فقال: أقتَلتَه بعد ما قال لا إله إلاَّ الله؟!
فما زال يُكرِّرُها حتَّى تمَنَّيتُ أنِّي لم أَكن أسْلمتُ قَبل ذلك اليوم!! ))( ).
فتأمَّل:
1 ـ فإنَّ النبيَّ لَم يمنعه كونُ القاتل هو حِبَّه أسامة من تعنيفه، وتعظيم الجناية في عينيه، خلافاً للمستخفِّين بدماء المسلمين، مع أنَّ أسامةَ رضي الله عنه كان متأوِّلاً قاصداً نصرةَ الدِّين، مقاتِلاً لرجلٍ من المشركين، لم ينطق بكلمة (لا إله إلاَّ الله) إلاَّ تحت بارقة السيف.
كلُّ القرائن توحي بأنَّه لم يُرِد بكلمة التوحيد إلاَّ حقن دمه، لا سيما وأنَّه مشركٌ من أصله، مع ذلك حرَّم رسول الله قتْلَه، بل عنَّف حِبَّه
هذا التعنيفَ الذي لم يُعهَد مثلُه عنه ، حتى تمنَّى أسامةُ أنَّه لم يعرِف الإسلامَ قبل هذه الحادثة، فأين هم الذين يَعرِفون لكلمة (لا إله إلاَّ الله) حُرمتَها؟!
وعلى هذا، فمَن كان متأسِّياً برسول الله فلا يُجامِلنَّ هذه الجماعات المقاتِلة كما لَم يُجامِل رسولُ الله حِبَّه أسامة رضي الله عنه.
2 ـ إنَّ الرجلَ المشركَ لم يكن مسالِماً، ولكنَّه جاء مقاتلاً، بل قتل من المسلمين عدداً، بل كاد لا يَسْلَم منه أحدٌ، كما قال جندب بن عبد الله رضي الله عنه: (( ... فكان رجلٌ من المشركين إذا شاء أن يَقصِد إلى رجلٍ من المسلمين قَصَد له فقتله ... ))( ).
وبعد أن ذكر قَتْلَ أسامة له، قال له رسول الله : (( لِمَ قتَلتَه؟
فقال: يا رسول الله! أَوْجَعَ في المسلمين، وقتل فلاناً وفلاناً، وسمَّى نَفَراً، وإنِّي حملتُ عليه، فلمَّا رأى السيفَ قال: لا إله إلاَّ الله!
قال رسول الله : أقَتَلتَه؟
قال: نعم!
قال: فكيف تصنع بـ (لا إله إلاَّ الله) إذا جاءت يوم القيامة؟!
قال: يا رسول الله! استَغفِرْ لي.
قال: وكيف تصنع بـ (لا إله إلاَّ الله) إذا جاءت يوم القيامة؟! فجعل لا يزيد على أن يقول: كيف تصنع بـ (لا إله إلاَّ الله) إذا جاءت يوم القيامة؟! ))( ).
هذا في حقِّ مشرك آذى المسلمين بسيفه وقاتَلَهم، فكيف بقَتل مسلمٍ قد يكون مصليًّا مزكيًّا صوَّاماً، كلُّ ذنبه أنَّه شرطيٌّ أو عسكريٌّ؟!
فلا إله إلاَّ الله ما أشدَّ قسوة القلوب!
قال عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: (( إنَّ من وَرْطات الأمور التي لا مَخرَج لِمَن أوقع نفسَه فيها سفكَ الدَّم الحرام بغيرِ
حلِّه ))( ).
فكيف ـ مع هذا كلِّه ـ يدَّعي مستحلُّو دماء الشرطة أنَّ قتالَهم نظيفٌ، ثم هم يعيشون بالأموال المسروقة والمغتصَبة من أهلها عنوةً، ويُزهقون أرواحَ العساكر المسلمين ويَذَرونهم يتشحَّطون في دمائهم وأهلوهم ينظرون؟!
ونحن إذ لا نتبرَّأ من (السلفية)؛ لأنَّها الدينُ الحقُّ، فإنَّنا نبرأ إلى الله من (الجماعة السلفية للدعوة والقتال) ومن كلِّ حامل سلاحٍ اليومَ في بلادنا ضدَّ النظام أوالشعب.
أقول هذا ليَعلَم الخَلْقُ أنَّ في انتساب هؤلاء الثُوار إلى السلفية تشويهاً للسلفية، كما أنَّ انتساب المسلمين المنحرفين إلى الإسلام تشويه للإسلام، وصدٌّ عن سبيل الله، وتنفيرٌ من الفرقة الناجية.
لكن السلفية هي السلفية، كما أنَّ الإسلام هو الإسلام، وإن تلبَّس به مُحرِّفُه.
3 ـ إنَّ أسامةَ بنَ زيد رضي الله عنهما وقع فيما وقع فيه، ولم يَسبق له أن عرف حُكمَ ما وقع فيه، ولا كان لديه واقعةٌ تُشبهها فيقيس عليها حالتَه، فكان لا بدَّ من اجتهاده، وكان لا بدَّ من وقوع أحد الأمرين: إمَّا قتلُ الرجل أو تَرْكُه.
