[align=right]ملاحظات هامة ومشتركة بين الظهورات المختلفة: ولكي تكتمل الصورة حول حقيقة الظهورات لا بد وأن نبين الظواهر المشتركة بين هذه الظهورات والتي ستبين بوضوح حقيقتها والهدف من حدوثها، ومدى صلتها بعالم وحقيقة تدخلهم في هذه الظهورات، وهذا في مجمله يبين لنا مدى خطورة هذه الظهورات على معتقدات المسلمين، خاصتهم وعامتهم، فأما خاصة المسلمين من العلماء والشيوخ فوجه الخطر عليهم عجزهم عن الرد على هذه الظهورات وبيان حقيقتها للمسلمين، مما يضعف من تأثيرهم، ويذهب بهيبتهم أمام الناس، أما عامة الناس فمكمن الخطر عليهم هو ضعف عقيدتهم، وتأثرهم بهذه الظهورات التي هي غير موجودة لدى المسلمين، مما يشعر الجهلة منهم بالنقص، وعلى هذا يتم تنصيرهم بسهولة ويسر، وكذلك وهو الأثر الأشد خطورة وهو زعزعة العقيدة عند المسلمين المتفرنجين، أي المسلمين الذين يعيشون على النمط الغربي اليهوصراني (اليهودي النصراني) العلماني، مما يحفزهم على مناهضة الشيوخ والعلماء والاستخفاف برأيهم، وشيوع المنهج العلماني وترسيخه في المجتمعات الإسلامية الهزيلة، وذات البنية العقائدية ضعيفة، وهذا مما يعني بث الفتنة، ونشر روح الفرقة بين المسلمين، وإثارة حفيظتهم بضرب العقيدة الإسلامية في الصميم.
1_ تم الظهور في عدة كنائس مختلفة المذاهب ما بين الكاثوليكية والأورذوكسية.
2_ اعترفت جميع الكنائس بهذه الظهورات، مع وجود بعض الاعتراضات.
3_ بعض الظهورات كانت حالات جماعية، وبعضها كان حالات فردية، واقتصر الظهور لفرد بعينه، وبعضها اقتصر الظهور على عدة أفراد فقط دون غيرهم من الحضور.
4_ الحالات الفردية أو شبه الجماعية انتابهم بعض أفرادها (بغيبوبة مس)، استحواذ وتشنج وصرع، وهي نفس أعراض استحواذ الجن على الجسد والمصاحبة للمس.
5_ صاحب بعض هذه الظهورات طيران كائنات نورانية، زعموا أنها حمام، وهذا يعدونه معجزة مضافة إلى الظهورات، ولكن ما ذكر أن أشكالها لا ينتمي إلى شكل الحمام المتعارف عليه، خاصة وأن الحمام لا يستطيع الطيران ليلاً، وهذا يشير إلى أنه حمام ذو خصائص غير إنسية.
6_ اكتسبت الكنائس التي تم فيها الظهور شهرة واسعة، وانهالت عليها الأموال والمكاسب المادية، وبالطبع عم الرغد كل العاملين في هذه الكنائس، وتم تنكيس بعض هذه الكنائس وتجديدها.
7_ تم إنشاء كنائس في أماكن الظهورات التي لم يكن فيها كنائس من قبل، وبذلك صار المكان مقدسًا وتجلب له المنح والتبرعات من كل حدب وصوب.
8_ استمر الظهور لعدة ساعات، وأحيانًا كان يوافق مواعيد ترديد الآذان إعلانًا للصلوات الخمس في مصر على سبيل المثال.
9_ بعض حالات الظهور الجماعية تمت في المساء والظلام الدامس يلف المكان، خاصة في البلاد الإسلامية، والتي يرتفع فيها صوت الآذان خمس مرات كل يوم، ومنها ما تم في رابعة النهار، والشمس ساطعة.
10_ الظهورات الفردية كانت تتم في أوقات مختلفة لا فارق بين ليل أو نهار.
11_ تكرر الظهور في نفس المكان على مدار عدة أيام أو عدة أسابيع أو عدة أشهر أو عدة سنوات. مما تسبب في تجييش الحشود والجموع حول مكان الظهورات.
