عرض مشاركة واحدة
قديم 15-Jun-2010, 09:50 PM   رقم المشاركة : ( 14 )
عضو نشيط


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 18173
تـاريخ التسجيـل : Jan 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  United Arab Emirates
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 248 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : نورية is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

نورية غير متواجد حالياً

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة abo khalid
كيف تفهم ما في نفوس الاخرين وانت صامت!



ستعرف من خلال عينيه ما يفكر فيه حقيقة ، ولعل من أهم ما تعتمد عليه البرمجة اللغوية العصبية
ما يسمى بالنظام التمثيلي البشري ..






البرمجة اللغوية العصبية ..أو التدريب الخرافي...

نعم... لا مناص من تقرير أنه ثمة تدريب خرافي وإلا كنا مضطرين لأن نسمع من يقول بخرافة التدريب كله وتفاهته وعجزه المطلق عن تحقيق أي كسب في معركة بناء الاتجاهات الإيجابية أو إكساب المهارات الفائقة، وليس شيئًا يحمل أولئك على ذلك الاعتقاد السيئ تجاه التدريب غير المبالغة الأسطورية التي تُقترف في بعض ميادين التدريب وحقوله، ومقتضى هذا أننا أمام خرافة حتمية: إما خرافة التدريب برمته أو خرافة بعض ألوانه وبرامجه، ونحسب أننا مجمعون على صوابية الرأي الثاني والذي يجنبنا مخاطر كبيرة قد تؤدي بالتدريب وترديه صريعًا بعد انعتاق التدريب من مرحلته الطفولية في عالمنا العربي، فهل نبادر بالدفاع عما يستحق من التدريب؟



هذا الموضوع كُتب لتحقيق ذلك الغرض أو للإسهام في تحقيقه، كتبت هذا الموضوع لنقول لمن يضع الشمس في يمين المتدرب والقمر في يساره كف عن هذا الهراء، والحقول التدريبية التي أصابها هذا الداء كثيرة، من أبرزها ما يسمى بالبرمجة اللغوية العصبية (البرمجة اختصارًا) NLP. وسأقصر حديثي بل نقدي على البرمجة كرمز أو نموذج لتلك الحقول.

بدأ ارتباطي ومعرفتي بحقل البرمجة اللغوية العصبية منذ أحد عشر عامًا، حيث بدأت رحلتي معها بقراءة كتاب(1) عن البرمجة وضعه الصديق الدكتور محمد التكريتي، وبعد فراغي من الكتاب والتأمل في تقنيات البرمجة المقترحة أحسست أنها ظريفة ومفيدة، غير أنني توقعت للبرمجة ألا تعدو مجرد كونها «موضة» تدريب وتنقشع، لتجيء موضة أخرى في فضاء ثقافي «يرحب» بالأفكار ولا «يصنعها»!

ومما أزعجني في البرمجة أنها تعتمد على المنهج النفعي (سيأتي توضيح ذلك) وغيرها من الأمور. والحقيقة أنني حينذاك لم أكن على دراية بالأسس الفلسفية للبرمجة لعدم وقوفي على المصادر الأصلية لها، حيث إن البرمجة لم تكن من جملة اهتماماتي الأساسية، فذهبت بضع سنوات وأنا أحمل ذات القناعات حيال البرمجة، وكنت طيلة تلك الفترة أسرب بعض قناعاتي «المبدئية» لبعض الأصدقاء وأجد تفاوتًا في الآراء.

