الولاة) وقال:
(( لقيتُ أكثرَ من ألف رجل من أهل العلم: أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشام، ومصر، لقيتُهم كرَّاتٍ، قرناً بعد قرن، ثمَّ قرناً بعد قرن (أي طبقة بعد طبقة)، أدركتُهم وهم متوافروان منذ أكثر من ستٍّ وأربعين سنة، أهل الشام ومصر والجزيرة مرَّتين، والبصرة أربع مرَّات في سنين ذوي عدد، بالحجاز ستة أعوام، ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفةَ وبغداد مع محدِّثي أهل خراسان منهم ... ))، وسمَّى عدداً من أهل العلم، ثمَّ قال: (( واكتفينا بتسمية هؤلاء كي يكون مختصراً، وأن لا يطول ذلك، فما رأيتُ واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء ))( ).
قلت: تأمَّل هذا، وأدركْ نفسَك على مذهبهم قبل أن يُحال بينك وبين الحقِّ، وهل يَسْعَدُ مؤمنٌ بمفارقتهم؟!
ـ أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، فقد قرَّرَا هذه العقيدة، وقالا:
(( أدركنا العلماءَ في جميع الأمصار: حجازاً وعراقاً وشاماً ويَمَناً ... ))( ).
ـ ابن بطَّة العُكبري، فقد قال ـ رحمه الله ـ: (( ثمَّ مِن بعد ذلك الكفُّ والقعودُ في الفتنةِ، ولا تخرج بالسيف على الأئمَّة وإن ظلموا ))( ).
قاله بعد قوله: (( ونَحن الآن ذاكرون شَرْحَ السُنَّةِ ووصفَها، وما
هي في نفسِها، وما الذي إذا تَمسَّك به العبدُ ودان اللهَ به سُمِّي بها
واستحقَّ الدخولَ في جُملة أهلِها، وما إن خالفه أو شيئاً منه دخل
في جُملةِ ما عِبناه وذكرناه، وحذَّر منه من أهل البدع والزَيغ( )، مِمَّا أجْمَعَ( ) على شرحنا له أهلُ الإسلام وسائرُ الأمَّةِ، مُذْ بعثَ اللهُ نبيَّه إلى وقتنا هذا ))( ).
ـ المُزني صاحبُ الشافعي، قال رحمه الله: (( وتركُ الخروج عند تعَدِّيهم وجَوْرِهم، والتوبة إلى الله عزَّ وجلَّ كيما يَعطفَ بهم على رعيَّتِهم ))( ).
ثم ذكر إجماعَ الأئمَّة على هذا فقال: (( هذه مقالاتٌ وأفعالٌ اجتمعَ عليها الماضون الأوَّلون من أئمَّةِ الهُدى، وبتوفيق الله اعتصمَ بها التَّابعون قدوةً ورِضًى، وجانبوا التَّكَلُّفَ فيما كُفُوا، فسُدِّدوا بعون الله ووُفِّقوا، ولم يرغبوا عن الاتِّباع فيُقصِّروا، ولم يُجاوزوه تَزَيُّداً فيَعتَدوا، فنحن بالله واثقون، وعليه متوَكِّلون، وإليه في اتِّباع آثارهِم راغبون ))( ).
ـ النووي، فقد قال رحمه الله: (( وأمَّا الخروج عليهم وقتالُهم: فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقةً ظالمين؛ وقد تظاهرت الأحاديثُ بمعنى ما ذكرتُه، وأجمع أهلُ السنَّة أنَّه لا ينعزلُ السلطان بالفسق ))( ).
ـ الطيبِي (743هـ) قال: (( وأمَّا الخروجُ عليهم وتنازعهم (هكذا) فمُحرَّمٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسَقَةً ظالِمين، وأجمع أهلُ السُنَّة على أنَّ السلطانَ لا ينعَزِلُ بالفسقِ؛ لتهيج الفتن في عزلِه، وإراقة الدِّماء، وتفرُّق ذات البَيْن، فتكون المفسدةُ في عزلِه أكثر منها في بقائه ))( ).
ـ محمد بن أحمد بن مُجاهد البصري الطائي، وهو شيخ الباقلاني، نقله عنه ابنُ حزم( ).
ـ ابن المنذر، فقد قال ـ رحمه الله ـ: (( كلُّ مَن يُحفظ عنه من علماء الحديث كالمُجمِعين على استثناءِ السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جَوْرِه وترك القيام عليه ))( )، يريدُ تركَ الإنكارِ عليه باليد.
وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ المقام لا تتَّسع له هذه المقدَّمة، وإنَّما ذكرتُ مِن عيون هذه المسألة ما فيه بلاغٌ لِمَن أراد أن يَعرِف الحقَّ ويلتزمَ به.
فالْزَم غرزَ هؤلاء؛ فَهُمُ القومُ لا يشقى بهم جليسُهم، ودَعْكَ من إرجاف عُشَّاق الثورات، مهما انتسبوا زوراً إلى (أهل السنة والجماعة!)، ومهما تظاهروا بالغيرة على تحكيم الشريعة، فهذا حُكم الشريعة لو كانوا وَقَّافين عند حدودِها!
