماه: «تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة»، فذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب أهل السنة بلقب افتراه، يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد، كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي -صلى الله عليه وسلم- بألقاب افتروها؛ فالروافض تسميهم نواصب، والمرجئة يسمونهم شُكَّاكاً(6)، وأهل الكلام يسمونهم حشوية ونوابت»(7).

ولا يزال أهل الزندقة في هذا العصر من العلمانيين والبـاطنيين ومن تبعهم من أهل الأهواء المعاصرين الذي يسمون أنفسهم بـالعقلانيين، أو أدعـياء التنوير، أو ما يسمّى بـ «الليبراليين الإسلاميين»!، لا يزالون جميعاً على طريقة أسلافهم من الشغب على أهل السنة، فيرمونهم بالتشدد والتشنج وضيق الأفق، والظلامية والأصولية والإرهاب، إضافة إلى طعنهم في الثوابت الشرعية والأحكام المعلومة من الدين بالضرورة.

< لقد كابد أهل السنة أنواعاً من البلاء والعداء، وقاسوا فتن الشبهات والشهوات، فما وهنوا ولا استكانوا، بل صبروا على الأذى، وبلّغوا رسالات الله ـ تعالى ـ لا يخافون في الله لومة لائم.

فهذا إمام الهجرة مالك بن أنس ـ رحمه الله ـ قد امتُحن وضُرب بالسياط، ومُدّتْ يداه حتى انخلع كتفاه، ومع ذلك كان يقول: لا تغبطوا أحداً لم يصبه في هذا الأمر بلاء.

وقال بعضهم: فواللهِ لمالكٌ بعد ذلك الضرب في رفعة الناس، وعلو وإعظام، حتى كأنما كانت تلك السياط حلياً حُلِّي بها(8).

وهذا إمام أهل السنة أحمد بن حنبل: « قد تداوله ثلاثة خلفاء(9) مسلَّطون من شرق الأرض إلى غربها، ومعهم من العلماء المتكلمين، والقضاة، والوزراء، والأمراء من لا يحصيهم إلا الله، فبعضهم بالحبس، وبعضهم بالتهديد الشديد بالقتل وبغيره، وبالترغيب في الرياسة والمال ما شاء الله، وبالضرب، وبعضهم بالتشريد والنفي، وقد خذله في ذلك عامة أهل الأرض، وهـو مـع ذلك لم يعطـهم كـلمة واحــدة ممـا طلـبوه، وما رجع عمّا جاء به الكتاب والسنة»(10).

بل بلغ الإفك ببعضهم أن زعموا أن الإمام أحمد كان من أعظم نفاة الصفات(1).

وسجن الإمام البويطي ـ صاحب الشافعي ـ ووضع الغلّ في عنقه، والقيد في رجليه وكان يقول: لأموتنّ في حديدي هذا، حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم(2).

وعانى شيخ الإسلام الهروي ـ رحمه الله ـ (ت481هـ) ضروباً من المحن والبلايا، فَأُخْرِج من بلده، وجاءه الإمام البغوي قائلاً له: إن الله قد جمع لك الفضائل، وكانت قد بقيت فضيلة واحدة، فأراد أن يكملها لك، وهي الإخراج من الوطن، أسوة برسول الله -صلى الله عليه وسلم-(3).

وعمد خصومه إلى الإفك والبهتان، حيث حملوا صنماً صغيراً، وجعلوه تحت سجادة الهروي، ثم أخبروا السلطان أن الهروي يعبد صنماً.. وفضح الله أمرهم، وعللوا صنيعهم ذلك بأن الهروي استأثر على عامة الناس دونهم!»(4).

وامتُحن ابن أبي العز الحنفي ـ شارح العقيدة الطحاوية ـ (ت792هـ)، فَحُبِس ومُنع من التدريس(5).

ومن قبله امتُحن شيخ الإسلام ابن تيمية، فسُجن سبع مرات، وكان سجنه أسوأ من سجن النصارى(6).

وقال الشيخ بكر أبو زيد ـ حفظه الله ـ: «ومن نظر في سير المصلحين، وما أُلِّف من كتب مفردة في إذايتهم ـ مثل كتاب «المحن» لأبي العرب وغيره ـ لم ير عالماً لحقه من صنوف الأذايا من سجن وغيره مثل شيخ الإسلام رحمه الله»(7).

لقد كذب ابن بطوطة؛ حيث اتهم شيخ الإسلام بالتشبيه(8)، وافترى الكوثري فادّعى أن ابن تيمية يقول بوحدة الوجود، وزعم الحصني أن ابن تيمية يقول بقول الرافضة، وفي المقابل ادّعى بعضهم أن ابن تيمية ناصبي يبغض آل البيت..!!(9)

وأما الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ فما أعظم الأذى والبلاء الذي أصابه، وما أكثر الأكاذيب والمفتريات التي ألصقت به وبدعوته؛ فمن ذلك الإفك الشنيع: اتهامه ببغض الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وادعاء النبوة، وإنكار كرامات الأولياء.. فضلاً عن الشبهات المثارة ضد دعوته كالتكفير وتحريم التوسل ونحوها(10).

وبلغ الإسـفاف وشـناعة السـباب ببعضهم إلى القول بأن عبد الوهاب ـ والد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ غفل عن مواقعة أمه ـ يعني أمّ محمد بن عبد الوهاب ـ فسبقه الشيطان إليها فكان أباً لهذا المارد(11) {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إن يَقُولُونَ إلاَّ كَذِبًا} [الكهف: 5].

< والناظر في المناوئين لأهل السنة، يلحظ أنهم كلما ازدادوا بعـداً عـن الإسلام والسـنة، كـانوا أكثر عداءً ونقمة؛ فالباطنية ـ مثلاً ـ أشد الطوائف كيداً وأذى لأهل السنة، ومن ذلك ما فعله القرامطة سنة سبع عشرة وثلاثمائة من الهجرة، حيث هاجموا مكة، فقتلوا الحجيج، ونهبوا الأموال، ونزعوا الحجر الأسود(12).

ومـن ذلك مـا فعله العبيـديون بالفـقيه أبـي بـكر الـنابلسـي ـ رحمه الله ـ (ت363هـ)، حيث أمر جوهر الصقلي بسلخه، حيث شق السلاَّخون عرقوبيه، ونفخ كما تنفخ الشاة، ثم سلخ، وهو في هذا يقرأ القرآن بترتيل، إلى أن انتهى السلخ إلى كتفيه، فتفاشى، ثم مات، فصلب جسده ناحية، ثم جِلْده بعد أن حشي(13).

وانظر ما جاء في كتاب «بروتوكولات آيات قم»، للدكتور عبد الله الغفاري؛ حيث أورد أمثلة من التصفيات الجسدية والاغتيالات التي قام بها أولئك الزنادقة تجاه أهل السنة.

< لقد حرر شيخ الإسلام ابن تيمية موقف أهل البدع من أهل السنة في حال القدرة والعجز، كما حرر موقف أهل السنة من المبتدعة بتحقيق بليغ، فقال:

«كثيراً ما يكون أهل البدع مع القدرة يشبهون الكفار في استحلال قتل المؤمنين وتكفيرهم، كما يفعله الخوراج والرافضة والمعتزلة والجهمية وفروعهم، لكن فيهم من يقاتل بطائفة ممتنعة كالخوارج والزيدية، ومنهم من يسعى في قتل المقدور عليه من مخالفيه، إما بسلطانه، وإما بحيلته، ومع العجز يشبهون المنافقين، يستعملون التقية والنفاق كحال المنافقين؛ وذلك لأن البدع مشتقة من الكفر، فإن المشركين وأهل الكتاب، هم مع القدرة يحاربون المؤمنين، ومع العجز ينافقونهم.

والمؤمن مشروع له مع القدرة أن يقيم دين الله بحسب الإمكان، بالمحاربة وغيرها، ومع العجز يمسك عما عجز عنه من الانتصار، ويصبر على ما يصيبه من البلاء من غير منافقة، بل يُشرَع له من المداراة، ومن التكلم بما يُكرَه عليه ما جعل الله له فرجاً ومخرجاً.

ولهذا كان أهل السنة مع أهل البدع والقتل بالعكس: إذا قدروا عليهم لا يعتدون عليهم بالتكفير وغير ذلك، بل يستعملون معـهم العـدل الذي أمـر الله به ورسـوله، كما فعل عمـر بـن عبد العزيز بالحرورية (الخوارج) والقدرية. وإذا جاهدوهم، فكما جاهد عليّ ـ رضي الله عنه ـ الحرورية بعد الإعذار وإقامة الحجة؛ وعامة ما كانوا يستعملون معهم الهجران والمنع من الأمور التي تظهر بسببها بدعتهم، مثل: ترك مخاطبتهم ومجالستهم؛ لأن هذا هو الطريق إلى خمود بدعتهم، وإذا عجـزوا عنهم لم ينـافقوهم، بل يصبرون على الحق الذي بعث به الله نبيه -صلى الله عليه وسلم-»(1).

ولقد اعترف الرافضة بهذا العدل والإنصاف مع أنهم أكثر الطـوائف جـهلاً وظلماً، وشهـدوا أن أهـل السـنة ينصـفونهم ما لا ينصفهم سائر إخوانهم الروافض، وكما حكاه ابن تيمية قـائلاً: «فأهـل السـنة يستـعملون معـهم العـدل والإنصـاف، ولا يظلمونهم؛ فإن الظلم حرام مطلقاً، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء (أهل الأهواء) خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض، وهذا مما يعترفون هم به، ويقولون: أنتم تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضاً»(2).

< وإذا تقرر أن البلاء والصراع بين الحق وأهله وبين الباطل وأهله أمر لازم كما ثبت شرعاً وقدراً، فلا مبرر لهذا الخنوع والتولي عن هذا السجال كما اعترى فئاماً من أهل السنة.

فإن العاقبة للمتقين: {وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]، فالواجب الاستعانة بالله ـ تعالى ـ والتوكل عليه، وبذل الأسباب في تبليغ رسالات الله، والذبّ عن شعائر الدين، والردّ على الملحدين والزائفين بعلم وعدل؛ فإن أهل السنة يعملون الحق ويرحمون الخلق.

ومع تكالب الأعداء في هذا العصر سواء من الغرب الكافر، أو أذنابهم من العلمانيين المنافقين، وأشباههم من «أدعياء التنوير»، و «الليبراليين الإسلاميين»!

ومع ظهور المذاهب الباطنية والصوفية الغالية، ونحوها من مذاهب أهل البدع.. مع هذا التسلط والمكر الكُبّار، فالواجب معرفة الشرور ومراتب الانحراف، وتقديم ما هو أحق وأوْلى بالمعالجة والمواجهة، كما ينبغي فقه المصالح والمفاسد، ومراعاة الحال من جهة القوة أو الضعف.

فإن بعض المتسنّنة قد يدفعه الحماس والاستعجال لإعلان المواجهة لكل مخالف، فلا يراعي قدراته وإمكاناته، فيتحمل من البلاء ما لا يطيق، وربما أعقب ذلك استسلاماً وقنوطاً.

ويقـابلهم من آثـرَ العـاجلة، فسـارع إلى مـداهنة أعداء الله ـ تعالى ـ، وقدّم مرضاتهم على مرضاة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

والمتعيَّن أن نبلّغ دين الله ـ تعالى ـ ونظهر السنَّة حسب الوسع والاستطاعة.

وأخيراً: فإن علينا أن نستفيد من مواقف السلف الصالح تجاه المنحرفين عن صراط الله المستقيم، سواء من جهة فضحهم وتعرية زندقتهم ونفاقهم، والردّ على شبهاتهم وإشكالاتهم، أو من جهة بيان حكم الله ـ تعالى ـ فيهم، أو من جهة مناظرتهم ومباهلتهم، ونحو ذلك.

ويمكن أن نمثِّل على ذلك بهذا المثال: فإن السلف الأوائل حذّروا من «الكلام» وبيّنوا زندقة بعض المتكلمين، وقرروا أن «الكلام» متلقَّى من فلسفة اليونان ونحوها من الوثنيات.

والناظر إلى العصرانيين (الليبراليين الإسلاميين) في هذا الزمن، يلحظ أن هذه العصرنة طريق إلى العلمانية الصريحة، وأن أطروحاتهم مستقاة من مذاهب غربية متنوعة، أما الزندقة فقد تجاوز بعضهم العلمانيين في الردة والتطاول على دين الله تعالى.

فنسأل الله ـ تعالى ـ أن ينصر دينه، ويخذل الكفار والمنافقين.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ

الهوامش

(*) أستاذ مساعد في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة ـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ الرياض.

(1) الناموس صاحب السر، والمراد به ها هنا جبريل عليه السلام.

(2) أي: شاباً.

(3) ابن عبد ياليل من زعماء الطائف من ثقيف.

(4) انظر: الفتوى الحموية، لابن تيمية، ص 535.

(5) انظر تفصيل ذلك في مجموع الفتاوى لابن تيمية: 4/50، 51.

(1) إغاثة اللّهفان: 2/277، 278.

(2) يعني أهل السنة؛ لأنهم يأخذون بالمأثور عن الله ـ تعالى ـ في كتابه أو في سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

(3) الحشوية مأخوذة من الحشو وهو فضل الكلام، ومقصودهم اتهام أهل السنة بقلة المعرفة والفهم، وكان عمرو بن عبيد ـ أحد رؤوس المعتزلة ـ أول من تكلم بذلك فزعم أن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ كان حشوياً، انظر مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 4/23.

(4) أصل النابتة: الغلام الصغير الذي لم يجرّب الأمور، ومقصودهم لمزُ أهل السنة بأنهم أحداث صغار.

(5) عقيدة السلف، للصابوني (ت 449 هـ)، ص 304.

(6) أطلق المرجئة هذا اللقب على أهل السنة؛ لأن أهل السنة يستثنون في الإيمان ـ ما لم يكن على سبيل الشك ـ فيقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله.

(7) الحموية، لابن تيمية، ص 532 ـ 534.

(8) انظر: ترتيب المدارك، للقاضي عياض، 1/124، 125، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية، 4/50.

(9) وهم: المأمون والمعتصم والواثق.

(10) مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 12/439 = باختصار.

(1) مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 6/213.

(2) طبقات الشافعية، للسبكي، 2/164.

(3) انظر: ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب، 1/60.

(4) انظر: ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب، 1/55.

(5) انظر: إنباء الغمر بأنباء العمر، لابن حجر، 1/258 ـ 260.

(6) انظر: الجامع لسيرة ابن تيمية، ص «ل ـ ي»، ومجموع الفتاوى، 3/254.