ثم ما لبثت البرمجة أن انتشرت بشكل لم يكن يخطر على بالي (مع أنني مصر على أنها موضة أو هكذا يجب أن تكون!)، فتنافست مراكز التدريب وكثير من المدربين المرموقين في العالم العربي على التبشير بها، وجعلت جحافل الترويج للبرمجة تقرع كل أذن وتقع على كل عين، واحتدم النقاش بين مؤيدين ومعارضين، وتوقف قوم، فلا هم من هؤلاء ولا من هؤلاء، ومع شيء من القراءة والنقاش اتضح لي معالم جديدة في البرمجة زادت من مخاوفي السابقة، فقررت أن أبدأ رحلة أخرى مع البرمجة، رحلة أكثر عمقًا تمكنني من الوقوف على جوهرها. ولقد خلصت بعد ذلك إلى كتابة بحث نقدي تضمن بعض النتائج التي رأيت أنها جديرة بالطرح والنقاش في الساحة الثقافية، علها تكون معينًا لنا على الوصول إلى الحقيقة تجاه البرمجة بكل تجرد وموضوعية. وأثبت هنا أهم ما توصلت إليه من نتائج وبشكل مكثف مع التركيز على الجوانب التي توضح خرافية التدريب التي تتسم بها البرمجة!



ماهية البرمجة

البرمجة حقل معرفي نشأ وتبلور في السبعينيات الميلادية على أيدي مجموعة من المنظرين والفلاسفة الغربيين أبرزهم على الإطلاق ريتشارد باندلر وجون قريندر(2)، وشاركهما في تأسيس وتأطير وتطوير الحقل جملة من المنظرين الآخرين أمثال روبرت ديلتس وجوديت ديلوزير(3). مع أنه يجب أن نأخذ في الاعتبار أن هذا الحقل قد تأسس على بعض الرؤى الفلسفية لمجموعة أخرى من الفلاسفة الغربيين(4). حقل البرمجة يتعاطى مع الظواهر الإنسانية من خلال ثلاثة مكونات هي: الجهاز العصبي Neuro واللغة Language والبرمجة Programming، وهذه المكونات الأساسية أعطت للحقل اسمه المعروف البرمجة اللغوية العصبية Neuro-Linguistic Programming (NLP).

يعرف ريتشارد باندلر البرمجة بقوله إن: «البرمجة اللغوية العصبية هي اتجاه (أو توجه) ومنهجية يخلفان أثرًا من جراء تطبيق بعض التقنيات». في حين يذهب روبرت ديلتس أن «البرمجة اللغوية العصبية هي كل ما يحقق النتائج».



البرمجة والفلسفة البرغماتية

يقوم هذا الحقل على ما يسمى بالمنهج النفعي «البرغماتي» Pragmatic Approach، وهو المدخل الذي يرى أن النفعية هي المعيار لتحديد المعرفة الإنسانية الصحيحة/ الدقيقة، أو التي تمتلك مقومات التفعيل في المحيط الاجتماعي. إنه منهج مشابه لما يفعله مع الآخر المشابه في الأعراض والشكوى، دون إخضاعه للتجربة بضوابطها المنهجية المحكمة. وكذلك يفعل المتخصصون في البرمجة اللغوية العصبية «أو المبرمجون- اختصارًا» إذ إنهم يطبقون كل نموذج «يعمل» دون النظر في منطلقاته الفلسفية والفكرية أو صحته بل إن منظري البرمجة يعدون هذا واحدًا من أهم مزاياها. وهنا قد يثور تساؤل جوهري بل أكثر مفادها:

- ما الخطأ في هذا المنهج النفعي الذي يتبناه حقل البرمجة؟

- وهل سلم المنهج العلمي من الأخطاء، حتى نحاكم الحقول المعرفية له ونحكمها بها؟

يمكننا تقديم الإجابة عن الشطر الثاني من السؤال- لاعتبارات منطقية- وذلك بالقول إن المنهج العلمي باعتباره فكرًا إنسانيًا لا يمكن الزعم مطلقًا بخلوه من المثالب والعيوب والصعوبات فلسفيًا ومنهجيًا وعمليًا، غير أنه أسلم المناهج الذي يمكننا من الحصول على المعارف الإنسانية واختبارها وتجريبها وإنضاجها فلسفيًا أو عمليًا أو معًا. وربما تتضح معالم هذا التميز والتفوق من خلال استعراضنا لبعض مثالب وعيوب ونتائج تبني المنهج النفعي في الحقول المعرفية، مع الأخذ في الاعتبار أن التركيز سيكون على تلك التي لها صلة أكبر وأوثق بحقل البرمجة.



