فتوى الأ زهر حول حكم تكفير المسلمين وحكم التوسل الرقـم المسلسل 6623 الموضوع حول تقسيم التوحيد وحكم تكفير المسلمين
التاريخ 3/2/2007
اطلعنا على الطلب المقيد برقم 184 لسنة 2007م المتضمن:
هناكشاب في إحدى قرى محافظة البحيرة يقوم بتكفير كل أهل القرية بحجة أنهميتوسلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدعاء إلى الله تعالىويتبركون بزيارة مقام سيدنا الحسين عليه السلام، ويدَّعي أن كل مَن يفعلذلك يكون مِن المشركين الذين كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية ولا يؤمنونبتوحيد الألوهية. فهل هناك أنواع للتوحيد؟ وهل كان المشركون مُقِرِّينبتوحيد الربوبية؟ وهل التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والتبركبزيارة مقامات الأولياء يُعَدُّ شركًا كما يقول؟
الجواب : أمانة الفتوى
يجب على المسلم أن يَحذَر من المجازفة في التكفير؛ حتى لا يقع تحت طائلةالوعيد المذكور في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يَرمِي رَجُلٌرَجُلاً بالفِسقِ ولا يَرمِيهِ بالكُفرِ إلاّ ارتَدَّت عليه إن لم يكنصاحِبُهُ كذلك»، رواه البخاري من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وقولِه عليهالصلاة والسلام: «إذا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخاهُ فقد باءَ بها أَحَدُهما»،رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقولِه صلى الله عليهوآله وسلم: «لَعنُ المُؤمِنِ كقَتلِهِ، ومَن رَمى مُؤمِنًا بكُفرٍ فهوكقَتلِهِ»، رواه البخاري من حديث ثابت بن الضحَّاك رضي الله عنه.
وتقسيمالتوحيد إلى ألوهية وربوبية هو من التقسيمات المُحدَثات التي لم تَرِد عنالسلف الصالح، وأول من أحدثهـا -على ما هو المشهور- هو الشيخ ابن تيميةرحمه الله، ثم أخذه عنه مَن تكلم به بعد ذلك، وحاصل قوله في ذلك: أنالربوبية هي توحيد الله بأفعاله، والألوهية هي توحيد الله بأفعال العباد،وأنهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، أي: أن أحدهما يتضمن الآخرعند الانفراد، ويختص بمعناه عند الاقتران؛ فالألوهية تتضمن الربوبية،والربوبية تستلزم الإلهية، وهذا الكلام إلى هذا القدر لا إشكال فيه، إلاأنه تجاوزه إلى الزعم بأن هذا التوحيد وحده لا يكفي في الإيمان، وأنالمشركين مُقِرُّون بتوحيد الربوبية، وأن كثيرًا من طوائف الأمة منالمتكلمين وغيرهم قد اقتصروا عليه وأهملوا توحيد الألوهية.
والقول بأنتوحيد الربوبية لا يكفي وحده في الإيمان هو قول مبتَدَعٌ مخالف لإجماعالمسلمين قبل ابن تيمية، بل ومخالف لكلامه نفسِه من أن توحيد الألوهيةمتضمِّنٌ لتوحيد الربوبية، وأن توحيد الربوبية مستلزِمٌ لتوحيد الألوهية؛فإن بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فإذا لم يكن المشركون مُقِرِّينبتوحيد الألوهية فلا يصح الزعم بعد ذلك أنهم كانوا مُقِرِّين بتوحيدالربوبية؛ ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم، وإذا صح إقرار المسلمينبتوحيد الربوبية فلا يجوز أن يُدَّعى أنهم لا يؤمنون بتوحيد الألوهية؛ لأنالفرض أنهما متلازمان، فكيف يثبت الملزوم مع انتفاء اللازم! وقد تصدّى أهلالعلم لرد هذا القول وبينوا فساده، وأنه قول باطل لا دليل عليه، وأن كلأحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
أما تكفيرمن توسل بجاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدعاء فهو على الحقيقةتكفير للسواد الأعظم من علماء الأمة؛ لأن التوسل به صلى الله عليه وآلهوسلم مما أجمعت عليه مذاهب الأئمة الأربعة المتبوعين، وقد ثبت عن النبيصلى الله عليه وآله وسلم الأمر بالتوسل به في حديث الأعمى وغيره منالأحاديث الصحيحة.