(7) الجامع لسيرة ابن تيمية ص «ل».

(8) انظر: ردّ الشيخ القاسمي على هذه الفرية في كتابه (عن شيخ الإسلام ابن تيمية)، طبع المكتب الإسلامي بيروت.

(9) انظر: تفصيل ذلك في كتاب: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية، لعبد الله الغصن، ص 76 ـ 84.

(10) انظر تفصيل ذلك في كتاب دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لعبد العزيز آل عبد اللطيف.

(11) انظر: محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه، لمسعود الندوي، ص 170.

(12) انظر: أخبار القرامطة، جمع د. سهيل زكّار.

(13) انظر: ترتيب المدارك، للقاضي عياض، 2/20.

(1) التسعينية، 2/698 ـ 701.

(2) منهاج السنة، 5/157، وانظر: 2/342، 4/121.


المصدر: مجلة البـيان- العدد 221- محرم 1427هـ
  رد مع اقتباس
قديم 17-Sep-2007, 04:33 PM   رقم المشاركة : ( 3 )
عضو ذهبي

الصورة الرمزية الطير الحر

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9136
تـاريخ التسجيـل : Aug 2006
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  Saudi Arabia
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 1,133 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : الطير الحر is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

الطير الحر غير متواجد حالياً

ملفات معالم بارزة في دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب


د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي*


الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، ويُبَصِّرون بنور الله أهلَ العمى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه! وكم من ضالٍّ تائهٍ قد هدوه! فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، القائل: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَـمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي. أما بعد:

فلقد كان شيخ الإسلام، الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي، المشَرَّفي، الوهْبي، التميمي ـ رحمه الله ـ مجددَ القرن الثاني عشر الهجري بحق. فقد كانت ولادته سنة ألف ومائة وخمس عشرة (1115هـ)، ووفاته سنة ألف ومائتين وست (1206هـ)، فـانطبق عليـه شـرط التـجديد، كـما قال ابـن الأثـير ـ رحمه الله ـ: (المراد من انقضت المائة وهو حي، عالم، مشهور، مشار إليه)، جامع الأصول 11/324، وقال السيوطي ـ رحمه الله ـ، في منظومته المسماة (تحفة المهتدين بأخبار المجددين):

والشرط في ذلك أن تمضي المائهْ وهو على حياته بين الفئهْ

يشار بالعلم إلى مقامهِ وينصـر السنة في كلامهِ

وقد جهر الشيخ بدعوته، وتصدى للناس، بعد وفاة والده القاضي عبد الوهاب بن سليمان التميمي، سنة ألف ومائة وثلاث وخمسين (1153هـ)، وعمره يناهز الأربعين، فأمضى نصف قرن من الزمان في حركة دائبة، غيّرت مسار التاريخ، وكان لها ما بعدها. ومن ثمَّ تنازع الكتَّاب والمحللون، في حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل كانت تجديداً دينياً، أم نشاطاً علمياً، أم إصلاحاً اجتماعياً، أم مشروعاً سياسياً؟ أم هو جميع ذلك؟ ناهيكَ عما ينبزها به خصومها الظالمون من الدعاوى المغرضة؛ بأنها مذهب خامس، أو حركة خوارج تكفِّر المسلمين، وتستبيح دماءهم!!

إن من السهولة بمكان، على الباحث المنصف، أن يجد الجواب الصريح على هذه التساؤلات، والرد المفحم على هذه الشبهات، فيما خلَّفه الشيخ وتلاميذه من تراث ضخم، وفيما حفظه التاريخ من وقائع وأعمال تنبئ عن حقيقة هذه الدعوة الفريدة. ويمكننا الإشارة إلى جملة من المعالم البارزة في دعوة الشيخ رحمه الله:

< أولاً: تحقيق التوحيد:


لا ريب أن عماد دعوة الشيخ ـ رحمه الله ـ باتفاق الموالين والمناوئين، توحيد الله ـ عز وجل ـ بأنواعه الثلاثة:

1 ـ توحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله؛ من الخلق، والملك، والتدبير.

2 ـ توحيد الألوهية: وهو توحيد الله بأفعال العباد؛ كالدعاء، والنذر، والذبح.

3 ـ توحيد الأسماء والصفات: وهو توحيده بما سمَّى ووصف به نفسه.

وقد عُني الشيخ عناية خاصة بتوحيد العبادة، وقرره بأوضح عبارة، فقال في (الأصول الثلاثة): (اعلم ـ أرشدك الله لطاعته ـ أن الحنيفية ملةَ إبراهيم، أن تعبد الله وحده، مخلصاً له الدين. وبذلك أمـر الله جـميع الـناس وخلقـهم لـها، كما قال ـ تعالى ـ: {وَمَا خَلَقْتُ الْـجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، ومعنى يعـبدون: يوحِّدون. وأعظـم ما أمر الله به التوحيد، وهـو إفراد الله بالعبادة، وأعظم مـا نهى الله عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه. والدلـيل قـوله ـ تعـالى ـ: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36].

وظل الشيخ يأوي إلى هذا الركن الشديد، في جميع مؤلفاته، ومكاتباته، ومراسلاته يدعو الناس إلى تحقيق التوحيد، وتصفية العقيدة، وإخلاص العبادة، التي بُعث بها النبيون. قال ـ تعالى ـ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، فطفق يبين للناس حقيقة التوحيد، ومقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، ومعنى الحنيفية.

وقد استهل الشيخ ـ رحمه الله ـ كتاب التوحيد بالأبواب التالية:

1 ـ باب: فضل التوحيد وما يكفَّر من الذنوب.

2 ـ باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب.

3 ـ باب: الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله.

4 ـ باب: الدعاء إلى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.

< ثانياً: التحذير من الشرك:


اجتناب الشرك قرين التوحيد، ولازِمه، كما قال ـ تعالى ـ: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، وقال: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ} [البقرة: 256]، وقال: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} [آل عمران:64].

وقد رأى الشيخ بعيني رأسه ما آل إليه حال الأمة الإسلامية، لا في بلاد نجد فحسب، بل في جميع الأقطار التي زارها وقت الطلب: في البصرة، والزبير، والأحساء، ومكة، والمدينة، حتى إنه صنف أشهر كتبه؛ (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) حين كان في البصرة لِـمَا رأى من حال العامة، ووقوعهم في الأعمال الشركية. فلما أنكر عليهم، أخرجوه وقت الهاجرة، حتى كاد أن يهلك من العطش. وعاين بعضَ الجهال حال وقوفهم عند الحجرة النبوية، وهم يدعون، ويستغيثون بقبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فسأله شيخه المحدِّث محمد حياة السندي ـ رحمه الله ـ: ما تقول؟ فقال الشيخ: {إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139].

ومن هنا، فقد عُني الشيخ ـ رحمه الله ـ بتتبع مظاهر الشرك العملي، المؤسَّس غالباً، على شرك اعتقادي. ويظهر ذلك جلياً في أبواب (كتاب التوحيد) مثل:

1 ـ باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما، لرفع البلاء أو دفعه.

2 ـ باب: ما جاء في الرقى والتمائم.

3 ـ باب: من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما.

4 ـ باب: ما جاء في الذبح لغير الله.

5 ـ باب: من الشرك النذر لغير الله.

6 ـ باب: من الشـرك أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غيره... إلخ.

بالإضافة إلى الأبواب المتعلقة ببعض الممارسات الشركية؛ كالسحر، والنشرة، والطِّيَرة، والتنجيم، والأبواب المتعلقة بالشرك الأصغر من الألفاظ، كقول: (ما شاء اللهُ وشئتَ)، وقول: (عبدي وأَمَتي) وقول: (مُطِرْنا بنَوْء كذا وكذا)، والحلف بغير الله.

وفوق ذلك، عقد أبواباً تتعلق بسدِّ الذرائع المفضية إلى الشرك، مثل:

1 ـ باب: ما جاء أن سبب كفر بني آدم، وتركهم دينهم، هو الغلو في الصالحين.

2 ـ باب: ما جاء في التغليظ فيمن عَبَدَ الله عند قبر رجل صالح.

3- باب: ما جاء أن الغلو في الصالحين يصيّرها أوثاناً تعبد من دون الله.

4- باب: ما جاء في حماية المصطفى -صلى الله عليه وسلم- جناب التوحيد، وسدِّه كل طريق يوصل إلى الشرك.

إن هذا الحس الإيماني المرهف لدى الشيخ، وتتبُّعه لجذور الشرك، ومظاهره، وذرائعه، قد أحيا في الأمة روح التوحيد الخالص الذي غشيته غواشي البدع، وكدرت صفاءه تراكمات الشرك، والتعلق بغير الله. لقد كان مشروع الشيخ ـ رحمه الله ـ تجديد دعوة المرسلين، ونفض غبار السنين الذي حجب نقاء التوحيد.

< ثالثاً: الولاء والبراء:

لم تكن دعوة الشيخ ـ رحمه الله ـ تقريراً عقدياً، أو تنظيراً علمياً، فحسب، بل كانت تطبيقاً عملياً جادّاً، يسعى لتمثُّل المبادئ والعقائد ـ التي يؤمن بها ـ واقعاً مَعِيشاً، يترسم السيرة النبوية، ويحاكيها في مواجهة المخالفين، مع الأخذ بالاعتبار الفروقات الأساسية في التعاطي مع مجتمع كافر يدعى إلى الإسلام، كما في الحال النبوي، ومجتمع مسلم دبت فيه بعض مظاهر الشرك، كما في حالة الشيخ.

إن الولاء والبراء أصلان تابعان للإيمان؛ ومعتقد أهل السنة والجماعة أنه يمكن أن يجتمع في المؤمن ولاية من وجه، وعداوة من وجه، بناءً على أصلهم العظيم في مسألة الإيمان؛ أنه يمكن أن يجتمع في المؤمن طاعة ومعصية، وبر وفجور، خلافاً للخوارج والمرجئة على حدٍٍّ سواء. فالناس يتفاضلون في ولاية الله، بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، فهي تزيد وتنقص، وتكون كاملة وناقصة؛ فالمطيع تزيد ولايته ومحبته، والعاصي تنقص ولايته ومحبته، وتأسيساً على ما تقدم، فقد ألحَّ الشيخ في كثير من تقريراته على مسألة الولاء والبراء، وضرورة التناصر بين المؤمنين، ومجافاة المبطلين، وإن لم يبلغ الأمر مبلغ الكفر.

وهذه الثلاثية: (تحقيق التوحيد، واجتناب الشرك، والولاء والبراء) ثلاثية متلازمة عند الشيخ ـ رحمه الله ـ فهو يقول في (الأصول الثلاثة): (اعلم ـ رحمك الله ـ أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلّمُ هذه المسائل والعملُ بهن:

الأولى: أن الله خلقنا، ورزقنا، ولم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً؛ فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار. والدليل قوله ـ تعالى ـ: {إنَّا أَرْسَلْنَا إلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً}[المزمل: 15 - 16].

الثانية: أن الله لا يرضـى أن يُشْـرَك معه أحد في عبادته؛ لا مَلَكٌ مقرب، ولا نبي مرسل؛ والدليل قوله ـ تعالى ـ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [الجن: 18].

الثالثة: أن مـن أطـاع الرسول، ووحّد الله، لا يجوز له موالاة مـن حـادَّ اللهَ ورسولهَ، ولو كـان أقـرب قـريـب. والدليـل قوله ـ تعالى ـ: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22].

وقد ظن بعض الناس أن ذلك يقتضي تكفير مخالفيه بإطلاق، وأنه يُلزم الناس بالهجرة إليه! ولكنه دفع هذه الفرية، وأنكرها بشدة، فقال: (وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم إنَّا نكفِّر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفِّر من لم يكفِّر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه؛ فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله. وإذا كنا لا نكفر مَنْ عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم؛ فكيف نكفِّر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفِّر ويقاتل؟! سبحانك! هذا بهتان عظيم)، وقال أيضاً: (وأما ما ذكره الأعداء عني أني أكفّر بالظن، وبالموالاة، أو أكفّر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله) مجـموع مؤلفـات الشـيخ: 5/25، وقـال في جوابه لابن صياح ـ عندما طلب منه بيان موقفه فيما نسب إليه ـ: (فمنها: إشاعة البهتان، بما يستحي العاقل أن يحكيه، فضلاً عن أن يفتريه، ومنها: ما ذكرتم أني أكفِّر جميع الناس، إلا من اتبعني، وأني أزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، فيا عجباً! كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! وهل يقول هذا مسلم؟! إني أبرأ إلى الله من هذا القول، الذي لا يصدر إلا عن مختل العقل، فاقد الإدراك؛ فقاتل الله أهل الأغراض الباطلة) الدرر السنية: 1/80.

< رابعاً: الاتباع، ونبذ الابتداع:

لما كان مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله، كما فسرها الشـيخ: (طاعتـه فيـما أمر، وتـصديقه فيـما أخـبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع) فقد دعا إلى تعظيم النصوص، وتقديمها على أقوال الرجال، والاعتماد على الدليل، ونبذ التعصب والتقليد، ولكن؛ ليس إلى الحد الذي يهدر الفقه، ويجرئ السفهاء على أئمة الدين، وأعلام الأمة، كلاَّ! بل لم يزل ـ رحمه الله ـ وتلاميذه، وأتباعه، ينمون أنفسهم إلى مذهب الإمام أحمد ابن حنبل في الفروع، لكونه المذهب السائد في بلاد نجد، ويتبرأ من إحداث مذهب جديد، كما يشغِّب عليه بذلك خصومه، فهو يقول: (وأما مذهبنا، فمذهب الإمــام أحمد بـن حـنـبل، إمام أهـل السنـة، فـي الفـروع، ولا نـدعي الاجـتـهاد، وإذا بـــانت لـنا سُـنَّة صحـيحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عملنا بها، ولا نقـدم عليـها قول أحد، كائناً من كان) الهدية السنية: 99.

ومع تأثر الشيخ بالإمامين: ابن تيمية، وابن القيم ـ رحمهم الله ـ إلا أنه يقرر بحزم في قوله: (الإمام ابن القيم، وشيخه، إماما حق، من أهل السنة، وكتبهم عندنا من أعز الكتب، إلا أنَّا غير مقلدين لهم في كل مسألة) الهدية السنية: 53.

وقال ايضاً: (ولست ـ ولله الحمد ـ أدعو إلى مذهبِ صوفي، أو فقيه، أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم، مثل: ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سُنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) مجموع مؤلفات الشيخ: 5/252.

