نفائس المخطوطات في العراق والأخطار التي تهددها
[align=right]مقدم الحلقة محمد كريشان
ضيف الحلقة - أسامة النقشبندي، خبير في المخطوطات ومدير دار صدام للمخطوطات في بغداد
تاريخ الحلقة 04/09/2000
أسامة النقشبندي
محمد كريشان
محمد كريشان:
يضم المتحف العراقي إحدى أنفس المجموعات وأندرها من المخطوطات العربية، والمخطوط شاهد على التاريخ وذاكرة أمة ووعاء للحضارة والفكر، والقضية ليست فقط في حمايته من الزمن، وإنما كذلك من النهب والسرقة، والمخطوط في العراق لم يسلم هو الآخر من آثار العقوبات والحصار، وهو ما يحدثنا عنه ضيفنا لهذا الأسبوع الأستاذ (أسامة النقشبندي) خبير في المخطوطات لأكثر من 40 عاما ومدير دار صدام للمخطوطات في بغداد.
(تقرير مسجل):
أسامة النقشبندي من مواليد (البصرة) في عام 1938.
- ليسانس تجارة واقتصاد وشهادة في حقل المخطوطات من معهد المخطوطات العربية في القاهرة.
- يعمل منذ عام 1956 في التنقيب الأثري ودراسة النقود وصيانة الآثار.
- مدير دار صدام للمخطوطات منذ تأسيسها في عام 1988.
- رئيس دائرة المخطوطات والتراث لاتحاد المؤرخين العرب.
- حاصل على وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب في عام 1989.
محمد كريشان:
أستاذ أسامة ناصر النقشبندي أهلا وسهلا.
أسامة النقشبندي:
مرحبا بيك.
محمد كريشان:
نحن تجولنا في متحف بغداد، وهناك وثائق تعود إلى قرون.. كيف استطاع هذا الورق أن يصمد؟
أسامة النقشبندي:
هو الحقيقة الورق ممكن نتحدث عنه عندما نتحدث عن المخطوط العربي، لأنه القوام الرئيسي للمخطوط والقوام المادي للمخطوط هو الورق ومادة الكتابة، والقضايا الأخرى التزينية التي دخلت على المخطوط أصبحت من أركان المخطوط، لأن المخطوط له قيمة مادية أثرية كأي أثر من الآثار المنقولة اللي خلفتها الحضارة العربية الإسلامية، بل يتميز المخطوط عن بقية الآثار باعتباره ليست مادة من الحجر أو من المعدن، من الورق مادة عضوية قابلة للتلف، مع هذا المخطوطات قاومت، ووصلتنا الآن أكثر من ثلاثة ملايين مخطوط، رغم كل الظروف اللي مرت بيها المخطوطات، ظروف الغزو الأجنبي، الدمار اللي تعرضت له المخطوطات، ظروف التلف نتيجة المناخ غير الطبيعي في هذه المخطوطات، مع هذا..
محمد كريشان:
عفوًا ثلاث ملايين في البلاد العربية؟
أسامة النقشبندي:
ثلاث ملايين في العالم.
محمد كريشان:
في العالم؟
أسامة النقشبندي:
تقدر بهذه الحدود، وهنالك إحصائيات ولكن غير دقيقة، تصل إلى أربعة ملايين مخطوطة، معناته رغم ظروف الدمار وظروف التلف وما فعله المغول وغيرهم، هذا معناته أنه كانت الأمة كلها تقرأ وتكتب، وكانت المخطوطات عنصر رئيسي في حياة الأمة الثقافية والفكرية، والمخطوط تطور مع تطور الحضارة العربية الإسلامية.
أركان المخطوط، يعني ورق، قبل كانوا يكتبون على الرق، وهو نوع من الجلد الرقيق اللي كان تسلخ الطبقة الشحمية والطبقة العليا اللي بيها بويصلات دهنية، ثم يطلى بمادة أخرى، ويدلك، ويسقى بحيث يصبح كالورق الأبيض الاعتيادي..
محمد كريشان:
يعني كانت هناك صناعة كاملة.