إذن فالفُرَصُ التي لديه محدودةٌ جدًّا، ولا سيما وهو في معركة، وقد وجد بين يديه مشركاً شجاعاً ومقاتلاً قويًّا، لم يقدر عليه غيرُه.
كلُّ هذه القرائن لم تَشفع له عند رسول الله ، حتى قال فيه ما قال!
فتأمَّل هذا ـ رحمك الله ـ متجرِّداً عن الهوى، ومتدثِّراً بلباس التقوى.
واعلم أنَّ هذا التصرُّفَ من رسول الله هو سيرتُه في الدِّماء، فلم يكن يتساهل في هذا الباب أبداً، ومثله ما رواه جابر رضي الله عنه قال: (( خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منَّا حجرٌ، فشجَّه في رأسِه، ثم احتلم (أي أصابته جنابةٌ وهو نائم)، فسأل أصحابَه، فقال: هل تجدون لي رخصةً في التيمُّم؟
قالوا: ما نجدُ لك رخصةً، وأنتَ تقدر على الماء!
فاغتسل فمات، فلمَّا قدمنا على النبيِّ أُخبِر بذلك، فقال:
قتلوه قتَلَهم الله! ألاَ سألوا إذ لَم يعلموا؟! فإنَّما شفاءُ العَيِّ (أي الجهل) السؤال ))( ).
فتأمَّل غضبَ النبيِّ في حقِّ نفسٍ مؤمنةٍ واحدة!
فكيف بِمَن سطا على أنفسٍ مسلمةٍ من الجيش والشرطة آمنة في مراكزها؟!
فكيف بِمَن أعمل السيفَ والفأسَ في إزهاق أرواحٍ مسلمةٍ في رمضان وهم يُؤدُّون صلاة التراويح؟!
لقد دعا النبيُّ بهذا الدعاء الشديد على مجاهدين مجتهدين في ظنِّهم، ولقد حقَّت عليهم هذه الدعوة لولا أنَّ رسول الله قد قال: (( اللَّهمَّ إنَّما أنا بشرٌ، أغضبُ كما يغضبُ البشرُ، فأيُّما رجل من المسلمين سَببْتُه أو لَعنتُه أو جلدتُه فاجعلها له صلاةً وزكاةً وقُربةً تُقرِّبُه بها إليك يوم القيامة، واجعل ذلك كفَّارةً له إلى يوم القيامة ))، وفي رواية: (( فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليه من أمَّتي بدعوة ليس لَها بأهل ... ))، الحديث( ).
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: (( فإنَّ هؤلاء أخطأوا بغير اجتهاد؛ إذ لم يكونوا من أهل العلم ))( ).
لقد عاشت الجزائر منذ استقلالها عن العدوِّ الفرنسي الكافر أيامَ فتنةٍ في دينها ودنياها.
أمَّا الدِّين؛ فلأنَّ الاستعمارَ لَم يترك لها منه سوى رواسب الشرك، وشعائر البدع، ولولا أنَّ اللهَ سخَّر لأهلها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لَما بقي فيهم من يُفرِّق بين شرك وتوحيد، ولا بين سنة وبدعة، إلاَّ ما شاء الله.
وأمَّا الدنيا؛ فقد كان للسرقة أثرٌ مقلقٌ، حتى إنَّ الرجلَ ليتحاشى أن يَحملَ معه فضلَ مالٍ على نفقته اليومية وهو يريد امتطاء النقل الجماعي، وكان من غرائب المناظر أن ترى على المرأة حِلْيَتَها إذا خرجت من بيتها؛ خشية أن تُغتصب منها نهاراً جهاراً.
فما لبث الأمر أن تديَّن الناسُ حتى أمنوا على أموالهم، ونسوا ما كان أقلقهم من قبل.
وجاءت أيامُ رخاء وأمن وتديّن قويٍّ، حتى إنَّ الرجلَ ليَجوبُ البلادَ شرقاً وغرباً، لا يخاف على نفسه إلاَّ الذئب، بل لا يُفكِّر أين يأويه المبيت؛ لأنَّ الشعبَ الجزائريَّ شعبٌ اجتماعيٌّ متكافلٌ.
ومرَّ به زمنٌ لا تكاد تصادف فيه فقيراً يتسوَّل.
أمَّا عن الدِّين فقد انتشر فيها ـ قبل هذه الفتنة ـ التوحيدُ والسنة، وانحسر نشاط طرائق الشرك والبدعة انحساراً شديداً، ورجعت المرأة إلى خِدْرِها، ووجدت شرفَها في سترها، وتُركت الخمور في كثير من الأحياء، وازدحمت المساجدُ بأهلها، ودخل الدِّينُ كلَّ بيتٍ، وعضَّ العدوُّ الأناملَ من الغيظ.
ثمَّ انتبه هذا، فاستفزَّ من الشعب أصلبه عوداً، وأشده جموداً، وأوقد نار الفتنة بينهم وبين دولتهم، فتقلَّص ظلُّ الدعوة النبوية،
|