وقد تصدى ـ رحمه الله ـ للبدع الاعتقادية، والعملية، الحادثة في زمانه، ومن شواهد ذلك ما ذكره مؤرخ الدعوة، حسين بن غنام: (كان في العُيَيْنة، وما حولها كثير من القباب والمشاهد المبنية على قبور الصحابة والأولياء، والأشجار التي يعظمونها، ويتبـركون بهـا، كقبة قبر زيـد بن الخطاب، في الجبيلة، وكشجرة قريوة، وأبي دجانة، والذيب. فخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومعه عثمان بن معمر، وكثير من جماعتهم، إلى تلك الأماكن بالمعاول، فقطعوا الأشجار، وهدموا المشاهد والقبور، وعدَّلوها على السنة. وكان الشيخ هو الذي هدم قبة زيد بن الخطاب بيده، وكذلك قطع شجرة الذيب مع بعض أصحابه، وقطع شجرة قريوة ثنيان بن سعود، ومشاري بن سعود، وأحمد بن سويلم، وجماعة سواهم) تاريخ نجد: 1/78.

< خامساً: إقامة الدين، وتحكيم الشريعة:

قال ـ تعالى ـ: {شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى: 13].

وقال ـ تعالى ـ: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ فَإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْـجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.

[المائدة: 49 - 50]

لقد تميّز الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ عن كثير من المصلحين، بسعيه الدؤوب لإقامة دين الله، وتحكيم شرعه كما أمر. ولما كان أمر القرآن لا يتم إلا بهيبة السلطان؛ فقد عرض الشيخ دعوته على أولي الأمر، الذين بسط الله لهم نوع سيادة، ولم يسلك مسلك الخروج والتمرد. فابتدأ أولاً بمن يليه، وهو عثمان بن معمر، رئيس بلدة العيينة، فوافقه وناصره بادئ الأمر، إلا أنه تخلى عنه بسبب تهديدات سليمان بن محمد ابن عريعر، رئيس بني خالد والأحساء. فقصد الشيخ بلدة الدرعية، سنة سبع أو ثمان وخمسين بعد المائة وألف، وأميرها يومئذ محمد بن سعود، ونزل على تلميذه أحمد بن سويلم. ويصف المؤرخ ابن غنام اللقاء التاريخي الذي تم بين الإمامين: محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود ـ رحمهما الله ـ بقوله:

(لما سمع بذلك الأمير محمد بن سعود، قام من فوره مسرعاً إليه، ومعه أَخَواه: ثنيان، ومشاري، فأتاه في بيت أحمد بن سويلم، فسلم عليه، وأبدى له غاية الإكرام والتبجيل، وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده. فأخبره الشيخ بما كـان عليـه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومـا دعـا إليـه، ومـا كـان عـليه صحـابته ـ رضي الله عنـهم ـ من بعـده، وما أمروا به، وما نهوا عنه، وأن كل بدعة ضلالة، وما أعزهم الله به بالجهاد في سبيل الله، وأغناهم به، وجعلهم إخواناً، ثم أخبره بما عليه أهل نجد في زمـنه مـن مخـالفتهم لشـرع الله وســنة رسـوله؛ بالـشرك بالله ـ تعالى ـ والبدع، والاختلاف، والظلم؛ فلما تحقق الأمير محمد بن سعود معرفة التوحيد، وعلم ما فيه من المصالح الدينية والدنـيوية، قـال له: يا شـيخ! إن هـذا دين الله ورسوله، الذي لا شك فيه، فأبشرْ بالنصرة لك، ولما أمرت به، والجهاد لمن خالف التوحيد... فبسط الأمير محمد يده، وبايع الشيخ على دين الله ورسوله، والجهاد في سبيله، وإقامة شرائع الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) تاريخ نجد: 1/80، 81.

لقد اكتملت بهذه الصفقة الإيمانية شرائط مشروع الإصلاح الكبير، واتحد السلطان والقرآن، وانبلج فجر جديد، من البعث والتجديد، لا في تاريخ نجد فحسب بل في تاريخ الأمة الإسلامية جمعاء. لقد تحولت الدرعية من بلدة نجدية مغمورة، إلى بؤرة نور، ترسل خيوط أشعتها الإيمانية محمولة في الصدور تارة، وعلى ظهور الخيول تارة. وردد صدى الدعوة مجددون في مواقع شتى من أرض الإسلام شد أزرَهم، وقوَّى عزائمَهم، هذه التجربةُ الفريدة، التي استلهمت السيرةَ النبوية مثالاً، وعضَّدها سيفُ السلطان إيماناً وامتثالاً، فآتت أُكُلها كل حين بإذن ربها.

وبعد:فهل استنفدت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أهدافها، ولم يبق شيء من مقاصدها وأغراضها؟ هل باتت حركة محنطة في متحف التاريخ، يتناولها الكُتَّاب والمحللون درساً ونقداً وتحليلاً؟

كلاَّ! إن صح أن توجه هذه التساؤلات إلى دين الإسلام، وهيهات وأنّى، صح أن توجه، تبعاً لدعوة الإمام المجدد محمد ابن عبد الوهاب؛ لأن الحقيقة واحدة، وإن وقع شيء من الأخطـاء البـشرية، والتجاوزات الفرعية التي لا تثلم الأصل، ولا تخدش صفاءه. ما أحوج البشرية اليوم إلى التوحيد، وقد نسي الناس ما خُلقوا لأجله!

ما أحوج البشرية اليوم إلى التخلص من مظاهر الشرك والكفر بأنواعه!

ما أحوج المسلمين اليوم، إلى التعاون والتناصر فيما بينهم، ضد عدوهم الذي يتربص بهم الدوائر، ويكيل لهم التهم ليل نهار!

ما أحوج المسلمين اليوم، إلى ـ تجديد ـ روح الاتباع لإمام الهدى -صلى الله عليه وسلم-، كما أمر ـ تعالى ـ بقوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]!

وما أحوج البشرية اليوم، والمسلمون ابتداءً، إلى إقامة دين الله، وتحكيم شرعه، الذي بات غريباً في غابة الأنظمة العلمانية، والشرائع الوضعية!

إن على أبناء هذه الدعوة المباركة، وأحفاد الإمامين المجددين، أن يعوا جيداً حقيقة دعوتهم، وأن يسلكوا المسلك الرشيد، الذي وصفه الله بقوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 128]، وأن يتقدموا بمشروعهم الإيماني إلى العالم أجمع، مستفيدين من الوسائل الإعلامية الحديثة، وأن يطوِّروا أساليبهم في الحوار، واثقين أن الحق، والعقل، والفطرة، تشهد لهم، وأنهم أسعد الناس بالحوار، وأحمدهم عاقبة. والله غالب على أمره، والحمد لله رب العالمين.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
(*) قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة ـ جامعة القصيم ـ السعودية
  رد مع اقتباس
قديم 17-Sep-2007, 04:34 PM   رقم المشاركة : ( 4 )
عضو ذهبي

الصورة الرمزية الطير الحر

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9136
تـاريخ التسجيـل : Aug 2006
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  Saudi Arabia
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 1,133 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : الطير الحر is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

الطير الحر غير متواجد حالياً

عفواً ممنوع دخول السلفية والسلفيين

أحـمـد فـهـمـي


هذا عنوان لافتة افتراضية تم غرسها على أعتاب القرن الجديد أو الألفية الثالثة أو الشرق الأوسط الجديد، أو غير ذلك من المسميات التي تختلف في تفاصيلها، وتتفق على شيء واحد وهو: لا مكان للإسلام الأصولي السلفي في العالم الجديد أياً كان اسمه.

ومحاكاةً للنمط الأمريكي في طرح الأسئلة ذات الخيارات المتعددة، قام أحد مراكز البحوث بإعداد دراسة مستقبلية مفصـلة تجـيب عـن سـؤال: كيـف سيـكون شكـل العالم بعد 15 عاماً من الآن؛ وتحديداً عام 2020م؟ وشارك في إعداد خيارات الإجابة عدد من الخبراء والباحثين المتخصصين، وتبنى الدراسة المجلس القومي الأمريكي للاستخبارات (الشرق الأوسط، 2/11/2005م) وكان هناك أربعة خيارات أطلقوا عليها اسم «سيناريوهات المستقبل»:

(1) إمبراطورية إسلامية من المغرب إلى إندونيسيا.

(2) عالم من الفوضى والإرهاب.

(3) عالم تسوده العولمة بدون سيطرة أمريكية.

(4) عالم تسوده القيم الأمريكية وتحكمه واشنطن.

وقد تلقف الرئيس الأمريكي على الفور هذا المضمون وحذر في إحدى خطبه الأسبوعية من الإمبراطورية الإسلامية القادمة.

هذا الخوف من الإسلام ـ بشقيه الحقيقي والمفتعل ـ يحتاج إلى سؤال آخر على النمط الأمريكي أيضاً، وهو: تتعدد المناهج والتيارات المطالبة بعودة الإسلام؛ فأيها تخشى أمريكا تحديداً؟:

(1) التيار الإسلامي السياسي.

(2) التيارات السلفية.

(3) الطرق الصوفية.

(4) المؤسسات الدينية الرسمية.

وقد قدمت مراكز الأبحاث الأمريكية إجابة واضحة عن هذا التساؤل، باختيارها للتيارات السلفية مصدراً عاماً للقلق والتوتر.

وهنا نأتي إلى السؤال الثالث وهو: ما هي أفضل الطرق للتعامل مع الخطر الذي تمثله السلفية؟: (1) استبدالها بمناهج وأفكار أخرى. (2) الإقصاء. (3) الاحتواء؟

ونحاول في هذه الورقات أن نقدم الخيار الأكثر ترجيحاً للإجابة عن السؤال الأخير.

3 استبدال السلفية:

يقوم مفـهوم الاستـبدال علـى قـيام جهـات الضـغط الغربية ـ بطرق غير مباشرة غالباً ـ بتحفيز وتشجيع تيارات ومناهج أخرى لكي تقوم كبديل للمنهج السلفي في الدول الإسلامية. وترتكز فكرة الاستبدال على وجود رغبة عامة وعارمة لدى الجماهير في التدين. وانبعاث هذه الفكرة ـ التبديل بين أنماط التدين ـ في العقلية الغربية وتناميها لدرجة القناعة يدل على تطور خطير في نظرتهم وتفسيرهم للسلوك الديني للمسلمين، وقد كانت الفكرة القديمة تنحصر في تجفيف منابع التدين واستبدال الدين بأفكار علمانية براقة، ولكن مع فشل هذه الفكرة، بدأ الكثيرون ينتقلون إلى مرحلة تالية، وهي: فلندع المسلمين يتدينون كما يريدون، لكن فلنقدم لهم نحن (التوليفة) المناسبة للتدين.

وتكمن خطورة السلفيين بالنسبة لخصومهم في أنهم يقودون الناس في قطار سريع يصلهم مباشرة بين الواقع ومصادر التشريع، أما غيرهم من التيارات فيأخذون الناس في جولة سياحية تطول وتقصر بحسب المنهج، وأحياناً تتحول الرحلة بمجردها إلى هدف منشود.

والعناصر الرئيسة المتضمنة لـ (توليفة) التدين الأمريكية:

1 ـ رموز ودعاة مستقلون يقدمون نمطاً متطرفاً في تسامحه واعتداله ليبرز النمط السلفي للتدين على أنه متطرف في فهمه وتمسكه بتعاليم الإسلام.

2 ـ غطاء وحاجز سياسي توفره التيارات السياسية التي تنظر للتيارات السلفية على أنها معوق لتقدمها السياسي، كما أنها على استعداد لتقديم تنازلات دينية في سبيل تحقيق مكاسب سياسية.

3 ـ الربط الوثيق بين السلفية العلمية والدعوية وبين السلفية الجهادية، بحيث يصبح الجميع منهجاً واحداً متعدد المراحل أو المستويات.

4 ـ إفساح المجال في عدد من البلدان الإسلامية لدعاة التصـوف وخـاصة الذين طـوروا خطـابهم في مرحـلة ما بعد 11 سبتمبر، والذي يقفزون فيه على كل ما يثير الغرب في الإسلام، ويقدمون صياغة جديدة قابلة للتسويق في الثقافة الغربية.

ونقدم تفصيلاً أكثر لعنصري: دعاة الاعتدال، والمتصوفة الجدد.

العنصر الأول: دعاة الاعتدال:

وقد بدأ نجمهم في البزوغ في السنوات الأخيرة وخاصة بعد 11 سبتمبر، وأهم صفتين تمثلان جواز المرور لهذه الفئة من الدعاة أنهم يتجاوزون نقاط الاختلاف الساخنة مع الغرب، ويقفزون على قضايا الولاء والبراء والقضايا العقدية إجمالاً، كما أنهم لا يرتبطون غالباً بأي انتماءات لجماعات إسلامية عليها علامات استفهام غربية.

وفي الحقيقة فإن هذه الفئة من الدعاة رغم إيجابيات تحققت على أيديهم بإذن الله، فإنهم يلعبون دوراً خطيراً في وقف التوجه الشعبي نحو الإسلام الحقيقي بشموليته لجميع جوانب الحياة؛ فهم يمثلون مكابح للتدين تقف بالناس عند مرحلة معينة متوسطة بين الانحراف عن الدين وبين الإسلام كما يقدمه المنهج السلفي، ليقولوا لهم: نهنئكم بسلامة الوصول؛ لقد أصبحتم متدينين.

ولا يُخفي عدد من المفكرين والكتاب الغربيين أن هذا بالفعل هو مفهومهم عن أي إصلاح أو نهضة إسلامية. يقول (روبرت سبنسر) مدير موقع مراقبة الجهاد (jihad watch): يجب على النهضة الإسلامية أو الإصلاح ـ أيهما شئت ـ أن تكون إلغاء واضحاً للحرفية القرآنية، وإن لم تكن كذلك؛ فكيف ستُمنَع هذه الحرفية من الظهور مجدداً؟».

ولكن المؤسـف أن التـنازلات التـي يقدمها دعاة الاعتدال قد لا تلقى ترحيباً لدى الطامعين في المزيد، وفي مقدمة هؤلاء الحاقد الأكبر على الإسلام (دانيال بايبس) صاحب الحظوة في البيت الأبيض الذي كتب مقالة بعنوان «كيف نحدد المسلمين المعتدلين؟» نشرتها صحيفة (نيويورك صن)، ويقول فيها: «هـناك المزيـد مـن المعتـدلين المزيـفين الذيـن يصـعب الكشف عـن تطـرفهم، حتـى وإن كان المراقب هو مثلي ويكرس الكثير من الوقت والانتباه إلى هذه القضية». ونحن لم نسمع من قبل عن معتدلين يلبسون «طاقية» الإخفاء، وخاصة أن المسلمين السنة لا يعتمدون «التقية» في دينهم. ويقدم «بايبس» توضيحاً أكثر لمراده: «الإسلامويون ـ يعني المتطرفين ـ يعون الحاجة إلى المسـلمين المعـتدلين وهـم يتـعلمون كيـف يتظاهرون بالاعتدال، ولا شك أن هذا التمويه سيتحسن مع الوقت».