فمن قبيل هذه الألاعيب الشيطانية ما قرأناه عنه من بكاء ما يطلقون عليها صورة العذراء وتماثيلها، وأحينًا يرونها تتبسم، أو ينزل زيتا فيزعمون أنه زيتًا مقدسًا! وأنهم يتبركون به، ويستخدمونه في التداوي، ويجدون أحيانًا الدماء أو الدموع تسيل من عيني التمثال أو الصورة، فبعد تجريد هذه المشاهدات من أي تفسيرات تربطها بالشيطان، يقومون بوضع تفسيرات إنجيلية مختلفة لها باعتبارها معجزات، وكل هذه يتم بأيدي مشبوهة وتحت سمع وبصر الكنيسة. فإن كان ظهور العذراء في الكنيسة الأرثوذكسية لإجازتها ومناصرتها، مثبتة بظهورها هذا سلامة معتقدها من التحريف والتضليل، وأنها الأحق بالاتباع من غيرها من الكنائس، إذًا فاعترافها بالكنيسة الأرثوذكسية يعد رفضًا منها لغيرها من الكنائس، فما عداها يعد مذهبها باطل ومضلل، وعلى هذا الأساس فلن تظهر العذراء في الكنائس الأخرى.
من المحال أن تجتمع كنيستين على النقيدين، فإما أن إحداهما على الحق والأخريات على الباطل، وإما أن جميع الكنائس باطلة، فكيف لنا أن نسلم بمعتقد كنيسة دون الأخرى، وقد تم الظهور في كنيستين متعارضتين؟ وعلى هذا فالظهورات إما أنها تتضمن خدعة متعارف عليها بينهم، أي أنهم يستخدمون حيلة ما يخدعون بها الناس، ثم يقومون بتكرارها في جميع الكنائس التي شهدت الظهورات، وإما أن الجن لهم دور في هذا الظهور، ولا دخل للإنس فيه.
ولكن الطامة الكبرى هنا أنهم لا يعترفون بوجود عالم الجن، رغم تكرار ذكرهم في كتبهم المقدسة، وهذا هو الركن الضيق الحرج الذي زجوا بأنفسهم فيه عنوة، فأقاموا به الحجة على أنفسهم، وعلى مرأى ومسمع من العالم كله.
ثم أنهم في خضم انبهار الناس بالحدث، لم يفرقوا بين ثبوت الظهورات كواقعة مشاهدة بالعين المجردة، وليست مجرد أكذوبة أو فرية، وبين افتقادهم لوجود تفسير واضح لحقيقة هذه الظهورات، أهي من الله، أم من الشيطان؟ عملاً بما ورد في كتابهم المقدس (امتحنوا الأرواح هل هي من الله) [1يوحنا 4: 1]، وهذا ما ينغص عليهم غبضتهم، ويبدد روعة الحدث المبهر.
فهم عاجزين عن نفض الشبهات عن الظهورات، ونفي عبث الشيطان عنها، لأنهم ببساطة لا يملكون تفسير واضح لحقيقة هذه الظهورات.
وعلى هذا فهم يستغلون زهوة الأحداث في تلجيم الأسن، وشل العقول، وهذا تعطيل لملكة التفكير، فالظهورات والمعجزات لا تفيد بحال إقامة الحجة العقلية على المخالفين والمعارضين. فالإنسان يؤمن بعقله، وليس بما تراه عينه، وإلا فلا فارق بين العاقل المكلف، وبين المجنون المرفوع عنه القلم. وبالتالي فالظهورات لا ترقى بحال إلى مستوى الحجية، ودحض المخالفين، فالمعتقدات تعالج بالحجة والدليل، وليس بالمشاهدات والخوارق، ثم تأتي المعجزة في أثر ثبوت الحجة، فتدعم الحق وترسخه في قلوب المؤمنين، فإن ثبتوا على الحق وإلا حل بهم العذاب، كما حل بعاد وثمود وغيرهم، بعدما أراهم الله من الآيات.