أسامة النقشبندي:
صناعة كاملة للورق، وهنالك مدن عربية اشتهرت في صناعة الورق، نجران وتعز وآخرها كانت الكوفة، اللي اطورت بيها صناعة الرقوق العربية، والتي تعتبر من أجمل وأدق مواد الكتابة، وقبل أن يستخدم الورق، واشتهرت كذلك القيروان في صناعة الرق، والرق الأزرق الذي توجد منه الآن نسخة كاملة في مكتبة القيروان، مخطوط بالرق الأزرق وصفحات منه في بيت القرآن في البحرين من هذا المصحف، وهذه الرقوق هي كانت مادة الكتابة، بالإضافة للحبر اللي هو كان يصنع من كبريتيد الحديدوز مع الصمغ العربي..
محمد كريشان:
عفوا قبل أن نصل إلى نقطة الحبر، يعني مثلا فيما يتعلق بالورق، هناك بعض الأوراق تحافظ على لمعان معين، كيف تستطيع أن تحافظ على هذا اللمعان بعد مرور سنوات عديدة؟ يعني هل هناك مادة معينة تستعمل؟
أسامة النقشبندي:
نعم، هو بالحقيقة تكلمت عن الرقوق والرق وصناعتها ومقاومتها للظروف، وإلى الآن موجود هناك رقوق معروضة في المتحف العراقي أعتقد يطلع عليها المشاهد الآن، هي جلود يعني قطع من قرآن كريم مصحف الإمام (علي) -رضي الله عنه-، وقطع من مصحف القرآن الكريم بخط الإمام علي -عليه السلام-، رقوق أخرى تعود للقرن الثاني والثالث الهجري، وعليها زخارف، وعليها رسومات وتزيين زخارف يعني رسومات نباتية وتزيين، هذه قبل أن يستخدم الورق، ثم استخدم الورق في كتابة المخطوط، باعتبار مادة الكتابة على الورق مادة غالية الثمن الرقوق كانت، فالعرب اطلعوا على الرق عندما فتحوا سمرقند، فشاهدوا الورق الذي كان يصنع في سمرقند من قبل صناع صينيين، فجلب الورق من سمرقند واستخدم في الحواضر العربية في تلك الفترة، وظهر المخطوط مكتوب على الورق بدل من قراطيس البردي اللي كانت تتلف بسرعة، نتيجة تعرضها للرطوبة والجفاف وبدل من الرقوق التي هي غالية الثمن وغير عملية، العلوم والمعارف ازدادت، انتعشت الحركة الفكرية، احتاجوا إلى الكتاب، احتاجوا إلى تيسير الكتاب للأمة، باعتبار أن الثقافة العربية الإسلامية مدونة وليست مشافهة فقط، فلذلك احتاجوا إلى تطوير استخدام الورق، ثم طوروا صناعة الورق، وأول معمل للورق أنشئ في بغداد سنة 174 هجرية في عهد هارون الرشيد.
وتطورت كذلك الصناعة بعد الرشيد في نهاية القرن الثاني الهجري، بلغت معامل الورق في بغداد أكثر من 100 معمل أو حانوت لصناعة الورق، وكان الورق يصنع من الحرير والكتان في سمرقند، غلاء هذه المادة وندرتها بالوطن العربي وخصوصا في العراق أدى إلى استخدام الخرق البالية المصنوعة من الحرير والكتان أو استخدام القطن وألياف النخيل والقنب، استخدموها كمادة أولية لصناعة الورق، ثم صناعة الورق مرت بمرحلة جدا مهمة، طبعا تناولوها علماء العرب في القرن الثاني الهجري، خصوصا بعد أن تأسس بيت الحكمة، وظهر به العلماء اللي ترجموا علوم الأولين من كل مكان من كل لغات العالم المعروفة قبل تلك الفترة، فبدأوا يطورون صناعة الورق، يعني استخدموا القطن بالدرجة الأولى، والقطن هو أنقى أنواع السليلوز في الطبيعة، فاستخدموه، وطرقوه بالمطارق الخشبية والمكابس، وخلصوه من مواد تكون ضارة بالورق، ومنها مادة الليجينين أو الليجيمين التي هي مادة مالئة وماسكة وممكن أنها تتأكسد بالظروف اللي تحيط بها، بتؤدي إلى تلف الورق، عندما بدأوا يفصلون الورق، ويطرقونه أو يعجنونه، عندما في العراق (بالجاون) أحيانا آلة شبيهة بالجاون إلى أن تصبح عجينة تتخلص من مادة الليجينين والمواد الضارة، ثم تضاف مادة مالئة أو ماسكة بالداخل، مادة قلوية، والعرب عرفوا المواد القلوية بالقرن الثاني وقبل القرن الثاني.