وللشوكاني في كتابه "الدر النضيد في إخلاص كلمةالتوحيد" كلام نفيس عن جواز التوسل ننقله على طوله لِمَا فيه من تجليةالأمر في هذه المسألة، يقول رحمه الله: "وأما التوسل إلى الله سبحانه بأحدمن خلقه في مطلب يطلبه العبد من ربه فقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السلامإنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنصح الحديث فيه اهـ. ولعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه النسائي في سننهوالترمذي وصححه وابن ماجه وغيرهم أن أعمى أتى إلى النبي صلى الله عليهوآله وسلم فقال: يا رسول الله إني أصبت في بصري فادع الله لي، فقال لهالنبي صلى الله عليه وآله وسلم: «توضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألكوأتوجه إليك بنبيك محمد، يا محمد إني أستشفع بك في رد بصري اللهم شفعالنبي فيّ» وقال: «فإن كان لك حاجة فمثل ذلك» فرد الله بصره.
وللناس في معنى هذا قولان:
أحدهما: أن التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لَمّا قال: كنا إذا أجدبنا نتوسلبنبينا إليك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، وهو في صحيح البخاريوغيره، فقد ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليهوآله وسلم في حياته في الاستسقاء، ثم توسل بعمه العباس بعد موته، وتوسلهمهو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى،والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في مثل هذا شافعًا وداعيًا لهم.
والقولالثاني: أن التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم يكون في حياته وبعد موتهوفي حضرته ومغيبه، ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به صلى الله عليه وآلهوسلم في حياته وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعًاسكوتيًّا لعدم إنكار أحد منهم على عمر رضي الله عنه في التوسل بالعباس رضيالله عنه، وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآلهوسلم كما زعمه الشيخ عز الدين بن عبد السلام لأمرين:
الأول: ما عرّفناك به من إجماع الصحابة رضي الله عنهم.
والثاني: أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسلبأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة؛ إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلابأعماله، فإذا قال القائل: (اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني) فهوباعتبار ما قام به من العلم، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلىالله عليه وآله وسلم حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحدمنهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة، فلو كان التوسلبالأعمال الفاضلة غير جائز أو كان شركا كما يزعمه المتشددون في هذا البابكابن عبد الوهاب ومن قال بقوله من أتباعه لم تحصل الإجابة لهم ولا سكتالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم، وبهذاتعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قولهتعالى: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ونحو قوله تعالى: {فلاتدعوا مع الله أحدًا} ونحو قوله تعالى: {له دعوة الحق والذين يدعون مندونه لا يستجيبون لهم بشيء} ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النـزاعبما هو أجنبي عنه؛ فإن قولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} مصرحبأنهم عبدوهم لذلك، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده بل علم أن له مزيةعند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك، وكذلك قوله {فلا تدعوا مع اللهأحدًا} فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره كأن يقول بالله وبفلان، والمتوسلبالعالم مثلاً لم يدع إلا الله فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عملهبعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم،وكذلك قوله {والذين يدعون من دونه} الاَية فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيبلهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلاالله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه، وإذا عرفت هذا لم يَخْفَ عليكدفعُ ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النـزاع خروجًازائدًا على ما ذكرناه؛ كاستدلالهم بقوله تعالى {وما أدراك ما يوم الدين ثمما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله} فإنهذه الاَية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدينوأنه ليس لغيره من الأمر شيء، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم منالعلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يومالدين، ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبيًّا أو غير نبي فهو فيضلال مبين، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله {ليس لك من الأمر شيء} وقوله تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا} فإن هاتين الاَيتينمصرحتان بأنه ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمر الله شيءوأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا فكيف يملك لغيره، وليس فيهما منعالتوسل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء، وقد جعل اللهلرسوله صلى الله عليه وآله وسلم المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى،وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له: سل تعطه واشفع تشفع،وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمنارتضى، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله صلى الله عليه وسلم لما نزلقوله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين} يا فلان بن فلان لا أملك لك من اللهشيئًا، يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئًا، فإن هذا ليس فيه إلاالتصريح بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يستطيع نفع من أراد الله ضره ولاضر من أراد الله تعالى نفعه، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهمشيئاً من الله، وهذا معلوم لكل مسلم، وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى اللهفإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي، وإنما أراد الطالب أن يقدم بينيدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالكيوم الدين" انتهى كلام الشوكاني.