يمكننا تلخيص أهم عيوب المنهج النفعي عبر النقاط التالية:

1- عدم إمكانية التحقق من نتائجه Verification باعتبار الصحة المنهجية/ الفلسفية أو التجريبية وباعتبار أثر هذه النتائج من حيث ديمومتها وطبيعتها وقوتها، وذلك لانعدام وجود معايير وطرق وخطوات منهجية وعملية للتجربة والقياس والتحقق.

2- صعوبة تحديد من يمتلك حق التصديق أو «الختم» على أنها هذه المعرفة أو تلك نافعة «معرفة تحقق النتائج وتحدث أثرًا مرغوبًا!». وتتأكد الإشكالية في هذا السبيل إذا ما روعي أن حقل البرمجة نشأ وطور على أيدي مجموعة من المنظرين الغربيين الذين يمتلكون خصائص فلسفية ومعرفية ونفسية وكارزمية مميزة. وفي هذا السياق يحق للناقد أن يتساءل:

- هل هذه الخصائص لهؤلاء المنظرين معيارية؟

- هل يجب توافرها في كل من يروم تنظيرًا وإسهامًا في البرمجة؟

- أم يفتح باب الاجتهاد «النفعي» لكل أحد دون شرط أو قيد ما دام أن الحقل يعتنق المبدأ النفعي؟

- هل يوافق من يرى أن «المشي على الجمر» تقنية برمجية نافعة؟ ولماذا لا يكون المشي على مسامير نافعًا أيضًا؟ ما المعيار في ذلك؟ أليس النفعية؟



هذه الأسئلة- وأمثالها كثير- تحتاج إلى إجابات «منهجية» (أو قل «مقنعة»!- حتى لا يشغب البرمجيون على استخدام كلمة منهجي) من منظري وفلاسفة المنهج «الفعلي»، بحسب قراءتي المتواضعة لأدبيات البرمجة لم أقف على إجابات مقنعة عن تلك الأسئلة الخطيرة. وهنا نتساءل مجددًا عن مدى إمكانية الظفر بإجابات من قبل البرمجيين العرب والمسلمين حيال هذه القضايا ذات البعد الأيدلوجي.

3- ينتج مما سبق مشاكل وصعوبات غاية في التعقيد والخطورة والتي منها:

أ- إشكاليات كبيرة فيما يتعلق بالتعميم: يمكن استجلاء بعض الإشكاليات التي تصاحب وتنجم عن المنهج النفعي بخصوص قضية التعميم عبر طرح الأسئلة الخطيرة التالية:

- هل يمكن تعميم «نفعية» كل النماذج التي ثبت نفعيتها عند كل أحد؟ أم يلزم ثبوتها عند رواد الحقل ومنظريه (وفلاسفته)؟ هل يمكن تعميم نتائج أو آثار التطبيق؟

- هل الأثر الذي يتركه تطبيقات البرمجة دائم أم مؤقت؟ وما المعايير في التفريق بين هذا وذاك؟

ب- انعدام التراكمية: وهنا أشير إلى قناعة (فلسفية) لدي وهي أن استمرار هذا الحقل على النهج النفعي- على افتراض إمكانية استمرار الحقل أصلاً!- سيؤدي إلى إنتاج تراكم معرفي أو قل «أخلاط» معرفية لا تنتظم بأي إطار فكري أو فلسفي يمكّن من تقييم النماذج والتطبيقات المبعثرة في خريطة الحقل، حيث ستتراكم أكداس من التطبيقات التي ربما يعارض بعضها بعضًا أو يلغي بعضها أثر بعض. وهنا تتضح أكثر فأكثر بعض المشاكل لا سيما في الحقل الثقافي، وفي تلك المرحلة ربما تزداد أصوات المطالبين بمزيد من الحزم «المنهجي»- بشقيه الثقافي والفلسفي- في التعامل مع هذا النثار المعرفي.



