وقفزوا إلى فتاوى مشبوهِين، مَن حسَّنَ ظنَّه فيهم لن يزيد على وصفهم بطلبة العلم {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}؟! [البقرة 61].
وهل من العقل في شيء أن يُعرضَ طالبُ الحقِّ عن الأكابر ليُقبِلَ على الأصاغر، ولا سيما في مثل هذا الباب العظيم؟ ولكن الأمر وقع كما أخبر رسولُ الله ، حيث قال: (( إنَّ مِن أشراط الساعة أن يُلتَمسَ العلمُ عند الأصاغر ))( ).
ولِي على كلٍّ من المذكورَيْن ردٌّ مستقلٌّ، يسَّر الله تبييضَهما.
إنَّ استقلالَ الشبابِ عن علمائِه هو أوَّلُ شارةٍ للبدعةِ، فإذا تبِعَ ذلك الطعنُ عليهم أو تكفيرُهم أو تصوُّرُ نفسِه قادراً على ما عجزوا عنه، أو واصلاً إلى ما انقطعوا دونه فقد تمَّت خسارتُه.
قال ابن ناصر الدِّين الدِّمشقي ـ رحمه الله ـ: (( لُحومُ العلماءِ مسمومَةٌ، وعادةُ الله في هَتْكِ أعراضِ مُنتقِصيهم معلومةٌ، ومَن وَقَعَ فيهم بالثَّلْبِ، ابتلاه اللهُ قبلَ موتِه بموتِ القلبِ ))( ).
وكون الشباب يرغبونَ في الخروجِ عن فتاوى أهل العلم الذين لا يُشاركونهم الرأيَ في مصادمةِ الحُكَّام سنَّة قديمة للخوارج؛ فقد روى سليمان بن علي الرَّبعي قال: (( لَمَّا كانت الفتنةُ فتنة ابن الأشعث، إذ قاتَل الحجَّاجَ بنَ يوسفَ، انطلق عقبةُ بن عبد الغافر وأبو الجَوزاء وعبد الله بنُ غالب في نَفَرٍ من نظرائهم، فدخلوا على الـحسن ـ أي البصري ـ فقالوا: يا أبا سعيد! ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدمَ الحرامَ، وأخَذَ المالَ الحرامَ، وتركَ الصلاة، وفعل، وفعل ...؟ قال: وذكروا مِن فعل الحجَّاجِ ...( )، قال: فقال الحسن: أَرَى أن لا تُقاتلوه؛ فإنَّها إن تكن عقوبةً من الله فما أنتم برادِّي عقوبةِ الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكمَ الله، وهو خيرُ الحاكمين( ).
قال: فخرجوا مِن عنده وهم يقولون: نُطيع هذا العِلْجَ( )؟!
قال: وهم قومٌ عربٌ! قال: وخرجوا مع ابن الأشعث، قال: فقُتلوا جميعاً! ))( ).
هذا، ولَمَّا كانت فتاوى هؤلاء الأفاضل مرتَجَلةً على غير ميعادٍ، فقد خرَّجتُ ما يحتاج إلى تخريجٍ، مع تعليق وجيزٍ بنقل كلماتٍ لبعض أهلِ العلمِ، ووثَّقتُ أقوالَهم بنسبتِها إلى مصادرها، واللهَ المسؤولَ أن يرزقنا الإخلاصَ له وحده، والمتابعةَ لنبيِّه ، وأن يتقبَّل منَّا، وأن يعصمَ بلدَنا خاصَّة من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وسائر بلاد المسلمين، إنَّه سميع الدعاء.
وكتب: عبد المالك بن أحمد رمضاني
المدينة النبوية
في 7 من ذي القعدة 1419 هـ
|