وكذلك الحال في التبرك بزيارةمقامات أهل البيت الكرام وغيرهم من الصالحين؛ فإن زيارة آل بيت النبوة منأقرب القربات؛ وأَولى القبور بالزيارة بعد رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم قبور آل البيت النبوي الكريم؛ لأن في زيارتهم ومودتهم برًّا وصلةلرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل إن زيارة الإنسان لقبورهم آكداستحبابًا وأكثر ثوابًا من زيارته لقبور أقربائه، كما قال أبو بكر الصديقرضي الله عنه: «والذي نَفسِي بيَدِهِ لَقَرابةُ رسولِ اللَّهِ صلى اللهعليه وآله وسلم أَحَبُّ إلَيّ أَن أَصِلَ مِن قَرابَتِي»، فتكفير فاعل ذلكمخالف لإجماع المسلمين، بل قائل ذلك أَولى بالكفر مِمن كفّّره.
وتَسَتُّرُ تيارات التكفير بهذا الأقوال الفاسدة واتخاذها ذريعة لاتهامالمسلمين بالشرك والكفر مع نسبة كل هذه الأفهام المغلوطة إلى الشيخ ابنتيمية رحمه الله هو من التلبيس والإرجاف الذي ينتهجه أدعياء هذا الفكرالخارجي ليتطاولوا به على حرمات المسلمين، منغمسين بذلك في أوحال التكفيروالتفسيق والتبديع لجمهور الأمة ومشاهير علمائها وصالحيها بل وسوادهاالأعظم، ومتهمين سلف الأمة وخَلَفها الشرك والكفر إلا من كان على مثلباطلهم ومشربهم الفاسد.
وهذا هو عين مذهب الخوارج الذي حذرتنا النصوص الشرعية من الوقوع في باطله:
فروىالإمام البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما تعليقًا –ووصله ابنجرير الطبري في "تهذيب الآثار" بسند صحيح– أنه كان يَراهم شِرارَ خَلقِاللَّهِ، وكان يقول: إنّهم انطَلَقُوا إلى آياتٍ نَزَلَت في الكُفّارِفجَعَلُوها على المُؤمِنِينَ.
وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسولالله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يَأتِي في آخِرِ الزَّمانِ قَومٌحُدَثاءُ الأَسنانِ سُفَهاءُ الأَحلامِ، يَقُولُونَ مِن خَيرِ قَولِالبَرِيّةِ، يَمرُقُونَ مِن الإسلامِ كما يَمرُقُ السَّهمُ مِنالرَّمِيّةِ، لا يُجاوِزُ إيمانُهم حَناجِرَهم، فأينَما لَقِيتُمُوهمفاقتُلُوهم؛ فإنّ قَتلَهم أَجرٌ لِمَن قَتَلَهم يَومَ القِيامةِ»، متفقعليه.
وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم يقول: «الخَوارِجُ هم كِلابُ النّارِ»، رواه الإمامأحمد وابن ماجه وغيرهما.
ونحن نحذِّر المسلمين من السير خلف هذهالأفكار التكفيرية الضالّة التي يطعن بها خوارجُ العصر في عقائد المسلمين،ونُهِيب بكل مسلم غيور على دينه أن يَحذَر ويُحَذِّر من تكفير إخوانهالمسلمين؛ فتكفير المسلم كقتله، وعلى أهل العلم أن يبينوا لهؤلاء الأغرارفساد معتقداتهم حتى يرجعوا إلى الحق الذي يُرضِي اللهَ ورسولَه صلى اللهعليه وآله وسلم.
والله سبحانه وتعالى أعلم
|