العنصر الثاني: المتصوفة الجدد:

ونحتاج إلى بعض التفصيل لهذا العنصر نظراً لأهميته وخطورته على الدين الحق، وهناك دلائل كثيرة تشير إلى أن السياسة الأمريكية باتت تنظر إلى الصوفية «المعدلة» على أنها يمكن أن تمثل بديلاً مناسباً للتدين لدى عامة المسلمين، ونذكر فيما يلي بعض هذه الدلائل، ثم نقدم نموذجين للمتصوفة الجدد:

ـ في عام 2003م عقد مركز نيكسون للدراسات في واشنطن مؤتمراً عنوانه «فهم الصوفية والدور الذي ستلعبه في السياسة الأمريكية» وكان من أبرز الحضور الدكتور برنارد لويس وهو من أبرز الناقمين على الإسلام، والدكتور كوركوت أوزال شقيق الرئيس التركي الأسبق تورجوت أوزال، ومحمد هشام قباني رئيس المجلس الإسلامي الأمريكي.

ـ ووزع في المؤتمر دراسة بيانية توضح الجماعات والمذاهب الإسلامية والمنتمين إليها، وجاء فيها أن مجموعة السلفية هم الذين ينتمون إلى مدرسة ابن تيمية، وأطلقوا عليها «مجموعة الإسلام السياسي» ووضعوها داخل دائرة حمراء، واعتبروا من بينها: الوهابية ـ الجماعات الفلسطينية الإسلامية ـ الجماعات الإسلامية السلفية ـ حزب التحرير ـ جماعة التبليغ.

ـ يعتبر المجلس الإسلامي الأمريكي الصوفي الذي أسسه هشام قباني مصدراً مهماً للمعلومات لدى الإدارة الأمريكية عن الإسلام والمسلمين، وكان بول وولفويتز مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق يعقد لقاءات دورية مع أعضاء المجلس للتشاور معهم حول قضايا الإرهاب «الإسلامي».

ـ بعد فوز حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوجان الصوفي النقشبندي، بدأ مسؤولون في السفارة الأمريكية في تركيا بزيارة الجماعات الإسلامية التركية ودراستها عن قرب، والاطلاع على حجم شعبيتها وتأثيرها، والتباحث مع قادتها حول رغبة الأمريكيين في استخدامهم في نشر الإسلام المعتدل خارج تركيا ضمن إطار الشرق الأوسط الكبير، وفي المقابل كانت وعود بدعم مالي وسياسي ومنح دراسية لأتباعهم في أمريكا. (راجع موقع الصوفية على شبكة الإنترنت).

ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى نموذجين يمثلان التيار الصوفي الجديد: أولهما: الداعية علي الجفري، والثاني: الدكتور محمد هشام قباني المقيم في الولايات المتحدة.

فاـلأول ـ الجـفري ـ بـرز بقوة عن طريق مواعظه للنخبة الفـنية والطبـقة الغنيـة في مصـر، ثـم عبر الفضائيات؛ وذلك بعد 11 سبتمبر، وبدا أن الطريق أمامه مفروش بالورود؛ ففي خلال وقت قصير زار الولايات المتحدة وطاف في تسع ولايات، وألقى دروساً ومحاضرات بعضها في جامعات أمريكية، في الوقت الذي مُنع فيه حفيد الشيخ حسن البنا الدكتور طارق رمضان من دخول الولايات المتحدة، وتكرر ذلك مع الداعية البريطاني الجنسية والمولد يوسف إسلام، كما زار الجفري بريطانيا وأيرلندا وهولندا وبلجيكا، بالإضافة إلى إندونيسيا وسريلانكا وكينيا وتنزانيا ولم يفوت جزر القمر.. (راجع مقالة أنور قاسم الخضري رئيس تحرير صحيفة الرشد اليمنية، موقع صيد الفوائد).

والنموذج الثاني «هشام قباني» ـ من أصل لبناني ـ الذي أسس ما يسمى المجلس الإسلامي الأعلى، وهو منظمة صوفية في الولايات المتحدة، ويحظى الرجل بدعم كبير من الإدارة الأمريكية، ودُعي إلى البيت الأبيض والخارجية، وألقى محاضرات على مسؤولين في واشنطن إحداها كانت بعنوان «التطرف الإسلامي وخطورته على الأمن القومي الأمريكي».

ويبدي الدكتور هشام قباني عداء خاصاً للسلفية ممثلة في الدعوة الوهابية، ويُعتبر أحد مصادر المعلومات والتحريض ضدها في أمريكا، وهو يدعي أن 80 % من المساجد في أمريكا يسيطر عليها المتطرفون الوهابيون، ويتجول قباني في أنحاء العالم بحرية، وهو يقول: «في رأيي المتواضع أن الصوت المهيمن والمسيطر هو صوت الوهابية؛ فهم يسيطرون على النشرات والكتب والأموال، فكل شيء في أيديهم» وهو يعرض الصوفية كبديل واضح للوهابية فيقول مخاطباً من يعنيه الأمر: «علِّموا الطلاب الصوفية، يجب أن يتعلم الطلاب كيف يصبحون محبين للسلام، وكيف يصبحون جزءاً من المجتمع الكبير؛ فالوهابية تحرض الطلاب على ألا يكونوا جزءاً من المجتمع الكافر، ولكن ينبغي الاندماج والتكامل مع النظام الذي يعيش فيه المرء، أما الدين فمسألة بين المرء وبين الرب، هكذا يقول الإسلام» (نقلاً عن صحيفة صندى استريت تايمز، موقع إسلام ديلي).

وقد زار قباني ضمن الدول الإسلامية أوزبكستان ثلاث مرات، وكان في كل مرة يكيل المديح والثناء على رئيسها كريموف الطاغية الذي ألقى بعشرات الآلاف من الإسلاميين في السجون، وأغلق المدارس الدينية وحارب الحجاب وأغلق عدداً كبيراً من المساجد، وفي زيارته الأخيرة اصطحب وفداً تعداده 120 شخصاً طافوا أنحاء أوزبكستان يشوهون الإسلام ويلقون في أذهان الناس أوهام الصوفية المعتدلة!!

والحال هكذا؛ فليس غريباً أن تنشر مجلة يو إس نيوز الأمريكية أن واشنطن تسعى لتشجيع ودعم الحركات الصوفية كإحدى وسائل التصدي للجماعات الإسلامية، ويشمل ذلك تشجيع إعادة بناء الأضرحة وترجمة المخطوطات الصوفية القديمة، ويعتقد استراتيجيون أمريكيون أن أتباع الصوفية ربما كانوا من بين أفضل الأسلحة الدولية ضد الإسلاميين «المتشددين»!

وقد استرعى انتباه متخصصين أمريكيين الصراع بين الحركات الإسلامية السلفية وبين الطرق الصوفية، ولذلك قررت الإدارة دعم الصوفية ولكن بصورة غير مباشرة، وذكرت المجلة الأمريكية أنه في إحدى الدول العربية في شمال إفريقيا دعا قادتها في هدوء زعماء الصوفية المحليين، وقدموا لهم ملايين الدولارات كمعونة لاستخدامها كحصن ضد الأصولية المتشددة.

كما أوصت لجنة في الكونجرس الأمريكي مختصة بالحريات الدينـية بتشـجيع الحـركات الصـوفيـة فـي العالم الإسلامي، وفي كتاب أصدرته الباحثة شيريل بينارد ـ وهي زوجة سفير أمريكا في العراق زلماي خليل زاده ـ بعنوان (العالم الإسلامي بعد 11 / 9) تناولت الحركات والمذاهب الدينية القادرة على التغيير في العالم الإسلامي، وكتبت عند كلامها عن الصوفية أنهم: «يشكلون غالبية المسلمين اليوم وهم محافظون على معتقداتهم الإسلامية وتقاليدهم المحلية، غير متشددين، يعظمون قبور القديسين ويؤدون عندها الصلوات، ومجموعة الاعتقادات هذه أزالت تماما التعصب والشدة الوهابية وأصبح الكثير من التقليديين يشابهون الصوفية في السمات والاعتقادات، ولا يرون تضارباً بين معتقداتهم الدينية وولائهم لدولهم العلمانية وقوانينها» وقالت أيضا: «الوهابية والسلفية هم أشد أعداء الصوفية والتقليدية في العالم الإسلامي، ونتيجة لهذا العداء فالصوفية والتقليدية هم حلفاء طبيعيون للغرب في حربهم ضد الراديكالية». (راجع صحيفة دنيا الوطن على الإنترنت 17/11/2005م).

ولـكن في المجـمل: فإن مصطلح «الاستبدال» مع كل ما سبق لا يقدم وصفاً دقيقاً للحملة الغربية على التيارات السلفية؛ فالأمر تجاوز مرحلة الاستبدال بكثير، كما أن بعض الدول الإسلامية التي توفرت لديها بدائل السلفية لا تزال ـ من وجهة نظر غربية ـ ضمن دائرة الخطر السلفي، ويمكن تفسير ذلك من خلال النقاط التالية:

أولاً: السلفيون لا ينبع خطرهم من الكثرة العددية كما هو الحال بالنسبة للتيارات الأخرى، بل ينبع خطرهم في الأساس من الفكرة التي يحملونها وقابليتها للانتشار بسهولة، ونحن نضيف إلى ذلك تفسيراً آخر إسلامياً، وهو أن نمط الالتزام السلفي هو النمط الأكثر توافقاً مع الفطرة، بمعنى أنه لو تُرك الناس لحالهم لرجعوا إلى الإسلام وطبقوا أحكامه كما هي مبينة في الكتاب والسنة، ودون مؤثرات خارجية سوف يقودهم ذلك بيسر إلى المنهج السلفي.

ثانياً: يمكن التمثيل على تباين التيار السلفي مع التيارات الأخرى من حيث ارتباط الكثرة العددية بقوة التأثير، بالوضع في مصر؛ فمن حيث العدد والانتشار، تأتي الطرق الصوفية في المقدمة حيث يُعد أنصارها بالملايين، ثم تأتي جماعة الإخوان المسلمين، ثم التيارات السلفية آخراً، ورغم ذلك فإن المفاهيم السلفية منتشرة في مصر ولها تأثيرها، ويستدل على ذلك بحجم ونوعية الكتاب الإسلامي المتداول والمرتبط بالسلفية مقارنة بمثيله لدى التيارات الأخرى.

ثالثاً: مشكلة السلفية أو الوهابية مع العالم الغربي أنهما يطالبان بالعودة إلى منابع الإسلام الصافية ـ الكتاب والسنة ـ وتحكيمهما في كل صغيرة وكبيرة بصورة مباشرة، ويمتلك الغربيون قناعة قديمة تمتد لمئات السنين بأن تلك المنابع الصافية هي مصدر بلائهم، وأن أي جماعة أو تيار يبدو حريصاً على التمسك بها لا مفر من مواجهته، وهذه هي جريرة السلفية أو الوهابية. «إن المتعصبين الوهابيين يقولون إنهم سيعيدون الإسلام النقي، وأقول: إن هذا يعني محو مئات السنين من الشعر والأدب والعمارة والفن والموسيقى» [الكاتب الأمريكي المتخصص في الشؤون الإسلامية ديفيد شوارتز، صحيفة ويكلي ستاندارد]، ويقول روبرت سبنسر: «كون الإصلاح الوهابي كان عنيفاً وقاسياً فهو انعكاس للنصوص الأساسية لدينه الذي نذر له نفسه وأتباعه في تعصب لا يرحم» [موقع إسلام ديلي].

3 احتواء السلفية:

هناك فكرة دقيقة تحتاج إلى تأمل، وهي: وجود فرق بين السلفية والسلفيين، وهذا يعني أنه عندما نتحدث عن احتواء السلفية كفكر فهذا يختلف عن احتواء السلفيين كحاملين لهذا الفـكر، وإذا كـان احتواء الفكر أهم وأخطر من احتـواء حامليه ـ من وجهة نظر الخصوم ـ إلا أنه لن يمكن احتواء الفكر إلا بعد احتواء حامليه، أو على الأقل احتواء عدد مؤثر منهم، وهذا ما يحدث الآن في عدة بلدان إسلامية، من جهود حثيثة تبذل لاحتواء أكبر عدد ممكن من رموز السلفيين وأتباعهم، وبات من الأمور المعتادة أن نجد جماعات ورموزاً سلفية لهم مذهبان: قديم وجديد. ومن الأمور التي ينبغي الإشارة إليها هنا، لارتباطها بهذه الجزئية، أنه عند تأمُّل تاريخ الجماعات الإسلامية نجد هناك منعطفين خطيرين تواجههما الجماعات في بداية نشأتها ثم عند تراجعها ـ كما هو الحال الآن ـ.

في المنعطف الأول: عادةً ما تكون الانشقاقات أو المراجعات في اتجاه مزيد من التمسك بالجذور والأصول، وللدرجة التي تصل أحياناً إلى التطرف والتكفير، ولكن بعد عقود وعندما تمر الجماعات بمراحل من الضغوط والمواجهات والمحن، عادة ما تكون الانشقاقات أو التراجعات في اتجاه مزيد من التخفف أو التخلص من عبء بعض الثوابت، وأقرب مثال على ذلك (جماعة الإخوان المسلمين) ففي مصر، في مرحلة الستينيات كانت أبرز الانشقاقات في اتجاه التكفير، وتمثلت في (جماعة التكفير والهجرة) التي انشق مؤسسها عن فكر الإخوان، ولكن في السنوات الأخيرة كانت أبرز الانشقاقات متمثلة في (حزب الوسط) تحت التأسيس، والذي يخطو بقوة في اتجاه التوافق مع النظام وتيارات المجتمع العلمانية أو غير المسلمة.

