[عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه النبي صلى الله عليه وسلم فغضب فقال أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به ، والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني] أخرجه أحمد (14736) وحسنه الألباني في الإرواء (1589)
-تأمل –يرعاك الله- موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرغم من أن كتب أهل الكتاب لا تخلو من الحق ، بل لقد ورد الإذن في التحديث عنهم فيما لا يصدق ولا يكذب ، ومع هذا كان من رسول الله ما كان ، فما بالنا في كتب قد دس فيها السم في العسل ، ومن نظر فيما أصاب الأمة من أفكار منحرفة من تفجيرات و اغتيلات ، وبدع وخرافات ، وصوفيات وشركيات ، لعلم علم اليقين أن مذهب السلف هو السبيل الأحكم ، والطريق الأسلم، وأن جزاء مخالفته لا تأتي إلا بالشر المستطير، فكل خير في اتباع من سلف وكل الشر في اتباع من خلف.
رَوَىُ ابْنُ بَطَّةَ فِي «الإِبَانَةِ» (2/456) عَنِ الإِمَامِ الأَوْزَاعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- ؛ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّ رَجُلاً يَقُولُ : أَنَا أُجَالِسُ أَهْلَ السُّنَّةِ ، وَأُجَالِسُ أَهْلَ البِدَعِ !فقَالَ الأَوْزَاعِيُّ : «هذَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ» .وَعَلَّقَ ابْنُ بَطَّةَ علَى هذَا الأَثَرِ بِقَوْلِهِ :«صَدَقَ الأَوْزَاعِيُّ ؛ إِنَّ هذَا رَجَلٌ لاَ يَعْرِفُ الحَقَّ» .
- تأمل -رعاك الله- هذا القول تجد فيه الخير الكثير ، فأين منهج السلف وطريقتهم ممن يقول: نحن نحضر عند كل أحد ، ونقرأ لكل أحد ، نأخذ الخير وندع الشر ، ولقد روى ابن بطة عن مفضل بن مهلهل قال : ( لو أن صاحب البدعة يحدثك ببدعته لحذرته وفررت منه ، ولكنه يحدثك بالسنة في بدو مجلسه ثم يدخل عليك بدعته فلعلها تلزم قلبك فمتى تخرج منه)
قال الإمام أحمد : (َإِيَّاكُم أَنْ تَكْتُبُوا -يَعْنِي: عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ الأَهوَاءِ، قَلِيْلاً وَلاَ كَثِيْراً- عَلَيْكُمُ بِأَصْحَابِ الآثَارِ وَالسُّنَنِ.) (سير أعلام النبلاء[11/231])
سئل أبو زرعة عن المحاسبي وكتبه فقال للسائل: إياك وهذه الكتب هذه كتب بدع وضلالات عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب .قيل له: في هذه الكتب عبرة .فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه عبرة ، بلغكم أن مالكا أو الثوري أو الأوزاعي أو الأئمة صنفوا كتبا في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء ، هؤلاء قوم قد خالفوا أهل العلم ، يأتونا مرة بالمحاسبي ومرة بعبد الرحيم الديبلي ومرة بحاتم الأصم، ثم قال : ما أسرع الناس إلى البدع .(تهذيب التهذيب [2/124])
-وهذا الموقف الشديد من المحاسبي وغيره ممن اختلط في كتبهم الغث بالسمين والنهي عن كتبه و الحث على قراءة كتب أهل العلم الكبار مذهب لا يسلم سالكه في هذا الزمان من الطعن ، فيقال في كتاب قد جمع الحق والباطل : في كتابه من الخير ما فيه ، أمن أجل بعض المخالفات والتجاوزات تحذر من الكتاب كله ، وبدلا من أن ينال ذلك الناصح الشكر على التنبيه والبيان فإنه ينال القدح والطعن والهجران ، فصدق أبو زرعة إذ قال :( ما أسرع الناس إلى البدع )
وقال علي بن أبي خالد : قلت: لأحمد-يعني ابن حنبل- إن هذا الشيخ لشيخ حضر معنا هو جاري ، وقد نهيته عن رجل ويحب أن يسمع قولك فيه، حرث القصير- يعني حارثا المحاسبي -كنت رأيتني معه منذ سنين كثيرة فقلت لي: لا تجالسه ولا تكلمه، فلم أكلمه حتى الساعة ، وهذا الشيخ يجالسه فما تقول فيه: فرأيت أحمد قد احمر لونه وانتفخت أوداجه وعيناه وما رأيته هكذا قط ، ثم جعل ينتفض ويقول ذاك فعل الله به وفعل ، ليس يعرف ذاك إلا من خبره وعرفه، أويه أويه أويه ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره وعرفه ، ذاك جالسه المغازلي ويعقوب وفلان فأخرجهم إلى رأي جهم ،هلكوا بسببه، فقال له الشيخ :يا أبا عبد الله يروى الحديث ساكن خاشع من قصته ومن قصته فغضب أبو عبد الله وجعل يقول لا يغرك خشوعه ولينه ، ويقول لا تغتر بتنكيس رأسه ، فإنه رجل سوء ،ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره ،لا تكلمه ولا كرامة له ، كل من حدث بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مبتدعاً تجلس إليه؟!! لا ، ولا كرامة ، ولا نعمي عين ، وجعل يقول ذاك ذاك .(طبقات الحنابلة[1/233-234])
ومن الجدير بالذكر أن المحاسبي كان زاهدا عابدا ولقد روى الخطيب بسند صحيح أن الإمام أحمد سمع كلام المحاسبي فقال لبعض أصحابه : (ما سمعت في الحقائق مثل كلام هذا الرجل ، ولا أرى لك صحبتهم). (التهذيب [2/117]) فلم ينفعه ما عنده من خير حين اختلط علمه بما عنده من شر .