النسبية «المطلقة» Absolute Relativism

طبقًا لمنظومة قيم البرمجة Belief System of NLP، تتبنى البرمجة مبدأ «النسبية» في تحصيل العلم أو المعرفة بما يتضمنه ذلك من: التفكير، الإدراك، التحليل، الفهم، حيث تؤمن البرمجة باستحالة الظفر بـ«المعرفة أو الحقيقة الموضوعية» من قبل أي إنسان!

وهذا يجعلنا نرجع هذه الفلسفة ونربطها بفلسفة أخرى وهي ما يعرف بالفلسفة «التركيبية» Constructioism، هذه الفلسفة تؤمن بأنه لا يمكن للإنسان أن يظفر بمعرفة موضوعية وذلك أن المعرفة لا يمكن فصلها عن الإنسان فكرًا وقيمًا Value-Laden، وهي إنما تتشكل بحسب رؤية وتركيب الإنسان لها في خضم التفاعل الاجتماعي. وأدت- حتمًا- هذه الفلسفة التركيبية إلى ثغرات ضخمة من أبرزها إيغالها في النسبية المطلقة أو فلسفة «كل شيء ماشي!».

فلاسفة البرمجة اللغوية العصبية يريدونها «أيدلوجية حياة»

يعتقد البعض أن البرمجة مجرد حقل معرفي يعالج بعض الظواهر الإنسانية، وهو الأمر الذي كنت أعتقده في بداية اطلاعي على البرمجة- منذ ما يقارب العشر سنوات-، ولكنني بدأت أتلمس خيوطًا جعلتني أتشكك في هذا الفهم «المبدئي» وأتساءل عن سر هذه الفلسفة التي بدت وكأنها تحمل بين طياتها بعدًا أيدلوجيًا عميقًا، وربما يكون مفيدًا أن أشير إلى أنه ثمة مجموعة من الأسباب تفاعلت في ذهني بعد اقترابي من «الحدود الفلسفية» للبرمجة وجعلتني أخلص إلى نتيجة مغايرة، ومن هذه الأسباب:

- أن البرمجة تؤمن بتأثير الإطار القيمي والفلسفي وتأثير ذلك على السلوك الإنساني ولذا فالبرمجة تؤكد أهمية مراعاة ذلك في منهجها وتطبيقاتها، وهنا تساءلت عن الأطر القيمية الفلسفية للبرمجة:

هل هي الأطر العربية الإسلامية؟ بالتأكيد لا!

هل هي الأطر الغربية؟ بالتأكيد نعم! إذًا تستحق هذه وقفة وتسجيل.

- إنها تزعم أنها تعالج كافة الظواهر الإنسانية حتى الروحية منها، وفي هذا المعنى يقول أصحاب الموسوعة (روبرت ديلتس وجوديث ديلوزير) إن بحث واستكشاف بنية الخبرة الروحية قضية في غاية الأهمية بالنسبة للبرمجة اللغوية العصبية(5).

- إنها تعرض نفسها كإطار ابستمولوجي (معرفي) شامل. والابستمولوجيا- كما أقرؤها في أدبيات الفكر الغربي- هي فلسفة من نوع «ثقيل»، أي أنها ذات طابع أيدلوجي.

ومن هنا خلصت إلى نتيجة خطيرة مفادها أن البرمجة تعدت كونها حقلاً معرفيًا يعالج بعض الظواهر الإنسانية إلى الادعاء بأنها فلسفة «حياة» شاملة، وهنا تتضح أبعاد الخطورة- إن سلم لي بهذا- وذلك بمزاحمة ومنافسة البرمجة للدين، المكون الأساسي في بنية حياة المسلم والمشكل الرئيسي لحضارته!



