[align=right]يلفت انتباهنا هنا الصلة بين السحرة وبين الحصول على المخطوطات التي تدعم صنعتهم الاحترافية، أي أن من بين الفئات التي تستهدف المخطوطات بوجه عام هم فئة السحرة، خاصة المخطوطات التي تسهم المعلومات فيها إما في دعم صنعتهم، أو على العكس من ذلك المعلومات التي تفضح سر صنعتهم، وهنا يوجد ملاحظة هامة:
إذا فرضنا أن المخطوطات المسندة تحتوي على معلومات تدين السحرة وتكشف سر صنعتهم، بما ييسر علاج المصابين بالسحر، وإذا كانت تحتوي على وصفات طبية سنها الرسول الركريم صلى الله عليه وسلم، وعلى فرض أنها وقعت نسخ أصلية من هذه المخطوطات فكيف سيتعامل معها السحرة؟ هنا لها حلان:
الحل الأول: حرق هذه المخطوطات والتخلص منها، وهذا مستحيل أن يتم، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9)، إذا فهناك قدر من الله بحفظ هذه المخطوطات ولا سبيل لحرقها.
الحل الثاني: إخفاء هذه المخطوطات عن أعين الإنس، وذلك بقوة السحر، إلى أن يأذن الله بخروجها على يد من يشاء من عباده، خاصة وانه يجب خروجها قبل ظهور المهدي عليه السلام وقبل نزول المسيح عليه السلام ليحكم بها بالعدل والقسط، وإلا فكيف يحكم بالعدل في غياب جزء من السنة؟!
على أي حال يجب أن نبحث الآن عن دليل إدانة للسحرة بأن لهم دور في الحصول على المخطوطات الإسلامية، وأن هناك فئات مشبوهة كانت تمولهم من أجل الحصول عليها، وأصابع الاتهام تشير إلى دور المستشرقين، أو بمعنى أصح (المنصرين) أو (المبشرين) على حد زعم هؤلاء الفئة، فهل المنصرين والمستشرقين كانوا سحرة؟
محاولة تنصير السلطان الكامل الأيوبي:
القديس الإيطالي الجنسية مؤسس (رهبنة الفرنسيسكان) فرنسيس الأسيسي st. Francis of Assisi (1182ـ 1226م)، ويطلق عليه اسم (فرنتشسكو الأسيزي)، عرض بكل جرأة استخدام (مواهب الروح القدس) في تنصير السلطان الكامل الأيوبي، أليكسي جورافسكي يقول: (وقد قام فرنسيس ذاته برحلة تبشيرية إلى مصر في سنة 1219م، حيث وصل إلى دمياط في زمن الحملة الصليبية السادسة (بقيادة جان دي بريين) في عهد الملك الكامل الأيوبي، وبعد حصار دمياط الذي لم ينجح، وفي الفترة التي عقدت فيها الهدنة بين الجانبين (الفرنجي الصليبي والإسلامي)، وسار الأسيسي (فرنسيس) مع زميل له يدعى إلوميناتو قاصدين معسكر المسلمين، وطلبا مقابلة السلطان (الكامل الأيوبي) في تشرين الثاني 1219م. فقادهما الجند إليه. وأخذ فرنسيس يشرح معنى الثالوث للملك الكامل، الذي أصغى إليه برحابة صدر حيث لم تكن المسيحية غريبة عليه، إذ كان ملكًا مثقفًا فضلاً عن معرفته بأحوال المسيحيين القبط في مصر، وأيضًا بسبب اختلاط الغرب بالشرق في أثناء الحروب الصليبية. وقد قدر الملك الكامل هذين الراهبين المسالمين المتواضعين، اللذين لا يحملان السلاح. وإذ شعر الأسيسي برحابة صدر الملك المسلم وتسامحه الكبير، بادر من طرفه بدعوة الملك إلى اعتناق المسيحية، مع استعداده للبقاء إلى جانبه لكي يعلمه حقائقها ويقال إنه سأله أن يقيم تجربة النار وأنه مستعد لأن يدخل النار مع بعض رجال الدين المسلمين، وإذا لم يحترق فرنسيس الأسيسي فعلى الملك الكامل عندئذ أن يؤمن بالمسيحية. وبطيعة الحال لم يقبل الملك الكامل التحول إلى المسيحية، لأن إيمانه بالإسلام وعقيدته لم يكن أقل من إيمان فرنسيس بالمسيحية).( )