هذه الحقيقة التاريخية تعطينا نتائج هامة، لعل من أبرزها: أن أهم آلية لاحتواء السلفيين ـ ومن ثم السلفية ـ في الوقت الحالي هي في ممارسة مزيد من الضغوط والحصار عليهم، وأخطر وسائل الضغط ـ وعلى غير ما يتوقع الكثيرون ـ هو أن يُفتح المجال أكثر للرموز السلفية كي يخرجوا من ميدانهم الرئيس، ويبرزوا للعلن وللجماهير من خلال الإعلام وفي ميادين لا يملكون أدواتها؛ حيث يواجهون عالماً تغيرت مفاهيمه وثوابته وأصبحت له قواعده الخاصة، وعندها سيجد السلفيون المطروحون للعلن أنه لا بد من تقديم جوازات المرور المتمثلة في التخلص من عبء بعض الثوابت، ولا بأس من طمأنة الغيورين ودغدغة مشاعرهم بأنه لا يوجد تغير أو تراجع، ولكن كل ما في الأمر أنه لا بد من التعامل مع الإعلام بقدر من المداراة والمواربة.

ولكن على الجانب الآخر فإن تراجعات السلفيين تمثل لخصومهم بيضة القبَّان التي لا تُترك؛ فسرعان ما يضعون أيديهم في الشق المتسع في قناعات الرموز المتراجعة ليزيدوه اتساعاً وتراجعاً، وليتراكم كل ذلك في خانة المنهج السلفي، لتصبح مهمة الدعوة السلفية، كما يُبرزها هؤلاء، ليست في ضبط مؤشر الانحرافات في المجتمع لكي يقترب أكثر من الإسلام، ولكن في ضبط مؤشر الالتزام لكي يقترب أكثر من المجتمع تحت شعار تصحيح المفاهيم.

وهناك آلية أخرى لاحتواء الفكر السلفي، وهي ضغط الاعتقال، وقديماً كانت السجون تعتبر أحد محفزات الغلو والتكفير كما حدث في مرحلة الستينيات في مصر، ولكن في السنوات الأخيرة أصبحت السجون عاملاً حافزاً للتراجعات والمراجعات كما حدث مع الجماعة الإسلامية في مصر أيضاً.

والمشكلة الأساس في قضية الاحتواء أن الرمز السلفي الذي يتـم احتـواؤه ومن ثـم تراجـعه عن مقتـضيات السـلفية، لا يقر بتراجعه أو تنازله، بل يعتبر ذلك تجديداً وتطويراً يُنسب للمنهج السلفي، وذلك هو بيت القصيد بالنسبة لخصوم السلفية؛ لأنه لو أعلن الرمز المتراجع عن تغيير انتماءاته لما كان لتراجعه أي فائدة؛ فالهدف المنشود هو تغيير معالم المنهج السلفي بأيدي أبنائه أنفسهم، يعني: تفكيك السلفية من الداخل.

ومن هنا تنبع أهمية التنقية المستمرة للمنهج السلفي من العلائق التي تنسب إليه مع تكاثر الضغوط وتتابع المحن، وأيضاً تربية السلفيين والجماهير على الارتباط بالمنهج والحق والثوابت بغض النظر عمن يتبعها أو يدعو إليها، وكفانا تمجيداً للشخوص على حساب الأفكار؛ فنحن في عصر أصبح فيه الثبات عملة نادرة، وهذا ما لفت إليه أحد علماء السلف عندما جاءه رجل متحمس فقال له: أتناظرني؟ فرد عليه قائلاً: فإن غلبتني؟ قال الرجل: تتبعني.. قال العالم: فإن جاء ثالث فغلبنا؟ قال الرجل: نتبعه.. فقال العالم: إذن يصبح ديننا التنقل!

وحتى لا تصبح السلفية مرادفاً للتنقل كما يريدها خصومها، ينبـغي أن نعيد التأمل مرات ومرات في حديث النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ الذي يحفظه كل السلفيين: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله، وسنتي، ولن يتفرقا حتى يَرِدا عليَّ الحوض» (رواه أبو هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 2937).

وكما نرى في الواقع فإن هناك طريقتين للتمسك بالكتاب والسنة: إحداهما: بحملهما على الأكتاف، حيث يصبحان ثقلاً وعبئاً على حاملهما، ومثل ذلك يشغله الشعور بالعبء عن تلمس النصح والتوجيه. والطريقة الأخرى للتمسك بالكتاب والسنة في دفعهما للأمام من أجل الهداية والإرشاد، وفارق كبير بين من يتخذ القرار أو الحكم ثم يبحث عما يؤيده أو يلمح إليه من آية أو حديث، ومن يبحث فيهما أولاً ليتخذ قراره وحكمه وفق ما ترشد إليه الآيات والأحاديث.

3 إقصاء السلفية:

في أوقات سابقة في بعض الدول الإسلامية كان تصريح أحدهم: أنا سلفي.. يعد بمثابة إذن مرور لممارسة كثير من الأنشطة والتحرك الدعوي بحرية ويسر، ولكن الآن أصبح الوضع مختلفاً، وأصبحت السلفية في قفص الاتهام في بلدان كثيرة، وبات السلفيون تحت المجهر؛ فما الذي تغير؟ إنه ببساطة: الإقصاء.

والمنطلَق الأول لتبرير وتسريع إقصاء السلفية هو الربط التعسفي بين السلفية العلمية والدعوية وبين السلفية الجهادية، ويمارس الكُتَّاب الغربيون الخلط بين التيارات الإسلامية المختلفة، والخلط بين مبادئها ومفاهيمها بعلم أو بجهل أحياناً. يقول أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي: «عقيدة الوهابيين تنص على قتل كل من هو غير وهابي» وكتبت الصحفية الأمريكية (ســوزان سمـيث) في الواشـنطن بوسـت: «الأشخاص الذين لا يعتنقون الوهابية يعتبرون كفاراً» (راجع موقع إسلام ديلي).

إنها إذن استراتيجية متعددة المراحل: استبدال ـ احتواء ـ إقصاء. وهذا يعود بنا إلى السؤال المطروح في مقدمة المقال عن كيفية مواجهة التيارات السلفية؛ فالإجابة الصحيحة تتضمن الخيارات الثلاثة وليس خياراً واحداً.

ولا ريب في أن هذا التنوع في مواجهة السلفية يبدو متناسباً أكثر مع كون التيارات والفكر السلفي يتفاوت حجم ومستوى انتشاره بين البلدان الإسلامية، ومن ثَم لا بد أن تختلف طرق مواجهته من المنظور الغربي؛ فبعض الدول حققت إنجازات مسبقة وتجاوزت مرحلة الاستبدال بالفعل، وهي الآن ما بين الاحتواء والإقصاء مثل مصر، وبعض الدول تجاوزت المراحل الثلاث مثل تونس وليبيا، ودول أخرى لا تزال بين الاستبدال والاحتواء. هذا التحليل يفرز لنا نتيجة بالغة الأهمية، وهي أن سياسة الاحتواء تمثل عاملاً مشتركاً حالياً في عدد كبير من الدـول الإسـلامية وهو ما يستدعي متابعتها والتعليق عليها، ولكن ربما يتيسر ذلك في مقالات أخرى بمشيئة الله تعالى.
  رد مع اقتباس
قديم 17-Sep-2007, 04:35 PM   رقم المشاركة : ( 5 )
عضو ذهبي

الصورة الرمزية الطير الحر

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9136
تـاريخ التسجيـل : Aug 2006
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  Saudi Arabia
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 1,133 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : الطير الحر is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

الطير الحر غير متواجد حالياً

أعداء المنهج السلفي... بدائل أمريكية مقترحة


كمال حبيب


حين نقول المخططات الأمريكية فإننا نعني بذلك وجود أموال وعلماء وأجهزة مخابرات ومراكز أبحاث على أعلى مستوى، وأيضاً «الميديا» ووسائل الإعلام المقروءة والمسموعة، أو ما عبر عنه التقرير الأمريكي المهم الذي نشرته مجلة «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت» بعنوان «قلوب وعقول ودولارات»، وفي هذا التقـرير الخطـير المنشـور هذا العام يكشف عنوانه ومضمونه أن «حرب الأفكار والعقول» هي الأهم على جبهة المواجهة بين العالم الإسلامي وأمريكا ومن ورائها العالم الغربي.

وحرب الأفكار وكسب القلوب والعقول هي الجناح الآخر المهم الذي يساند الحملة العسكرية الأمريكية في حربها المزعومة على الإرهاب، ويعترف التقرير أن معركة الأفكار والعقول والقلوب لها صلة مباشرة بالأمن القومي الأمريكي؛ فكما يقول التقرير «أمريكا لها مصالح متصلة بأمنها القومي ليس فيما يحدث داخل العالم الإسلامي وإنما داخل الإسلام ذاته كدين».

أي: أن أحد أهم أهداف حملة الديبلوماسية العامة الأمريكية في العالم الإسلامي هي تغيير جوهر الإسلام ذاته؛ فالتقرير يعتقد أن أحد أهم مصادر الأصولية الإسلامية والتشدد الإسلامي ـ والذي تحاربه أمريكا وفق دراسة «للبنك الدولـي» ـ هـي المـدارس الإسـلامية التـقليدية. ويقدِّر التقرير أن هناك حوالي نصف مليون طالب مسلم يتعلمون في هذه المدارس بباكستان، وأنه لا بد من تشجيع ذويهم على سحبهم من هذا التعلىم التقليدي إلى التعلىم العلماني، الذي تنفق علىه برامج حملة الديبلوماسية العامة الأمريكية هذه التي تصل ميزانيتها إلى أكثر من مليار دولار.

وفي الواقع فإن تعبير «حرب الأفكار والعقول» صكّه «بول وولفويتز» أحد مهندسي الحرب على العراق ونائب وزير الدفاع الأمريكي وأحد الصقور الخطيرة في الإدارة الأمريكية في عام 2002م حين قال: «إن معركتنا هي معركة الأفكار ومعركة العقول، ولكي نكسب الحرب على الإرهاب لا بد من الانتصار في ساحة الحرب على الأفكار». وتبنّت التعبير بعده بعام «كونداليزا رايس»، ثم أصبح أحد التعبيرات المهمة للإدارة الأمريكية كلها بما في ذلك «جورج بوش» نفسه(1).

ومـعركة الأفكار وفق إدراك صنّاع القرار الأمريكي تعني أنك تخوض حرباً لتغيير جوهر الدين الإسلامي ذاته، وهذا يجرك إلى مناطق حساسة، مثل: كيفية فهم الإسلام وتفسير القرآن والفـقه، بحيـث يدعو هـذا الفهم لمـا تريـده أمريـكا، وهـو تقديم خطاب متسامح يركز على المشترك بين الإسلام والنصرانية؛ فهو خطاب ينبغي أن يخلو من فكرة الجهاد والقتال والولاء والبراء، كما يجب أن يخلو من العداء للكيان الصهيوني.

ويعترف التقرير بأنه يواجه مشكلة حقيقية في التعامل مع العدو الإسلامي الأصولي، وهي أنه يحمل قيماً وأفكاراً دينية ومعنوية لم يعتد الأمريكان على التعامل معها من قبل مع العدو السوفييتي الذي كان ذا طابع إلحادي، بيدَ أن التقرير يسعى للاستفادة من الخبرة الأمريكية في التعامل مع الحركة الشـيوعية عـن طريق كسر القلب للحركة الإسلامية عن طريق ما أطلق علىه بوش «صدام حضارات داخل العالم الإسلامي وليس بينه وبين العالم الغربي» كما طرح هنتنجتون(1)؛ وذلك عن طريق دعم التيارات المعتدلة التي لا تتبنى الفهم المتشدد للدين الإسلامي بالمعايير الغربية؛ فهي تيارات بينها وبين العالم الغربي قيم مشتركة، مثل: الديموقراطية، وحقوق المرأة، وحقوق الإنسان كمرجعية مطلقة، والحريات المدنية والدينية، أي: أن الـتـيارات المـعـتدلـة الـتـي تسـعى أمريـكـا لدعــمـها أو استنساخها هي تيارات تعبر عن «الإسلام الأمريكي» الذي لا يجعل من الوحي مرجعيته الأساسية في الفهم، وإنما يجعل مرجعيته الواقع المتغير وضغوطاته.

ولدينا على مواقع مراكز الأبحاث الغربية مئات الدراسات التي تتحدث عن دعم الإسلام المعتدل كجزء من «الإستراتيجية الاتصالية» التي تتبناها أمريكا لكسب العقول والقلوب(2)، فكما استطاعت أمريكا أن تكسر الحركة الشيوعية في صراعها معها إبان الحرب الباردة إلى أجنحة متضاربة؛ فإنها تحاول تنفيذ الشيء نفسه داخل العالم الإسلامي بتعزيز الإسلاميين المعتدلين لكي يقوموا هم بالتضامن مع أمريكا في حربها ضد المتشددين من القاعدة وطالبان.

بيدَ أن أمريكا لا تقتصر فقط على القاعدة وطالبان كهدف لحربها، وإنما توسع الدائرة لتشمل أولئك الذين لا يلتزمون بالمعايير الأمريكية لفهم الإسلام، ومنهم السلفيون، والذين تصفهم أمريكا بأنهم أصوليون وهابيون أي: أتباع الشيخ «محمد بن عبد الوهاب». والسلفية هي منهج في التفكير يلتزم الطريقة التي فهم بها سلف هذه الأمة الأخيار ـ وهم علماء القرون الأربعة الأولى ـ القرآنَ الكريم والسنَة الصحيحة، وهي أيضاً منهج في الإصلاح يقوم على أن ما صلح علىه أمر المسلمين في أول بزوغ الإسلام هو الذي يصلح به أمر زماننا هذا والأزمان القادمة بعدها وحتى قيام الساعة؛ فالسلفية منهج في الفهم والإصلاح معاً(3).

وهنا تأتي المشكلة في المنهج الأمريكي أو حملة الديبلوماسية العامة الأمريكية؛ فبينما تسعى لكسب العقول والقلوب فإنها تسعى لكسبها وفق شروطها هي؛ بحيث تضع من لا يتابعها لتكسب عقله وقلبه في خانة العدو، وهي بهذا تضع المسمار في نعش هذه الخطة.

ذلك أن قطاعات واسعة من العالم الإسلامي ستقاوم كسب عقــولها وقلوبـها لصـالح أمريكا، وترى أن عقـلها وقلبها يجب أن يكون حيث يرضي ربها، والقطاعات المسلمة في العالم الإسلامي ستظل ترى الإسلام كما يريده الله وليس كما تريده أمريكا.

ومثلاً يقول «فوكوياما»: أنا أرى أن التوفيق ممكن بين الإسلام كدين وبين الحداثة؛ فالإسلام يمثل ديناً ونظاماً ثقافياً معقداً للغاية، وقد أثبت قدرته على التوافق مع الحداثة في عدد كبير من المجتمعات والأفراد، ولا أرى هناك سبباً يمنع من وجود شكل حديث للإسلام، غير أن «نوع الإسلام» الصحيح لا يمكن أن يتفق مع الحداثة، والقضية الأساسية هي إمكانية وجود دولة علمانية تجعل الإسلام بين حيطان أربعة(4).