محمد كريشان:
كان اكتشافا عربيا أم جلبوه أيضا من..؟
أسامة النقشبندي:
كان لها أساس في صناعة الصابون تستخدم، وصناعات أخرى شبيهة، فاستخدمت المواد القلوية النباتية وليس الحيوانية في صناعة الورق، ثم أضيفت إليها مادة الصمغ العربي الرزين إلى عجينة الورق، وبدأت عجينة صناعة الورق تتطور ويتماسك الورق، أجزاء الورقة من الداخل تتماسك، ثم ملئت الفتحات العليا الخارجية، ملئت بمادة أخرى من الشب والنشا أو مواد الصمغ كذلك، نسبة قليلة من الصمغ العربي وتطلى بها صفحة وجه الورقة لما تكون [لئلا تكون]ملساء عندما تصنع، طبعا طريقة صناعتها ممكن إذا حبيت أتحدث لك عنها كانت تفتح الورقة بواسطة آلات مثل الرولات الآن اللي تفتح بها العجائن، ثم ترمى على قطعة من اللباد، وتصنع ورقة ثانية على اللباد إلى أن تصبح كمية من الغراء، وبينها قطع من اللباد، ثم تضغط بمكبس أو بثقل، بحيث تتخلص من المياه الفائضة بيها أو الزائدة، ثم ترمى بخفة على لباد آخر وهكذا إلى أن تجف، ولكن تبقى مساماتها مفتوحة إلى أن تملأ بالمادة المالئة العليا اللي على السطح، ثم تصقل ببلوكات من الأحجار والقطع الحجر السليماني اللي بيسمى مرمر شمعي تقريبا.
محمد كريشان:
وكان هناك خبراء في هذا المجال منذ ذلك التاريخ؟
أسامة النقشبندي:
نعم، وموجودة بعضها، معروضة في قاعة المخطوطات في المتحف العراقي، الآلة اللي تصقل بها الورقة، وتملأ بها سطح الورقة، وبالإضافة إلى هذا أن المواد اللي كانت تصنع من عندها الأوراق، ويكتب بها بعض الأوراق تصنع لغرض كتابة معينة ولغرض ترويق، يعني المخطوطات عموما تكتب على الورق اللي هو ورق اعتيادي سميك يكون لين طري، ولكن تضاف له لون للورق حتى لا يكون عاكس أبيض قوي يؤثر على العين، فكان يميل للسمرة، وقسم من الورق هذا يكون سميك طبعا يكتب به اعتيادي، يعني المخطوطات خصوصا المخطوطات اللي هي أدعية وأذكار ومصاحف كريمة تحتاج إلى ورق رقيق جدا، فكان يصنع من الحرير وحاشية المصحف أو المخطوط تصنع من ورق سميك الصنع، ثم تلصق الورقتين على بعضهم وتدلك، وتضاف إليها أشرطة من الذهب أو الألوان المختلفة لتصبح أو لتسمى هذه الأوراق بالأوراق المطعمة، فكتب بها المصاحف وكتب الأدعية والأذكار وغيرها، هذا فن من فنون المخطوط اللي في صناعة الورق ثم تطورت صناعة الورق بحيث أصبحت على شكل طبقات، الورقة مو [ليست] طبقة واحدة، فعندما تتعرض الورقة للتيبس أو التكسر مجرد تعريضها مرة ثانية إلى الرطوبة تتماسك مرة ثانية.
محمد كريشان:
تعود إلى حالتها.
أسامة النقشبندي:
لذلك يقال: إن الورق يتنفس، ويحتاج إلى هواء، صحيح هو يحتاج إلى الهواء ويحتاج إلى الرطوبة لكي لا يتحقق شيئان، إذا ارتفعت الرطوبة أكثر من 65 يحدث التعفن، وإذا تعرض إلى الجفاف أقل من أربعين يظهر تكسر، وكذلك درجة الحرارة يجب ألا تزيد عن 25 درجة مئوية من أجل المحافظة المطلوبة، لأن خواص الورق العربي هي تحتاج إلى مثل هذا المناخ..[/align]
|