فبعد جدال عقيم جعل من نجاته من الحرق معجزة، ودليلاً على صحة معتقده، وبطلان معتقد المسلمين، وطبعًا هذا ليس من خوارق العادات، ولكنه من فوائقها، فالمشي على الجمر وابتلاع النار هو من السحر، وبالتأكيد إذا جارى السلطان الكامل لاحترق الشيوخ، ولنجا المنصِّر فرنسيس بفضل السحر، وحقيقة القديس فرنسيس الأسيسأنه ساحر متمكن من صنعته، وما يؤكد اتصاله بالجن (أو الأرواح كما يحلو لهم أن يسموهم)، وما مواهب الروح القدس إلا السحر بعينه، يمارس بالاستعاذة بالجن النصراني، فالشيطان لن يعين منصرًا، هذا برغم ما يؤديه من خدمة إضلال البشر، وأدلة الإدانة تشير إلى هذه الحقيقة، والتي يشهد بها الإنس والجن معًا.
فبحسب ما ذكره هانن سوافر نجده يقول: (إن عددًا من القديسين مثل القديس فرنسيس الأسيسي st. Francis of Assisi، وسانت تريزا st. Theresa الأسبانية، وجان دارك Joan of Arc وجمع غفير آخر أصبح قديسًا بعد حياته الأرضية، أما قبل ذلك فكانت مواهبهم الروحية عادة محلاً للامتهان. وبعضهم كان يعطى رسائل روحية لمدى آماد طويلة، والبعض الآخر كان يرفع إلى فوق بدون وسيلة مادية، بل منهم من أعطي كتابة مباشرة كما فعلت القديسة تريزا). ويستطرد سوافر فيقول: (ولكن حيث فشل القديسون في إعطاء أدلة تقبل التحقيق على دوام الحياة بعد الموت، نجحت فتاتان ريفيتان أميتان. وكان مما ورد إليهما من عالم الروح (الجن): (لقد أعطينا الأدلة على ذلك فيما مضى للملوك، لكنهم استخدموها لزيادة سلطانهم الخاص (الإشارة إلى ملوك العهد القديم). كما تلقاها الكهنة كيما يحولوها إلى مجرد معتقدات. ثم شيدت الطبقات العالية عن طريقها وسائل للأبهة وللعظمة، ولذا تخيرنا في هذه المرة فتاتين غير مثقفتين، وعن طريقهما ستنتشر المعرفة الجديدة إلى العالم كله)).( )
فبغض النظر عن كلام الجن، والذي يتضمن حدوث اتصالات بين فئات ذات سلطة وسيادة، وإساءة هؤلاء الفراد استخدام ما حصلوا عليه من معلومات عن خصائص الجان حيث استخدموها في إثراء أنفسهم، فهذا يؤكد لجوء المنصرين إلى استخدام السحر في عمليات التنصير، بهدف زيادة نفوذهم وتوسيع سلطاتهم، وهذا أحد أهم الأهداف غير المعلنة من عمليات التنصير، ويتم الاستعاذة بالجن من جهتين. الأولى: السيطرة على وظائف مخ المنصَّر، والتحكم في جسده لا عقله، والثانية: إبهاره بالفوائق واستغلال جهله بحقيقتها، فهذا السلطان الكامل رجل على علم ووعي وثقافة أدرك ما سيقدم عليه هذا المنصِّر الماكر، فكيف الحال إذا مورست مثل هذه المواهب الشيطانية مع أحد السذج؟ لذلك نقول ونؤكد أن المعجزات ليست دليلاً على صحة الادعاء، فمن الممكن لأي ساحر أن يحاكي المعجزات بالفوائق، تمامًا كما سيفعل المسيح الدجال، فلا يمكن أن نؤمن بالدجال لأنه سيقدم بعض ما أشكل على عقولنا إدراكه.