البرمجة اللغوية العصبية تؤله الإنسان «السوبر» وتجففه إيمانيًا

يؤكد منظرو البرمجة ومؤيدوها أنها تعين الإنسان على التعرف على طاقاته المخزونة، كما ترشده إلى كيفات (كيف؟) مقترحة تمكنه من تفجير هذه الطاقات، كما تجدر الإشارة إلى التأكيد على أهمية هذا المنحي التعريفي التشجيعي في التعاطي مع طاقات الإنسان المسلم- وبالذات العربي- في زمن كالذي نحياه الآن، وذلك لتعرض المسلم- وتحديدًا العربي- إلى ألوان من الإهانة «النفسية» بعضها مدروس ومبرمج ومؤدلج وبعضها الآخر عشوائي.

وللحق أقول إن البرمجة نجحت- جزئيًا- في هذا المجال بشكل يستحق التنويه، غير أننا نلحظ في الوقت ذاته مظهرًا بل منهجًا وفلسفة تؤمن بها البرمجة وتبني عليها إطارها الفكري ومداخلها العملية في اتجاه تفعيل طاقات الإنسان، وهذه الفلسفة لها خطورتها البالغة على البعد الإيماني، مما يجعلنا ندرك أن إيجابيات البرمجة وإنجازاتها في هذا الاتجاه ربما تغوص وتنغمر في محيط متلاطم من السلبيات والثغرات الخطيرة التي تتجه بالإنسان إلى «الركون» و«الاعتزاز» بقدراته الذاتية، وقدراته فحسب، دون توكل قلبي وارتباط وجداني بالخالق العظيم...



البرمجة اللغوية العصبية «فلسفة مغرورة»!

البرمجة تكتشف «الإنسان الأزرار»!

ربما يكون البعض قد لمس ما أرمي إليه في هذا العنوان من خلال تحليله لما تقدم. على كل، برز مما تقدم أن البرمجة تحاول أن تقدم نفسها كحقل معرفي يتناول كافة الظواهر الإنسانية بالتحليل والعلاج، ولم تكتف بهذا، بل راحت تعد بتقديم أفضل الحلول وأسرعها، تهويلاً ومبالغة، وقد انعكس هذا المسلك المشين بجلاء على جملة البرمجيين في كتابتهم وتطبيقاتهم، إذ جعلوا يحتقرون ويقللون من شأن بقية الحقول المعرفية وإسهاماتها الضخمة في التعاطي مع مختلف الظواهر الإنسانية!

تتعامل البرمجة مع الإنسان في بعض مناهجها وتطبيقاتها تعاملاً «ميكانيكيًا»، وبعبارة أخرى يمكننا القول إن البرمجة اكتشفت «الإنسان الآلة» أو «الإنسان الأزرار» الذي يمكن تحريكه بأي اتجاه، كما يمكن تنمية إنتاجه وفعاليته وكفاءته من خلال لمسة سحرية لا تكلف أكثر من «ضغطة»، من خلال ما يسمى في البرمجة بتقنية «الإرساء»(6) Anchoring (هذه التقنية تعتمد بشكل ضمني على نظرية الارتباط الشرطي الشهيرة لبافلوف). أي أن البرمجة تزعم أنها تحيلنا إلى «إنسان متفوق» في مجال أو آخر عن طريق ممارسة وتطبيق تقنية الإرساء.

فمثلاً يمكنك استدعاء مشهد من خزان ذاكرتك، وليكن مشهدًا كنت فيه متألقًا في خطابك وإلقائك مع ثقة كافية، هنا يأتي إليك البرمجي «ليبرمجك» على هذا الوضع من خلال تمرين تدريبين تكون فيه حالة من «التطابق»(7) مع صورة ذلك المشهد أو الحدث، تستصحب ذلك الاستغراق في هذا المشهد إلى لحظة زمنية معينة لتقوم بعدها بإرساء أو تثبيت هذا السلوك من خلال- على سبيل المثال- ضغطة على معصم يدك اليسرى.