ذكر القس بسيط أبو الخير أهم عدة اختبارات تقوم بها الكنيسة للتأكد من صحة الرؤية، حيث ركزت فقط على الرؤية، وصدق المشاهدين. وهذا وحده غير كاف بالمرة للإيمان بأن الظهورات ربانية، ولم يبين ما هي الاختبارات التي تتخذها الكنيسة لتتثبت أن الظهورات من الله وليست من الشيطان. فليس صدق المشاهدة بحافز يحض على اعتناق المسيحية، بل على العكس من ذلك تمامًا، فالظهورات إن صحت فهي تؤكد على تأليه مريم عليها السلام، وشاهد قوي على رفعها من درجة الناسوت إلى منزلة اللاهوت، فهي مع كل ظهور توزع البركات على الناس، وتشفي المرضى، وتنقذ الملهوف.
بهذا أنتم تمتحنون الرائين، أي الناس والمشاهدين، ولم تمتحنوا الشيء المرئي نفسه، أي الأرواح المشاهدة بالعين المجردة، وأنتم بذلك خالفتم نص كتباكم المقدس، (امتحنوا الأرواح هل هي من الله) [1يوحنا 4: 1]، فلم تقيموا الإنجيل. فلم يرد أن لدى الكنيسة منهج مقنن تتأكد به من سلامة الظهور نفسه، ولم يفصل القس بسيط كيفية إثبات أن الظهور رحماني أم شيطاني. فهل التي ظهرت العذراء الإنسية، وقد بعثت من قبرها؟! أم هي روحها الطاهرة؟! أم تراها كانت ملاكًا من الملائكة تجسد في صورتها؟! حاشى الله الملائكة من ذلك، فالملائكة لا تكذب. أم ترى التي ظهرت جنية نصرانية متجسدة؟ أم تراها شيطانة متجسدة؟ وهذه من جملة الأسئلة التي سنجيب عنها. قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ)[الزخرف: 81: 83].
فنهجهم اتباع البابوات بلا نزاع، وهذا لاعتقادهم بعصمتهم المزعومة من الخطأ، و(ترتبط عصمة البابا من الخطأ بالمجلس الفاتيكاني الأول، الذي اعتبرها جزءًا من سلطات البابا العليا التي لا ينازعه فيها أحد). ( )
فمما يثير السخرية حقًا أن بابا الفاتيكان استغل سلطته كمعصوم من الخطأ فزعم لمريم عليها السلام قصة على غرار معجزة معراج النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول القس بيتر دي روزا: (أما آخر مرة استخدم فيها البابا سلطته كمعصوم من الخطأ، (أي أنه أفتى بشيء دون إيجاد تبرير، سوى أن على الكاثوليك تصديقه لأنه معصوم) كانت عام 1950، وصدرت من البابا بيوس الثاني عشر، عندما أعلن أن السيدة مريم قامت في أخريات حياتها برحلة إلى السماء جسدًا وروحًا، وعند سؤاله: هل توفيت، أم رفعت فقط؟ لم يجب البابا، وإنما أضاف إضافته الشهيرة: (إن كل من تسول له نفسه عدم تصديق ما قررناه في هذا الشأن أو التشكيك فيه، فليعلم هذا الشخص أنه خارج على المسيحية والكاثوليكية.. ). ( )
فمن قبل استوحى دانتي إليجيري مؤلفه الشهير (الكوميديا الإلهية) من معجزة معراج النبي صلى الله عليه وسلم، فالقوم لم يقتبسوا من حضارة المسلمين فقط، بل الطامة الكبرى اقتباسهم من الملل الوثنية، يقول الإمام أبو زهرة: (وقد عقد صاحب كتاب (العقائد الوثنية في الديانة النصرانية) موازنة بين أقوال الهنود في كرشنة، وأقوال المسيحيين في المسيح، فتقارب الاعتقادان حتى أوشكا أن يتطابقا، وإذا كانت البرهمية أسبق من النصرانية المحرفة، فقد علم إذن المشتق والمشتق منه، والأصل وما تفرع عنه، وعلى المسيحيين أن يبحثوا عن أصل دينهم). ( )[/align]
بحث لم يكتمل بعد للكاتب: بهاء الدين شلبي.
|