فالمشكلة هنا ليست الحرب على «القاعدة»، ولكنها طريقة التفـكير التي يفكر بها أكثر من مليار مسلم، وليس بالضرورة أن المسلمين المحافظين هم على توجه القاعدة؛ فالبون واضح جداً، وهذه تداعيات السلوك العسكري: يبدأ بمقاومة الإرهاب وفقـاً للرؤيـة الأصوليـة الإنجيـلية للإدارة الأمـريكـية الحـالية، ثم ينخرط في «حرب دينية واسعة» على العالم الإسلامي، تتصل بتعديل جوهر الإسلام نفسه؛ ليتلاءم مع المصالح والأمن القومي الأمريكي، وهو ما يستفز العالم الإسلامي ويقوده للدفاع عن عقيدته في مواجهة الهجمة الأمريكية، وهنا يتسع الخرق على الراتـق، ويبدو العالم الإسـلامي وكأنـه المستـهدَف رغم أنهم قد لا يلتزمون منهجه أو طريقته.

بالطبع تقرير «عقول وقلوب ودولارات»(1) الذي عمد إلى تدشين إذاعات مثل: «سوا» تخاطب عقول الشباب المسلم عبر النكات والموسيقى باعتبار أن الديموجرافيا العربية قاعدتها الأهم هي الشباب، ومثل: «قناة الحرة» وغيرها من الأدوات التي تتصل بـ (ورش العمل) ودعم مراكز الأبحاث والأشخاص والمجلات والإذاعات والمدارس والمساجد في بلدان مهمة في العالم العربي والإسلامي، مثل: مصر وأندونيسيا ونيجيريا وباكستان وأفغانستان وتركيا والمغرب ـ هذا التقرير هو عمل كاشف لنا في العالم العربي والإسلامي، ولكنه يحمل في طياته الكثير من عوامل الفشل والإخفاق، وهناك العديد من الدراسات الأمريكـية التي نقدته من المنظور الأمريكي، وهذا مكرهم: {وَإن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْـجِبَالُ} [إبراهيم: 46] والله أشد مكراً {وَاللَّهُ خَيْرُ الْـمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54].

3 تقرير راند والمخططات الأمريكية (2):

صدر هذا التقرير المهم أيضاً في شهر فبراير عام 2004م بعنوان يسترعى الاهتمام: «الإسلام المدني الديموقراطي، الشركاء والموارد والإستراتيجيات»، والإسلام المدني أي: الإسلام العلماني الذي لا يستند لمرجعية الوحي هو الإسلام الأمريكي، ويعبر عنه كثير من الباحثين الغربيين بـ «تحديث الإسلام»، وهو يتحدث هنا عن الشركاء أي: الذين يشتركون معـ أمريـكا في فهـم الإسلام العصري أو الحداثي، وهم هنا من يسمون بـ «الإسلاميين الليبراليين».

في مقدمة التقرير تتناول الباحثة «شيريل برنارد» مسألة أن العـالم الإسـلامي يمـثل معـضلة أمنيـة وإستراتيجية للولايات المتحـدة الأمريكية والغرب، ومن ثم فلا بد من التدخل لضبط أوضاعه لصالح التماهي مع الديموقراطية الغربية «أمريكا والعالم الصناعي الحديث والمجتمع الدولي يفضل وبوضوح عالم إسلامي متناسق مع بقية المنظومة»، والتناسق مـع بقـية المنظـومة معنـاه بناء إسلامي علماني حداثي كما يقول التقــرير، ومن ثم فمجال العمل هو «علمنة الإسلام» نفسه عبر إعادة تشكيله من جديد وفق المصالح والقيم الأمريكية والغربية.

ويقسم التقرير الأمريكي الاتجاهات الفكرية في العالم الإسلامي إلى:

أولاً: الأصوليون: وهم الذين يرفضون القيم الغربية والديموقراطية، ويسعون لمقاومة التغريب ومقاومة الغرب ومناكفته، وهؤلاء يجب أن يكونوا هدفاً للتحالفات الأمريكية الجديدة التي تسعى لعزلهم وإنهاكهم بل والتخلص منهم(3).

ثانياً: الحداثيون: وهم الذين يرون اللحاق بالقطار الأمريكي أملاً يسعون إلىه، وهؤلاء هم «الليبراليون الجدد» وهم تقريباً أقرب للملاحدة؛ فليس لديهم إيمان سوى بقيم اللذة والمتعة، والغرب لديهم ليس وجهة للحاق به ولكنه دين ومرجعية تنتظم عقولهم وأفكارهم وفقاً لها، هم لا يؤمنون بخصوصية لعالمنا الإسـلامي؛ فالـكل يجـب أن يـكون عولمياً بلا مرجعية أخلاقية أو دينية.

ثالثاً: العلمانيون: وهؤلاء يرون أن يكون الدين في الحياة الخاصة ويؤمنون بفصل الدين عن المجال العام. وبعضهم يتبنّى رؤى قومية أو وطنية أو يسارية.

رابعاً: التقليديون: وهم المتخرجون من المدارس التقليدية الإسلامية، مثل: الأزهر أو المدارس الإسلامية في باكستان وغيرها، وهؤلاء التقليديون ـ أي العلماء وطلبة العلم الذين درسـوا علوم الديـن بالطـرائق التـقليـدية وإلىهـم ينـتـمي فـئة من العلماء المسلمين ـ وهم أداة تستخدمها أمريكا لمواجهة الأصوليين وعزلهم (هكذا يزعمون).

وتستند الإستراتيجية الأمريكية على الدعم المطلق للحداثيين والعصرانيين عن طريق:

ـ نشر وتوزيع أعمالهم بأسعار مدعومة، وتشجيعهم على التأليف للجماهير الواسعة والشباب، وإدراج آرائهم في مناهج التربية الإسلامية، ومنحهم أرضية مدنية، والأهم هو جعل أفكارهم وآرائهم في تأويل الدين متاحة لجمهور واسع على حساب الأصوليين والتقليديين الذين لهم مساحاتهم التي ينشرون فيها أفكارهم. والأخطر هو جعل العلمانية والحداثة خياراً ثقافياً محتملاً للشباب الإسلامي غير المثقف ثقافة إسلامية.

كما تستند على توظيف التقليديين في سياق الخطة الأمريكية لحصار الأصوليين؛ وذلك عن طريق:

ـ تعميق الخلاف بين الأصوليين والتقليديين، وترويج نقدهم لعنف الأصوليين، ومنع تحالفهم مع الأصوليين، والعمل على تقريبهم من الحداثيين، بل وتعلىمهم وتكوينهم ليبقوا في مواقعهم في بعض الأماكن، مثل: آسيا الوسطى التي تنتشر فيها الحركات السلفية والجهادية، ودفع الحداثيين على الحضور بكثافة في مؤسسات التقليديين، واستغلال المذهبية التقليدية في مواجهة الوهابية التي تتبنى منظوراً جامداً وصلباً وفق الرؤية الأمريكية، ومن ثم لا بد من الإنفاق الذي يمثل مقابلاً مهماً للتيارات الجهادية والمقاومة للأمركة.

وتستند الخطة ـ أيضاً ـ على تحدي التأويل الأصولي للإسـلام، والتشهـير بالمنتسبـين إليه، وإظهار أنهم خارجون عن القانون، وتشجيع الصحافة على التشهير بالدوائر الأصولية المعادية للغرب، وتوجيه هذه الرسائل إلى دوائر الشباب المسلم التقليدي والأقليات المسلمة في الغرب والنساء، ثم تشجيع الانقسامات في صفوف الأصوليين.

وفي النهاية يتحدث التقرير عن دعم التيارات العلمانية التي تتبنّى الرؤى الأمريكية والتي ترى أن الأصوليين خطر على أمريكا والعالم، ومنع تحالف العلمانيين أو بعض فصائلهم مع القوى الإسلامية المعادية لأمريكا، وتأكيد أن الرؤية العلمانية التي تفصل بين الدين والدولة تقود إلى تقوية العالم الإسلامي وليس إضعافه.

في التحليل النهائي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدخول لعالم الإسلام الداخلي ممثلاً في العقيدة والفقه والحضارة والتاريخ ونظم الاجتماع والتشريع والتعلىم والأحوال الشـخصية ونظـام التـأويل والتـفسير ومنـهج فـهم الإسـلام وما نعبر عنه اليوم بالسلفية أي: الالتزام بنظم وقواعد فهم التشريع التي وضعها النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة والعلماء والفقهاء الذين التزموا هذا الفهم وتابعوهم علىه، وتغيير ذلك كله وتأسيسه من جديد؛ وتبدو أمريكا هنا كأنها فرقة جديدة إسلامية ضالة تسعى لبناء أبستمولوجي اجتماعي جديد لنظام فهم الإسلام، ومن ثم فلن يقدَّر لها النجاح.

3 الاتجاهات الأمريكية البديلة:

تسعى أمريكا لتشجيع الاتجاهات التي لا تمثل تهديداً للأمن القومي الأمريكي وهي بطبيعتها علمانية وفرق تعبر عن التخلف داخل العالم الإسلامي، ومن هذه الاتجاهات المرشحة بقوة:

أولاً: الفِرَق الصوفية الغالية، التي تتبنى عقائد مهرطقة.

ثانياً: الفرق الباطنية، وهي فرق إلحادية تُسقط التكليف، وتتحدث عن باطن للشريعة لا يعرفه إلا مشايخها، كما تتحدث عــن الحــلول والاتحـاد الذي يعـني أن كـل الأشياء واحدة، وأن أمريكا والعالم الإسلامي شيء واحد، وأن الإسلام والنصرانية شيء واحد. وهناك مفهوم وحدة الأديان في هذا السياق، وهو المفهوم الذي عبرت عنه أمريكا في مجلة «النيوزويك» حول بناء اتجاهات داخل الإسلام تراه نظاماً للصفاء الداخلي وليس نظاماً للكون والتشريع والعالم.

ثالثاً: الاتجاهات الشيعية في العالم الإسلامي ودعمها، كما هو حادث اليوم في العراق؛ خاصة الاتجاهات التقليدية، مثل: «اتجاه السيستاني» الذي يعمل لبقاء الهيمنة الأمريكية، ويعمِّق الطائفية على حساب أهل السنة والجماعة التي تراهم أمريكا أكبر خطر علىها في العراق والعالم؛ فالشيعة عبّروا عن مواقف طائفية في مواجهة أهل السنة والجماعة، ولذا تعمل أمريكا على تدعيم الاتجاهات الشيعية في كل منطقة يوجد بها أهل السنة، بـل واستنـساخ هـذه الاتجـاهات وإيجـادها مـن العـدم، كـمـا هو الحــال في مصر مثـلاً؛ حيـث تجـد دعـم الاتجاه الشـيعي من الصحف العلمانية.

رابعاً: الاتجاهات المعتدلة من الحركة الإسلامية، أو ما يطلق علىه «تيار الإسلام السياسي»، مثل: الإخوان المسلمين في مصر، وحزب الوسط في مصر، أو حزب العدالة والتنمية في المغرب، أو حزب العدالة والتنمية في تركيا، والتي تعد النموذج لحملة الديبلوماسية الأمريكية العامة، والتي تقوم على إمكانية التعايش بين الإسلام والحداثة.

خامساً: الفقهاء التقليديون في مؤسسات لها وزنها، مثل: الأزهر، ومحاولة الحصول منها على تنازلات فقهية في الفتاوى، مثل: فتاوى فوائد البنوك، وفتاوى الصلح مع اليهود، وفتاوى تحريم العمليات الاستشهادية، وإيجاد حالة اضطراب بين هذه المؤسسات العريقة وبين الجماهير المسلمة، عبر الضغط من أجل تنصيب شخصيات لا تحظى بالعلم الشرعي الذي يؤهلها لمناصب المشيخة والإفتاء.

سادساً: دعم الاتجاهات التي تراجعت عن أفكارها، مثل: الجماعة الإسلامية المصرية، والتي يتم الضغط علىها بشكل منظم لطرح توجهات فكرية تخدم التوجه الأمريكي الجديد، كما أوضحه تقرير «راند»؛ حيث نجد مدرسة جديدة في التأويل الفقهي والديني تبتعد بقوة عن القواعد الشرعية الحاكمة للتأويل والتفسير والفهم وتتجه إلى القواعد المصلحية والواقعية.

هذه تقريباً هي أهم الاتجاهات البديلة التي تخدم التوجه الأمريكي الجديد لبناء إسلام مدني ديموقراطي حداثي مختلف عن الإسلام الذي نزل على نبيّنا «محمد بن عبد الله» -صلى الله عليه وسلم-. وهو ما يؤكد أن المعركة بين الحق والباطل ستظل قائمة وإن اختلفت العصور والوجوه والتكتيكات والإستراتيجيات، وعلى أهل الحق أن يفيقوا وينتبهوا ويرابطوا ويثبتوا» {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الزخرف: 43].


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
الهوامش

(1) عن مصطلح حرب الأفكار ومشكلة المصداقية التي تواجهها أمريكا في العالم العربي، والتي جعلت (98%) من المصريين يكرهون أمريكا، بينما بلغت هذه النسبة (73%) في الإمارات. راجع: عبد الوهاب الأفندي، الولايات المتحدة تخسر الجولة الأولى في حرب الأفكار، القدس العربي، 23/ 5 / 2005 وهو مقال مهم وأنصح بقراءته .

(1) يروِّج «جورج بوش الابن» أن مفهوم صِدام الحضارات هو مفهوم داخل العالم الإسلامي، وليس بين الإسلام والغرب، وذلك لتبرير التدخل الأمريكي للّعب بعناصر الصدام هذه وتوظيفها لصالح مفهوم الأمن القومي الأمريكي.

(2) www. Carnegieendowment.org , Amr Hamzay, The west and Moderate ISLAM

وعلى هذا الموقع ستجد العشرات من المقالات في هذا الموضوع .

(3) كما قال الإمام مالك ـ رحمه الله ـ: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها». وفي موضوع السلفية وأن لكل أمة سلفيتها بما في ذلك أمريكا نفسها التي ترجع إلى الحضارة اليونانية والرومانية لتستلهم منها الكثير من الرموز والأفكار راجع مثلاً: سلمان داوود الصباح، في السلفية الغربية والعنف والتسامح، القاهرة: مجلة الهلال، يوليو، 2005، ص 102 وما بعدها .

(4) محمد السطوحي، فوكوياما يتحدث إلى وجهات نظر، مجلة وجهات نظر، مارس، 2002، ص 10 وما بعدها .