الثانية:
وليُعلَم أنَّ هؤلاء الذين خرجوا على الدولة الجزائريةِ لا يُؤيِّدهم العلماءُ الربَّانيُّون، كالذين تقرأ فتواهم الموحَّدة هنا( ).
وإنَّما هم شبابٌ استخفَّتهم الحماسةُ، وقادهم سفهاءُ الناس إلى الولوغِ في التكفيرِ والدِّماءِ، بلا ورعٍ يردعُهم، ولا علمٍ يردُّهم.
ثمَّ لَمَّا وصل بهم الأمرُ إلى حدٍّ آيسهم فيه الشيطان من العافية، أخذوا يبحثون عن أسـماء لـمشايخ ـ ولو كانوا مغمورين ـ يؤيِّدون بها بدعتَهم، ويخدعون بها شببتهم.
وعُربون الفتنةِ يتمثَّلُ في التفلِّتِ من فتاوى العلماء، حتَّى يتجرَّأ على الفتيا ـ ولو في الدِّماء ـ الرُويبِضةُ وشرارُ الخلقِ الأشقياء، الذين يجتهدون في الحيلولةِ بين العامة وعلمائهم، بمثل قولهم في هؤلاء: (علماء السُّلطة)!
أو في آخرين: (لا يعرفون واقعنا)!
ويكذبون على آخرين أيضاً بقولهم: (هم معنا، إلاَّ أنَّهم لا يستطيعون أن يُصرِّحوا)! في سلسلة من التخرُّصات التي لا نهاية لَها.
حتى يشتَطَّ بعضُهم في الأمر، فيقول: (بل هؤلاء العلماء كفَّار؛ لأنَّهم موالون للطاغوت)!!
وأنا داعٍ كلَّ مَن حملَ السلاحَ في وجهِ حكومته أن يكون ناصحاً لنفسه، مختاراً لها ما لا يَشُكُّ أنَّه محلُّ رضا ربِّه، وأن يتأمَّل حالَه هذه، مع فتاوى أهلِ العلمِ، ليحشرَ نفسَه في زُمرة أهلِ العلمِ بعد أن يتوبَ إلى الله، أو يحشرَها في زُمرةِ سفلةِ قومِه، الذين غرَّهم الشيطانُ حتى فرِحوا بما عندهم من العلم، وأُعجِبوا بآرائهم، وأساؤوا الظنَّ بعُلمائهم!
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( لا يزال الناسُ صالِحِين متماسكين ما أتاهم العلمُ من أصحابِ محمَّدٍ ومِن أكابرهم، فإذا أتاهم من أصاغرهم هلَكوا ))( ).
وقد تتبَّعتُ تاريخَ أهلِ البِدعِ، فما وَجدتُ بدعةً اجتمع عليها رهطٌ من الناس إلاَّ ورأسُها جاهلٌ متضايِقٌ من العلماءِ، بُدُوُّ ضلالتِه: انحيازه بجماعته دونهم.
فاقرأ إن شئتَ عن مبلغِ علمِ المصريِّين الذين خرجوا على عثمان بن عفَّان رضي الله عنه.
واقرأ عن علمِ الذين خرجوا على عليٍّ رضي الله عنه، واعتزلوا علماءَ زمانِهم: الصحابةَ رضي الله عنهم، حتى قالوا لابن عباس رضي الله عنهما حين ذهب ينصح لهم: ما جاء بك؟ قال: (( جئتُكم من عند أصحاب رسول الله ، وليس فيكم منهم أحدٌ، ومِن عند ابن عمِّ رسول الله وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله ))( ).
والجهميَّةُ أيضاً على رأسهم جهم بن صفوان، ففي التوحيد لابن خزيمة والأسماء والصفات للبيهقي أنَّ جهماً لم يكن له علمٌ ولا مجالسة أهل العلم، وإنَّما هو رجلٌ أوتي فصاحة دون فقهٍ( ).
ثمَّ المعتزلة الذين كان بُدُوُّ أمرهم اعتزال رأسهم وهو واصل بن عطاء حلقةَ الحسن البصري، وهكذا ...
ثمَّ أيُّها القارئ، ارجع البصرَ إلى هؤلاء الذين في الجبال اليوم، فلن تَجِدَ إلاَّ جاهلاً يقودُ جاهلاً، ولو كان فيهم مَن عُرفَ بمجالسته لبعض العلماء بُرهةً من حياته، فهو لهم الآن عاقٌّ!
وذاك الذي ابتُلي بفكرهم فليسأل نـفـسَه ـ ويا ليته سألـها قبل الآن ـ: مَن هم العلماء الكبار الذين يُؤيِّدونهم؟ ولو كان صدقاً ما يُقال: بأنَّ فلاناً أفتاهم بذلك، فلماذا لا يوجد في صفوفهم؟ ولماذا لم تُدَوَّن فتاواهم أو تُسمع على الأقلِّ؟( ).
أمَّا أن يتعلَّق بعضُهم بفتوى عدنان عرعور أو أبي قتادة الفلسطيني ومَن على شاكلتهما، فهو دليلُ الإفلاسِ؛ لأنَّهم ـ من سوء التوفيق ـ لَم تنشرح صدورُهم لإجماع أكابر العلماء
|