وفي مثل ذلك قصة ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية عند ذكره أخبار سنة إحدى وأربعين ومائتين
(قال: اسماعيل بن اسحاق السراج ، قال لي أحمد بن حنبل : هل تستطيع أن تريني الحارث المحاسبي إذا جاء منزلك؟ فقلت نعم. وفرحت بذلك، ثم ذهبت إلى الحارث فقلت له إني أحب أن تحضر الليلة عندي أنت وأصحابك ، فقال إنهم كثير فأحضر لهم التمر والكسب ، فلما كان بين العشاءين جاؤا ، وكان الإمام أحمد قد سبقهم ، فجلس في غرفة بحيث يراهم ويسمع كلامهم ولا يرونه ، فلما صلوا العشاء الآخرة لم يصلوا بعدها شيئا ، بل جاؤا بين يدي الحارث سكوتا مطرقي الرؤوس كأنما على رؤسهما الطير ، حتى إذا كان قريبا من نصف الليل سأله رجل مسألة فشرع الحارث يتكلم عليها وعلى ما يتعلق بها من الزهد والورع والوعظ ، فجعل هذا يبكي وهذا يئن وهذا يزعق ، قال: فصعدت إلى الإمام احمد إلى الغرفة فإذا هو يبكي حتى كاد يغشى عليه ، ثم لم يزالوا كذلك حتى الصباح ، فلما أرادوا الانصراف قلت: كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله؟ فقال: ما رأيت أحدا يتكلم في الزهد مثل هذا الرجل ، وما رأيت مثل هؤلاء ، ومع هذا فلا أرى لك أن تجتمع بهم .)
قالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْت : لأحْمَدَ اسْتَعَرْت مِنْ صَاحِبِ الْحَدِيثِ كِتَابًا ، -يَعْنِي فِيهِ أَحَادِيثُ رَدِيَّةٌ- تَرَى أَنْ أُحْرِقَهُ أَوْ أَخْرِقَهُ؟ قَالَ : نَعَمْ .([الآداب الشرعية[1/292])
-ومن تأمل قول الإمام أحمد لا يستغرب قول الشيخ ابن باز عن كتب سيد قطب لما عرض عليه طعنه في بعض الصحابة: (ينبغي أن تمزق) تجد ذلك بصوته -رحمه الله- في موضعه.
ومثل ذلك فعل الشيخ محمد بن إبراهيم في صاحب كتاب ( أبو طالب مؤمن قريش) إذ قال :
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم مدير شرطة الرياض سلمه، الله السلام عليكم ورحمه الله وبركاته .وبعد :
فبالإشارة إلى المعاملة الواردة منكم برقم 944 وتاريخ 10/11/1381 المتعلقة بمحاكمة عبد الله الخنيزي _ فانه جرى الإطلاع على المعاملة الأساسية ووجدنا بها الصك الصادر من القضاة الثلاثة المقتضي إدانته ، والمتضمن تقريرهم عليه _ يعزر بأمور أربعة :
( أولا ) : مصادرة نسخ الكتاب وإحراقها _ كما صرح العلماء بذلك في حكم كتب المبتدعة .
( ثانيا ) : تعزيز جامع الكتاب بسجنه سنه كاملة ، وضربه كل شهرين عشرين جلده في السوق مدة السنة المشار إليها بحضور مندوب من هيئة الأمر بالمعروف مع مندوب الإمارة والمحكمة .
( ثالثا ) : استتابته ؛ فإذا تاب وأعلن توبته وكتب كتابه ضد ما كتبة المذكور ونشرت في الصحف وتمت مدة سجنه خلي سبيله بعد ذلك ، ولا يطلق سراحه وان تمت مدة سجنه ما لم يقم بما ذكرنا في هذه المادة .
( رابعاً ) : فصله من عمله ، عدم توظيفه في جميع والوظائف الحكومية ، لأن هذا من التعزيز . (فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم [12/187-188])
هذا ما تيسر جمعه من الآثار، نسأل الله أن يكون فيها تعريف بموقف السلف من التحذير من الأخطاء ، ولو تضمن ذلك ذكر الأسماء ، وأنه من الغيبة براء، وتحذيرهم من مجالسة أهل البدع ، ومخالطتهم ، والأمر بهجرهم ، وهجر كتبهم ، وإن تضمنت على بعض الخير .
و الله أسأل أن يشرح قلوب إخواننا لتقبل نصيحة سلفنا الصالح ، والتي قد شوهد ما ترتب على مخالفتها من فتن وبلاء ..
و الله المستعان و عليه التكلان
|