البرمجة تقول لك إنها «تضمن» في حالة «نجاح» عملية الإرساء أنك قادر على الوصول إلى نفس الدرجة من التألق والتميز في الخطابة والإلقاء في مستقبل أيامك بمجرد لمسة أو ضغطة!

وربما يكون مفيدًا إيراد مثال آخر على القدرة «الفائقة المزعومة» للبرمجة في هذا المجال. للبرمجة دائرة يسمونها بـ«دائرة التميز»(8) Circle of Excellence، وبطريقة مشابهة يمكنك أن تضمن تميزًا في بقية مشاهد عمرك وذلك فيما يتصل بالمهارة المتضمنة في الخبرة التي قمت بإرسائها عبر دخولك في دائرة تسميها بدائرة التميز!



وقفات ثقافية مع البرمجيين العرب

هل يُنسف حقل البرمجة ويدفن؟

تزعم البرمجة أنها قادرة على نمذجة السلوك، ومن ذلك نمذجة السلوك الإبداعي للمتميزين من أجل إكسابه الآخرين، ومن تلك النماذج ما يعرف بـ«استراتيجية ديزني للإبداع» Disney Creativity Strategy. وإمكانية مثل هذه النمذجة والإكساب محل تسليم لدي، ولكن بشروط وبيئة ومعايير ومقادير محددة(9)، لم تنل من البرمجة أي اهتمام يذكر، ولم تدخل نسيجها الفلسفي وأطرها الفكرية، بعكس الحال في الحقول المعرفية ذات الصلة بأدبيات الإبداع والتي راعت بمنهجية علمية تلك العوامل المحددة والمؤثرة في الإبداع إيجابًا وسلبًا.

أعود لزعم البرمجة في هذا المجال وأقول دعونا نسلم جدلاً صحة هذا الزعم، لأتساءل عن مدى إمكانية أن يقوم البرمجيون العرب والمسلمون ببرمجة تفكيرهم وتوجيه بوصلتهم الفكرية نحو الإبداع في حقل البرمجة، وذلك ببلورة وتطوير وإنضاج فلسفات فكرية وتقنيات عملية تتناغم مع منظومتهم الثقافية وإطارهم الحضاري. لماذا لا يتبنون أي استراتيجية- يرونها مناسبة- في الإبداع ليخرجوا من حيز التطبيق الميكانيكي لتطبيقات باندلر، وقريندر، ودليتس، وديلوزير وأضرابهم إلى فضاءات الأصالة والطلاقة والمرونة التي تقود إلى إبداع أصيل فكرًا وروحًا وتطبيقًا، لا سيما في القضايا ذات الصبغة الأيدلوجية، والتي منها على سبيل المثال ما يسمى بـ«البرامج العليا» **** Programmes، ذلك أنها تنطلق وتتأثر بعقيدة الإنسان، والتي تحدد له هدفه الرئيس في الحياة لتضبط بعد ذلك بوصلة تفكيره ومتاريس سلوكه صوب ما يحقق ذلك الهدف.

أصدقكم القول إنني- ومع ولعي واحترامي وإجلالي لكافة الحقول المعرفية- أرى- وبكل حسرة- نسف هذا الحقل بوضعه الحالي، حيث إنه جدير بذلك ومستحق له، هذا الحكم مترتب في حالة استمرار الحقل على نهجه وفلسفته التي أبنت عن شيء من عللها ومخاطرها وآثارها. ودعوتي هذه لا يُفهم منها البتة الدعوة إلى عدم التعاطي والإفادة من النماذج والتقنيات والاقتراحات التي جاء بها هذا الحقل أو طورها، كلا، بل نحن مطالبون معاشر المتخصصين في كافة العلوم الاجتماعية أن نفيد من هذه التركة، في محيط يضبط بالمنهج العلمي معايير وشروط وصفات، ذلك أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.
  رد مع اقتباس
 
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42