حل السحر عن المسحور يأتي على جهتين :
الأولى : أن يكون بمباح شرعاً ، كاستخراجٍ له بعد علم بمكانه ، أو رقية من راق ، أو نحو ذلك ، فهذا لا شِيَةَ على صاحبها ومباح بالإجماع ، قال الحافظ ابن حجر – يرحمه الله – كما في » فتح الباري « (( وقد سُحر النبي صلى الله عليه وسلم وفُك عنه سحره وَرَقَى ورُقِي صلى الله عليه وسلم )) أ. هـ .
§ الثانية : أن يكون بسحر آخر ؛ لإبطال السحر الأول الذي وقع فيه امرؤٌ ، فهذا وقع فيه الخلاف بين السلف والخلف ، وقد حكاه عن السلف جماعة ، ومن أولئك : ابن بطال المالكي – يرحمه الله – كما في : » شرحه على البخاري « ( 9/445 ) حيث قال فيه : " واختلف السلف هل يُسأل الساحر عن حل السحر عن المسحور " ، وذكر القولين في المسألة ، واشتهار حكاية الخلاف بَيِّنَةٌ ، وقد توارد الأئمة على ذكرها ، ومن مشاهير أولئك : الحافظ ابن حجر – يرحمه الله – كما في : » فتح الباري « وبدر الدين العيني – يرحمه الله – كما في : » عمدة القارئ « والموافق ابن قدامة – يرحمه الله – كما في : » المغني «في آخرين .
والقول الأول المشتهر : عدم جواز ذلك ، وأنه محرم ؛ وأدلته معروفة ، ومن ذلك : العمومات الواردة في النهي عن الذهاب إلى السَحَرِة والعرافين ، ومن ذلك : ما خرجه الإمام أحمد في : » مسنده « وفيه ابن عياش ، وفيه مقال كما قاله الأئمة ومنهم الحافظ بن حجر – يرحمه الله – وفيه يقول المصطفى r : (( تداووا عباد الله، ولا تداوو بحرام )) ، ومن ذلك نهي النبي r عن الذهاب إلى الساحر كما في الحديث المشهور ، وفيه : (( من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة )) خرجه مسلم ، والساحر داخل في جنس ذلك – كذا قالوا – .
.................................................. ....
وأما القول الثاني : فذهب إليه جمهور الفقهاء ، وهو مذهب الإمام البخاري ، وجزم به جماعة ، وعلقه البخاري – يرحمه الله – في : » صحيحه« عن سعيد بن المُسَيِّب أنه : جوزه ، وقال به ، ووصله الطبري في : » تهذيب الآثار « ، قال الحافظ ابن حجر في : » تعليق التعليق « : " وسنده صحيح " ، وبه جزم جماعات ، وهو مشهور مذهب الشافعية ، كما في : » شرح المنهاج « للشمس الرملي وغيره .
وهو مشهور مذهب الحنابلة ، ولكن بقيد : الحاجة ، والاضطرار إلى ذلك ، وليس المقصود بالاضطرار : الضرورة التي توجب جواز أكل الميتة ؛ وإنما الحاجة التي تظهر فيها المشقة ، كذا شرحوه ، قرره عن الحنابلة جماعة ، ومن أولئك : الحجاوي – يرحمه الله – في كتابه » الإقناع « ( 4/301 ) ، وقرره ابن النجار في : » المنتهى « ( 5/175 ) ، وبهذا جزم جماعة من الأئمة ، ومن أولئك : الإمام ابن جرير الطبري – يرحمه الله – ، وذكر أن هذا من النفع ، والذي نُهي عنه ضَرَرُ السحر ، لا الانتفاع به هنا ، ذكره عنه جماعة ، ومن أولئك : ابن بطال كما في : » شرحه على البخاري « ( 9/445 ) .
يقول الحافظ ابن حجر t كما في : » فتح الباري « ( 1/244 ) : " وهذا هو المعتمد ( أي : جواز حل السحر بالذهاب إلى ساحر ) قال : وهذا هو المعتمد ، ويُجاب عن الحديث والأثر ، ( أي : الذي فيه نهي ) ، " بأن قوله r : (( النشرة من عمل الشيطان )) إشارة إلى أصلها ، ( أي أصل النشرة من عمل الشيطان ؛ ولكن هنا لا ليس كذلك ) ، إشارة إلى أصلها ويختلف الحكم بالقصد ، ( أي : إذا قصد الإضرار بالذهاب إلى الساحر حَرُمَ ، وإذا قصد الانتفاع بالذهاب إلى الساحر جاز ) قال : ويختلف الحكم بالقصد ، فمن قصد به خيراً كان خيراً ، وإلا فهو شر أ. هـــ .
وقال ابن الجوزي – يرحمه الله – كما في : » غريب الحديث « ( 2/408 ) " . . . إطلاق السحر عن المسحور لا يكاد يقدر على ذلك إلا من يعرف السحر ، ومع هذا فلا بأس بذلك " أ. هـ .
وعليه فإن القول بما ذهب إليه الجمهور من الشافعية والحنابلة ، وهو مذهب البخاري ، واعتمده الحافظ ابن حجر وغيره . يُخَرَّّج على أنه خرج من العمومات ؛ لأجل أنه من باب طلب الانتفاع بحل مَرضٍ وعلة ، يَشُقُّ نَزْعُها عادة ، ولذلك قال ابن الجوزي : " إطلاق السحر عن المسحور لا يكاد يقدر على ذلك إلا من يعرف السحر " أ. هـ.
ولكن هاهنا شيئان :
§ الأول : أنّ الأصل في تقرير المسألة : ما سبق من : النهي عن السحر ، والذهاب إلى السحرة ، وما إليه .
§ الثاني : أن يكون ذلك الاختلاف على المحل الذي وصف آنفاً ، وهو : أن يكون في المضايق عند وجود الحرج والمشقة ، والعنت مما يسمى : بالحاجة الظاهرة ذات المشقة ، التي تقوم مقام الضرورة .
|