(1) عن الجدل حول التقرير راجع مثلاً: روبرت ستالوف، تقرير دجيرجيان عن الديبلوماسية العامة، الانطباعات الأولى في www.alshaqalarabi.org.uk

بتاريخ 3/12/ 2003، وروبرت ستالوف هو أحد الصقور الاستئصالية داخل الإدارة الأمريكية، وهو مدير التخطيط السياسي بمعهد واشنطن، وأيضاً نفس الموقع مارتن كرامر وموفق حرب، الصراع من أجل قلوب وعقول الشرق أوسطيين بعد 11 سبتمبر 13/3/2003.

(2) اعتمدنا على ترجمة للتقرير الذي أعدته مؤسسة «راند» الخيرية الأمريكية وثيقة الصلة بشركات إنتاج الأسلحة الأمريكية، وهي تتولى صياغة مناهج التعليم في العديد من البلدان الخليجية، مثل: قطر والكويت، والتقرير تضمن في نسخته الإنجليزية، مقدمة وثلاثة فصول وملخصاً وأربعة ملاحق وقائمة مراجع وتعريفاً بالمصطلحات المستخدمة.

(3) وعن مفهوم الأصولية راجع : يحيى ولد البراء، الأصولية في العالم المعاصر، الحياة 8/5/2004م.
  رد مع اقتباس
قديم 17-Sep-2007, 04:36 PM   رقم المشاركة : ( 6 )
عضو ذهبي

الصورة الرمزية الطير الحر

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9136
تـاريخ التسجيـل : Aug 2006
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  Saudi Arabia
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 1,133 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : الطير الحر is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

الطير الحر غير متواجد حالياً

واجب العلماء والدعاة في نصرة الدعوة السلفية والذود عنها



محمد عيد العباسي


اقتضت سنة الله في خلقه، وحكمته في عباده وجود الحق والباطل، وتدافعهما المستمر إلى قيام الساعة، ليتحقق الابتلاء والامتحان، وتظهر حقيقة كل إنسان، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيّ عن بينة، وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْـحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ} [الرعد: 17]، ويقول: {إنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: 7]، وقد قال لبني إسرائيل لما شكَوْا ما أصابهم من ظلم فرعون وبطشه: {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129]، ومثل ذلك في الكتاب والسنة كثير.

وهذا التدافع والصراع بين الحق والباطل سِجَال؛ فتارة ينتـصر الحق ويـعلو، وتـارة يظـهر البـاطل ويسـود، ولكن الله ـ تعالـى ـ قضـى بأن العـاقبة والخاتمة، والنتيجة والمآل للحق بلا شك ولا ريب، كما قال ـ سبحانه وتعالى ـ في الآية السابقة: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً} وكما قرر في أكثر من آية أنّ العاقبة للمتقين {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] و {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] و {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].

ولئن أجاب اللهُ رأسَ الكفر والشر إبليس ـ عليه لعنة الله ـ إلى طلبه أن يُنْظِرَه إلى يوم يُبعثون، وأَذِنَ للناس أن يكون لهم شيء من الأمر في الدنيا، فيختاروا اتّباعه وطاعته، أو اتّباع الرحمن وعبادته، وترك الباطل يصول ويجول في هذه الدار؛ فإن الأمر كله والحكم جميعه في الآخرة لله ـ تعالى ـ وحده، وليس لغيره منه أي نصيب؛ فهناك تظهر الحقائق، وتُبلى السرائر، ويحق الحق، ويبطل الباطل، ويُكرَم أهل الإيمان، ويحل بالكفرة والفجرة الهوان والخسران.

وفي زماننا الحاضر يشهد العالم علو الباطل وانتفاخه، وعِظَم قوته ـ فيما نحسب ـ وانتفاشه، وظلمه وعدوانه وخاصة على المسلمين؛ إذ يدبر لهم المكائد والمؤامرات، ويحاول بشتى الطرائق والأساليب من جديد لاحتلال بلادهم، ونهب ثرواتهم، وإهدار طاقاتهم، واستعباد جماهيرهم، وليس هذا فقط، بل إنه يحاول ـ عن طريق ما يدعونه بالعولمة ونشر الديموقراطية والإصلاح ـ سلخَهم عن دينهم، والقضاء على عقيدتهم، وتغيير مناهج تعليمهم وتفكيرهم، وإحلال قيمه وثقافته وشريعته وعاداته عليهم، وهذا كما أخبرنا ربنا ـ جل وعلا ـ تماماً قبل نحو خمسة عشر قرناً؛ حيث قال: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، وكما قال: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، وهذا واحد من أمور كثيرة جداً من إعجاز القرآن؛ إذ أخبرنا عما سيكون، وقد وقع كما أخبر.

وقد تم للأعداء ـ مع الأسف ـ كثير مما أرادوا حين تمكنوا من القضاء على دولة الخلافة في القرن الماضي، واحتلّوا أكثر بلاد الإسلام، ونشروا أفكارهم وعاداتهم وطريقة عيشهم، واستجاب كثير من أبناء المسلمين لهم، ونشأت أجيال من المسلمين تؤمن بالدعوات القومية والاشتراكية والماركسية والرأسمالية والعلمانية، بل والوجودية والإباحية والإلحاد.

ولكن الله ـ تعالى ـ شاء أن يرحم المسلمين وينقذهم من هذا الخطر الماحق لكيانهم ودينهم، فمهَّد لإيقاظ المسلمين وإعادتهم إلى السيادة العالمية، وإعادة مجدهم إليهم، وهو الغالب على أمرهم وأمر الخلق جميعاً، وهو الذي يدير في الحقيقة المعركة بحكمته وعلمه، فيسّر الأسباب التي أدّت إلى سقوط الشيوعية ممثلة بالاتحاد السوفييتي أكبر قوة وإمبراطورية تدعو إلى الإلحاد في التاريخ، ثم أعقب ذلك إسقاط الدعوات القومية والاشتراكية والثورية، التي منيت بالفشل الذريع والإخفاق الكامل، والتي كانت تحارب الإسلام ودعاته في أكثر بلاد الإسلام.

وأما الذين كانوا يروّجون للمعسكر الغربي الرأسمالي وللعلمانية، ويخدعون الناس بشعارات الحرية والديموقراطية فقد فضحهم الواقع البائس؛ لما تفعله دول هذا المعسكر في بلاد الإسلام، ولما يعانيه الناس كل يوم ولما يشاهدونه من الظلم والقهر والاستهتار بأرواح الناس، والاعتداء على مقدساتهم وكرامتهم، ومن سياسة الكيل بمكيالين بل بمكاييل متعددة، دون أن يرقبوا في المسلمين إلاً ولا ذمة، حتى ضجت من أفاعيلهم جماعات حقوق الإنسان نفسها التي كانوا يتاجرون بها ويفاخرون بأنهم أنشؤوها، وقد أزال هذا الواقع المرير الغشاوة عن عيون المخدوعين بالدعوات البراقة، التي كان يزينها أصحاب هذه الدعوات وأتباعهم، وكشف العمى عن قلوب المضلَّلين.

وقد أفسحت هذه الوقائع والمستجدات والتطورات لدعاة الإسلام المجال لإحداث اليقظة الإسلامية، وفرح المؤمنون بنصر الله وفرجه، فرأينا الناس تملأ المساجد، واللحى تُعفى، والحجاب بين النساء ينتشر، والكتب والأشرطة والمطويات الإسلامية تَذيع وتتداولها الأيدي، ويتحدث بها الناس.

ولكن هذه الفرحة والبهجة مع الأسف الشديد لم تطل؛ فقد كدّر صفوَها، وأفسد جمالها، وكاد يخيّب الآمال فيها تسلل دعوات باسم الإسلام، تحاول أن تركب الموجة، وتستغل الفرصة، وتقود السفينة لصالح دعوات منحرفة، وأفكار مضللة، لبعض الفرق الإسلامية التي خرجت عن منهج الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة؛ فهذه تدعو لإسلام شيعي، وتلك تدعو لإسلام صوفي، وثالثة تدعو لإسلام معتزلي، ورابعة تدعو لإسلام تكفيري خارجي، بل ظهر ما يمكن تسميته بعلمنة الإسلام، والإسلام الأمريكي، والإسلام الحداثي، وهكذا.

وأصبحنا ـ مع شديد الأسف والألم ـ نعيش في فوضى فكرية وعلمية بالغة، وأخذ أرباع المتعلمين وأنصافهم يفتون في الحلال والحرام، وتجرأ (الرويبضة) على الفتوى في الأمور الكبرى، والنوازل العظمى، التي لو عرضت على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ـ رضي الله عنهم ـ لتريثوا فيها، ولجمعوا المهاجرين والأنصار للتشاور فيها قبل أن يقولوا فيها شيئاً.

وقد شارك كثير من أجهزة الإعلام من صحف ومجلات وإذاعات وقنوات فضائية مسموعة ومرئية في هذه الفوضى والبلبلة والعبث، فأخذت تلمّع التافهين، وتسوِّق للجاهلين، بعضها لأغراض خبيثة، وبعضها لأغراض تجارية ودعائية، وبعضها عن جهل وسذاجة، والله أعلم بالسرائر.

وتجاه هذا الواقع المؤلم، والخطر المحدق، يبرز دور العلماء والدعاة المخلصين في إنقاذ الصحوة الإسلامية المباركة من هذه الفوضى والأخطار، وإيصالها إلى بر الأمن والسلام، وقيادتها بحكمة وعلم وصدق وإخلاص، كي تحوز رضا الله الكريم الرحمان، وتنجو من مكائد الإنس والجان، وتقيم الحجة على المخالفين، وتثبت المؤمنين من الحاقدين والمعاندين والمنافقين.

وقد يقول قائل: وماذا عسى العلماء والدعاة أن يفعلوا وليس بأيديهم سلطة ولا قوة؟ وأقول: إنهم يستطيعون فعل الكثير، وبأيديهم قوة كبرى لا يمتلكها غيرهم حتى ولا ذو السلطان، تلك هي قوة الكلمة والحجة والعلم والبيان، وهل انتصر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا بهذا القرآن؟ وهو كلام، ولكنه أشرف كلام وأعظم كلام، وبأيدي العلماء هذا القرآن وكذلك السنة، وشروح العلماء لهما وبيانهم لأسرارهما وكنوزهما؛ فإذا فقهوهما، وحملوهما ونشروهما، ودعوا إليهما كما أمر الله تعالى، فكانوا أسرع الناس إلى العمل بهما والتخلق بأخلاقهما والتأدب بآدابهما، والالتزام بأحكامهما، فإنني واثق أن معظم الناس سيستجيبون لهم، ويسارعون إلى التمسك بأحكام الدين، وتعود إليهم ثقتهم بينهم، ومنهج سلفهم الصالح، وإذا فعلوا ذلك فليستبشروا بالنصر والتأييد، والتوفيق والتسديد، والغلبة والتمكين بعون الله العزيز القدير.

\ نصائح ووصايا هامة:

وأقدِّم في هذه العجالة بعض الوصايا والنصائح لنفسي ولإخواني من أهل العلم والدعوة، قياماً بواجب النصح والتذكير، و {الذِّكْرَى تَنفَعُ الْـمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]، وعملاً بقوله ـ تعالى ـ: {وَالْعَصْرِ * إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْـحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] .

1 ـ فأول ما يجب فعله في هذا الزمن وهذه الأحوال، أن يجتمع العلماء والدعاة، ويتلاقوا، ويتشاوروا، ليكونوا صورة واضحة متكاملة صادقة للواقع الاجتماعي والثقافي والديني والاقتصادي والسياسي الذي يمر بالمسلمين اليوم، ويتدارسوا أسبابه، بكل موضوعية وتجرّد وإخلاص، ثم يتباحثوا بوضع خطة مقترحة متدرجة للعلاج والإنقاذ، مسترشدين بكتاب الله وسنة رسوله، وهدي السلف وتجارب المسلمين وغيرهم، وإذا اختلفوا في بعض المسائل، فليأخذوا بما يراه أكثرهم؛ فإن أكثر الخـاصة وأهـل العلم هـم أقرب إلى الصواب عادة من القلة، ولا يدَعوا للشيطان سبيلاً للتنازع والخصام، فما يختلف فيه أهـل العلم فلا بد أن يكون مما يسوغ فيه الاجتهاد، ولا يمكن أن يكون فيه نص قاطع، طبعاً هذا لدى أهل السنة والجماعة ممن تتوافر فيهم صفة العلم والإخلاص والتقوى، وظني بأهل العلم والدعوة أن يكونوا كذلك.

وليذكروا ما وصى به النبي -صلى الله عليه وسلم- صاحبيه الكريمين معاذاً وأبا موسى الأشعري ـ رضي الله عنهما ـ حينما أرسلهما إلى اليمن، للدعوة والتعليم، فقال لهما: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا»(1).

وفي العمل بهذه الوصية النبوية الحكيمة العلاج الناجع والدواء الشافي لهذا الداء الوبيل، ولهذا الاختلاف والشقاق والنزاع والخصام الذي استشرى وعمّ وطمّ ـ مع الأسف ـ بين بعض أهل العلم؛ إذ كثيراً ما ترى كراهة وجفاء بعضهم لبعض بسبب خلاف على رأي أو فهم، وقد يكون في مسألة صغيرة، من الخلاف المعتبر الذي كان يحصل مثله بل أكبر منه بين أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ومع ذلك فما كان يؤثر على محبة بعضهم لبعض ولا أخوّتهم ولا احترامهم.

2 ـ على العلماء والدعاة الحذر من أي تصرف فردي يقوم به أحدهم في المسائل الكبرى مما يؤثر سلباً على سير الدعوة، ويؤثر على الجميع، وليذكروا حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي ضرب مثلاً رائعاً لوضع الجماعة بالراكبين في السفينة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «مثل القـائم على حــدود الله والواقـع فيـها كمثـل قـوم استـهمـوا في سفنـية، فأصـاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فتأذوا به، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذِ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً»(2).

فهذا الحديث العظيم يبين خطر التصرفات الفردية الخرقاء على المجتمع، فيجب أن يلحظ العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية خطر التصرف الفردي غير المسؤول؛ فإن مصير الجميع واحد، وما يفعله الواحد سيؤثر على الجميع، فليتق الجميع الله ـ عز وجل ـ في دينهم وأمتهم وإخوانهم، وليتذكروا تحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- من الإعجاب بالرأي والشذوذ عن الجماعة ووصفه ذلك بأنه من المهلكات.

