فهذا لو قدَّر أن جيع الناس ظهر منهم الأمر بقتله، فكيف وجمهورهم أنكروا قتله، ودافع عنه من دافع في بيته، كالحسن بن عليّ وعبد الله بن الزبير وغيرهما؟
وأيضاً فإجماع الناس على بيعة أبي بكر أعظم من إجماعهم على بيعة عليّ وعلى قتل عثمان وعلى غير ذلك، فإنه لم يتخلف عنها إلا نفر يسير كسعد بن عبادة، وسعد قد عُلِمَ سبب تخلفه، والله يغفر له ويرضى عنه. وكان رجلاً صالحاً من السابقين الأولين من الأنصار من أهل الجنة، كما قالت عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك لما أخذ يدافع عن عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين، قالت: "وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحميَّة".
وقد قلنا غير مرة: إن الرجل الصالح المشهود له بالجنة قد يكون له سيئات يتوب منها، أو تمحوها حسناته، أو تُكَفَّر عنه بالمصائب، أو بغير ذلك، فإن المؤمن إذا أذنب كان لدفع عقوبة النار عنه عشرة أسباب: ثلاثة منه، وثلاثة من الناس، وأربعة يبتديها الله: التوبة، والاستغفار، والحسنات الماحية، ودعاء المؤمنين له، وإهداؤهم العمل الصالح له، وشفاعة نبينا صلّى الله عليه وسلّم، والمصائب المُكَفِّرة في الدنيا، وفي البرزخ، وفي عرصات القيامة، ومغفرة الله له بفضل رحمته.
والمقصود هنا أن هذا الإجماع ظاهر معلوم، فكيف يدَّعى الإجماع على مثل قتل عثمان من ينكر مثل هذا الإجماع؟ بل من المعلوم أن الذين تخلَّفوا عن القتال مع عليّ من المسلمين أضعاف الذين أجمعوا على قتل عثمان، فإن الناس كانوا في زمن عليّ ثلاثة أصناف: صنف قاتلوا معه، وصنف قاتلوه، وصنف لا قاتلوه ولا قاتلوا معه. وأكثر السابقين الأوَّلين كانوا من هذا الصنف، ولو لم يكن تخلَّف عنه إلا من قاتل مع معاوية رضي الله عنه، فإن معاوية ومَن معه لم يبايعوه، وهم أضعاف الذين قتلوا عثمان أضعافاً مضاعفة، والذين أنكروا قتل عثمان أضعاف الذين قاتلوا مع عليّ، فإن كان قول القائل: إن الناس أجمعوا على قتال عليّ باطلاً، فقوله: إنهم أجمعوا على قتل عثمان أبطل وأبطل.
|