3 ـ التشمير عن ساعد الجد، والعمل النشيط الدؤوب لتنفيذ خطة العلاج المقترحة، وجعل ذلك محور اهتمامهم، وتخصيص جلّ وقتهم وطاقتهم لإنجاحها، والاقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام في التضحية والبذل والعطاء، وليذكروا خطاب الله ـ تعالى ـ لنبيه الكريم يحيى ـ عليه السلام ـ: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12]، وقوله لبني إسرائيل: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63].

وما لم يتوافر العزم والجد والبذل والنشاط فلن ينجح أي عمل؛ فكيف بهذا المشروع العظيم الذي هو أشرف مشروع، وأكثره أجراً؛ وهو نصرة دين الله وإنهاض الأمة المسلمة؟ فما كان ليتحقق أبداً ـ بحسب سنة الله في الحياة ـ على أيدي أناس كسالى بطّالين، همهم دنياهم وعاجلتهم، ولا يعطون دينهم إلا فُتات جودهم وفضلات أوقاتهم.

4 ـ أن ينشروا الدعوة إلى الوسطية والاعتدال، ويحذروا من الغلو، والتطرف؛ فالإسلام دين الوسطية كما قال ربنا ـ تبارك وتعالى ـ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]. وأهل السنة والجماعة هم الفرقة الوسط كذلك بين الفرق الإسلامية، والغلو هـو السبب الأكبر في خروج جميع الفرق عن الفرقة الأم أهل السنة والجماعة. والغلوّ له طرفان متضادان في كل أمر؛ فالخوارج مثلاً في مسألة الإيمان غَلَوْا وتشددوا في نصوص الوعيد، فحكموا بالكفر على كل من ارتكب كبيرة، وفي مقابلهم المرجـئة الذي تساهلوا في الإيمان وفي نصوص الوعد، فحـكموا بالإيمـان علـى كل مـن قـال: لا إله إلا الله، ولو فعل ما فـعل، وعـدّوا الرجـل الفـاسق المقترف للكبائر والتارك للواجبات مؤمناً كامل الإيمان، وإيمانه مثل إيمان أبي بكر وعمر رضـي الله عنـهما، وقـل مثـل ذلك فـي باقـي الفِـرَق؛ فكـلها من الغـلاة، والفـرقة الوسـط هـي أهـل السـنة والجماعة وحدها.

وليذكِّروا الناس جميعاً بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد حذّّر أشد التحذير من الغلو، فقال: «... إياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين»(1).

5 ـ أن يسعوا لإعادة الثقة بالإسلام وعظمته، وصلاحيته لكل زمـان ومكـان فـي نفـوس أبنـاء الإسـلام، وليـعرفـوا فضـله العظيم وقدره الكبير، وليعتزوا بالانتساب إليه، ويشكروا الله ـ تعالى ـ على النعمة العظمى التي حباهم بها حين يسَّر لهم وقدر أن يكونوا من أبناء هذا الدين. وتحصل هذه الثقة بمقارنة عقائد الإسلام وسهولتها وموافقتها للفطرة والعقل والعلم مع العقائد الأخرى، وكذلك تشريعاته وسبقها تشريعات الأمم الأخرى لتحقيق مصالح العباد بشكل متكامل متوازن دون التسبب في مفاسد واضطرابات واختلاطات وآثار مؤذية.

ويفيد في هذا السبيل بيان نواحي الإعجاز في القرآن، وخـاصة الإعـجاز العلمـي في نصوص الكتاب والسنة، وبيان أن ذلك ليس له تفسـير إلا بأنهـما من عنـد الله ـ تعـالى ـ العظيم الخبير، وهو مصداق لقوله ـ تعالى ـ: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْـحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53]. ولكن الحذر من الغلو في ذلك بادعاء الإعجاز في بعض النصوص بتكلف وتمحُّل ودون دلالة ظاهرة قوية، فتعود بأثر عكسي على الإسلام.

كما يفيد في تقوية إيمان الناس بربهم ـ سبحانه ـ وبعظيم قدرته، وبديع صنعه، وبالغ حكمته: الاهتمام بتوحيد الربوبية، وتوحيد الصفات؛ لكن دون إهمال لتوحيد الألوهية، وضرب الأمثلة الكثيرة من أسرار حياة مخلوقاته المختلفة، والتدليل بها على كمالاته سبحانه. وكذلك مما يفيد كثيراً في تحبيب الناس ببارئهم ـ جل وعلا ـ وإشعارهم بفضله وإحسانه، بيانُ أصناف نعمه الكثيرة الجليلة على عباده التي لا تُعدّ ولا تحصى، وبيان صفاته العُلا، وشرح أسمائه الحسنى، وخاصة رحمته الواسعة ورأفته بعباده، وستره المذنبين، وعفوه عن المخطئين، ورزقه العاصين، وإجابته دعاء الداعين، وفرحه بتوبة التائبين؛ فهذا جدير كـله بـأن يرسـخ إيمـان المؤمنـين، ويعيـد مـا فـقـد أو ضعف من ثقتهم بربهم وبدينهم، وشريعتهم، ويدفعهم لاستشعار حبه وعظمته، وفضله وإجلاله، ويقوي مراقبته، ويدفع لطاعته والتزام أحكامه.

6 ـ وعلى العلماء والدعاة أن يعملوا على تجديد الخطاب الديني الذي كانوا يوجهونه للناس، ويراعوا ما جدَّ في حياتهم وواقعهم من التيارات الفكرية والعلاقات والأخلاق والعادات في العـالم اليـوم، وهـذا ما وصّـى به سـلفنا الصـالح؛ فهذا الصحابي الجـليل عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ يقول: «ما أنت بمحدِّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»(2)، وبهذا يقول الخليفة الراشد علي ـ رضي الله عنه ـ: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّبَ الله ورسوله؟»(3)، وفي رواية: «ودَعُوا ما ينكرون». فقد صار العالم ـ اليوم ـ كما يقال شبه قرية صغيرة، واتصل بعضه ببعض، واختلطت الثقافات والعادات والأفكار، وحدث انفجار هائل في المعلومات، فكُشفت الأسرار، واشتد الصراع الفكري، وألقيت الشبهات، وكثرت المناظرات، وأحدث هذا كله هزة عنيفة وفوضى في الأفكار. فعلينا مجابهة هذه المستجدات كلها بنشر العلم الصحيح والوعي الرشيد في الأمة، وتزويدها بالحجج الدافعة، والبراهين الساطعة والحِكَم البالغة، التي تحمي عقيـدتها مـن الشـكوك والشـبهات. وغـالب من ضل وتأثر بالفرق المنحرفة إنما كان ذلك لنقص العلم وفراغ القلب، كما قال الشاعر:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

فصادف قلباً خالياً فتمكنا

ثم لم يعد الحصول على المعلومات هو المشكلة؛ فقد بُذِلت للجميع بأيسر سبيل، ولكن المشكلة هي تعليم الناس المنهج العلمي لمعرفة الحقائق، وتعريفهم بطرائق الاستدلال التي بواسطتها يستطيعون تمييز الحق من الباطل، وكشف الزيف والمغالطات والخلل في الكلام؛ فما أكثر ما يستدل الشانئون للإسلام وأهله بما ليس له وزن في ميزان الحقيقة؛ فقد يستدلون بآية كريمة؛ وتكون لدى التأمل والدراسة لا تدل على المعنى الذي يريدون، وقد يستدلون بحديث نبوي، وعند البحث والفحص، يتبين أنه مكذوب أو ضعيف أو ليس له أصل، وربما يستدلون برؤيا منام، أو بعادة متبعة، أو رأي شاذ اشتهر وليس له مستند، وقد يدَّعون الإجماع، ويكون هذا الادعاء باطلاً، وقد يستعملون القياس، وما أكثر ما يكون القياس فاسداً...؛ فالدليل الصحيح في الأمور الشرعية إنما هو كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ليس غير، على أن يُفهَما على ضوء فهم السلف الصالح دون غيرهم.

كما أن على العلماء والدعاة أن يعلِّموا الناس أصول الدين وطريقة التفكير السديد، ولا يهتموا بالتلقين والتقليد، وعليهم أن يُرفقوا المعلومات بأدلتها، عملاً بقوله ـ تعالى ـ: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْـمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

وعليــهم أيضـاً أن يوجـهوا الناس إذا أشكل عليهم أمـر، أو لم يجـدوا لشـبهة جـواباً أن يسـألوا أهـل العـلم عمـلاً بقـولـه ـ سبحانه ـ: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7]، وعليهم كذلك أن يحذروا مَنْ ليس أهلاً للمناقشة والمناظرة ألا يشارك فيها حتى لا يستغل الخصوم ضعفه وإخـفاقه فـي نـشر باطلهم؛ فالمناظرات فهم وعلم لا يصلح له إلا القليل، وعلى المناظر أن يهتم بالأمور المهمة، وأن يكون يقظاً فلا يُستدرَج للخوض في الجزئيات قبل الاتفاق على الكليات، ولا يدع الخصم يفرّ من الهزيمة باستطراد أو حيدة أو أساليب ماكرة، بل عليه إعادته للموضوع كلما حاول الابتعاد عنه، كما أن عليه في البدء تحديد نقطة الخلاف حتى تكون واضحة للجميع، وهكذا.

7 ـ وعلى العلماء والدعاة أن ينفتحوا للناس وخاصة الشباب، ويشجعوهم على البوح بما في أنفسهم، والإفضاء بكل ما لديهم، ويتلطفوا معهم، ولا يثوروا ولا يتأففوا مهما سمعوا منهم من آراء شاذة، وأفكار باطلة، بل عليهم أن يعالجوا الأمر بالحكمة والحسنى، وأن يذكروا ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من سعة الصدر والأسلوب الحسن في مثل هذه المواقف؛ فكلنا يذكر موقفه -صلى الله عليه وسلم- مع الأعرابي الذي بال في المسجد النبوي، ومـوقـفه من الشـاب الذي جاءه وقال له: يا رسول الله! ائذن لي في الزنـا...، فموقفه مع معاوية بن الحكم السلمي الذي تكلم فـي الصـلاة، وغـيرهم كثير، فلنا فيه -صلى الله عليه وسلم- قدوة حسنة، وهدي رشيد.

ولعل الكثير ممن انحرفوا إلى جماعات التكفير والتفجير، وأجرموا وأفسدوا في الأرض هم في نفوسهم مخلصون متحمسون لدينهم، ولكنهم فقدوا المرشد الرفيق، والهادي الأمين، فتلقفهم أحد عناصر الضلال، وخدعهم بأساليب ماكرة، وزين لهم القبيح، وأثار فيهم العواطف الجياشة تجاه ما يجري للمسلمين في كل مكان من الحرب والتسلط والمؤامرات وكيد الأعداء، وصور لهم أن طريق الخلاص إنما هو بالجهاد، وأن الخروج على الحكام هو جهاد يوصل إلى الجنان، واستغل سذاجتهم وبساطتهم وعدم تمكنهم من العلم الشرعي الصحيح، ومن تقدير الواقع الراهن والمصالح والمفاسد، فساقهم إلى هذه الجرائم والمنكرات.

8 ـ وعلـى العلماء والدعاة أن يلتزموا بما أمر الله ـ عز وجل ـ به من العدل والإنصاف مع المخالف، كما قال الله ـ عز وجل ـ في وصيته للمؤمنين: {وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام: 152]، وقوله: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، فعليهم أن يقروا بما لدى الفرق الضالة من الصواب، ويبينوا ما لديهم من الخطأ، ولا يظلموهم أو يفتروا عليهم، أو ينسبوا إليهم ما ليس بصحيح، كما أن عليهم التثبت في الأخبار وعدم التعجل في الأحكام، وسيكسبهم هذا ثقة الناس، فيرجعون إليهم ويسترشدون بآرائهم، وبمثل هذا كان للعلماء الربانيين المنزلة الرفيعة لدى الأمة، ولأقوالهم الوزن والثقة والاتِّباع، وهذه الصفة مما اختص به أهل السنة وحدهم دون غيرهم من أهل الأهواء والبدع. قال الإمام وكيع بن الجراح ـ رحمه الله ـ: (أهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم، وأما أهل الأهواء فـلا يذكـرون إلا مـا لـهم)، ولشـيخ الإسـلام ابـن تيـمـية ـ رحمه الله ـ كلام طويل جميل نحو ذلك.

9 ـ وأخيراً على العلماء والدعاة أن يكونوا قدوة حسنة للناس في سلوكهم وفي عبادتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم، فيرى الناس فيهم هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- والسلف الصالح، من التقوى والتواضع واللطف والرفق والإحسان، والعدل والإنصاف، ويسمعوا منهم الرأي السديد، والتوجيه الرشيد، الممتلئ بالمحبة والإشفاق والرحمة، فينصحون ولا يفضحون، ويشهدون بالحق، ويحكمون بالعدل، وينقدون النقد البنّاء، ويحذِّرون تحذير الوامق(1) المشفق لا الشامت الشانئ، ولا العدو الكاشح، ويكونون أرحم الناس بالخلْق وأعرفهم بالحق؛ وعند ذلك سيكونون قادة الأمة الحقيقيين الذين يُسْمَع كلامهم، ويحترمهم الجميع حتى الحكام، فيقدّرونهم ويشاورونهم ويأخذون بنصائحهم.

هذا؛ والبحث واسع وذو شجون، ولكن فيما ذُكر غُنية عما لم يُذكر، وفي الإشارة ما يغني عن العبارة، وصلى الله وسلم على محمد وآله.


المصدر: مجلة البـيان- العدد 221- محرم 1427هـ
  رد مع اقتباس
قديم 17-Sep-2007, 07:03 PM   رقم المشاركة : ( 7 )
عضو فخري


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12781
تـاريخ التسجيـل : Mar 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 827 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : المجرب is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

المجرب غير متواجد حالياً

أحسنت سيدي الكريم .

نسأل الله أن يتوفانا على منهج أهل السنة والجماعة ( هو ما كنتُ عليه أنا وأصحابي ) حديث
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
اصول الدعوة السلفية أبو الحارث الليبي قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي 3 13-Dec-2010 02:38 AM
هذه هى السلفية فاعرفوها عابر السبيل قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي 0 14-Oct-2010 03:44 PM
المتوارون خلف رداء السلفية فاديا قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي 8 07-Jul-2010 02:07 AM
"لا يمسه إلا المطهرون" أبو الحارث الليبي قسم قرآني وصلاتي نجاتي 16 22-Mar-2010 10:41 AM
هذه هلى السلفية الحقة فاعرفوها سلفية ليبيا قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي 10 07-Dec-2009 11:38 AM


الساعة الآن 12:50 AM.


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
سبحان الله وبحمده :: سبحـان الله العظيم

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42