إغماء فتيات مصر:
ومن الممارسات التنصيرية التي استعيذ فيها بالجن للسيطرة على مخ المنصَّرين، ما حدث في أوائل التسعينات من حالات الإغماء الكثيرة التي اجتاحت فتيات مصر، حيث كان يحدث إغماء جماعي للفتيات في المدارس، مما أثار المسؤولين من وسائل الإعلام، وأجهزة الدولة ومجلس الشعب، كان وراء ذلك حدثا هامًا جدًا.. وفي ذلك يقول أبو إسلام أحمد عبد الله: (فهو ذلك المهرجان الكنسي الذي بدأ يوم الجمعة الموافق 13/19/1991م، واستمر ثلاثة أيام متتالية في قاعة المؤتمرات الدولية بمدينة نصر بالقاهرة. ثم ذلك الإعلان الصحفي الذي نشر في باب الاجتماعيات بصحيفة الأهرام المصرية على لسان الأنبا شنودة وقيادة الكنيسة المصرية، صباح الاثنين 16/9/1991م، ويعلن براءة الكنيسة المصرية من هذا المهرجان، ويدين القائمين عليه، والممثلين في شخص الراهب. دانيال البراموس).( )
(كان المهرجان يبحث في تكريس حرية كل من ينتمي للمسيح الرب (!) أن يستخدم الجن والشياطين، في إغماء الفتيات، بدعوى أن ذلك من قدس أقداس الكنيسة، الذي بدونه لو مات الأنبا شنودة ما دخل ملكوت السماء. وكانت فتيات المسلمين، هن ضحية تجريب ما تم بحثه ودراسته في المهرجان المشبوه، الذي عقد بمباركة بعض مسئولي الدولة المجهولين، رغم أنف الكنيسة الرسمي. دون اعتبار لما حدث من فتنة)،( ) فعجزهم عن تمييز صلة هذه المواهب المزعومة بالروح أو بالشياطين، ناتج عن عدم قناعة بعضهم بمصداقية صلتها بالروح القدس، مما حدى بالبعض إلى الخروج عن طوق السرية، والجهر بحقيقة ممارساتهم، رغم مخالفة ذلك لنص الكتاب المقدس لديهم. يقول الأنبا غريغوريوس: (لا تلتفتوا إلى الجان، ولا تطلبوا التوابع فتتنجسوا بهم أنا الرب إلهكم) [اللاويين 19: 31]، وفي قوانين الكنيسة نصوص تمنع اللجوء إلى السحرة، ولو لفك السحر وإبطاله، وتعده كخطيئة عبادة الأوثان، وهي أيضًا جريمة الخيانة العظمى، لأنها الاحتماء بعدو الله).( )
فرغم هذا التحريم؛ فقد بلغ الأمر ببعضهم أن حاولوا في هذا المهرجان الخروج على قوانين الكنيسة وإقرار ممارسة السحر، والاستعانة بالجن والشياطين، سواء سرًا، أو علنًا. وسنجد أنه بالصعوبة بمكان ضبطهم، وحصر جميع ممارساتهم، لمطابقتها ومضاهاتها بطقوس السحر، وأساليبه المعروفة لدينا، فحرصًا منا على الموضوعية والمنهجية العلمية، فلن نأخذ الناس بالشبهة والظنون، خاصة وأنهم ليسوا جميعًا يمارسون هذه المواهب المزعومة، ولكن فئة خاصة منهم، ممن يزعمون أنهم (قديسين)، من الباباوات، والكهان، والرهبان، والقساوسة، نستطيع أن نستشف ذلك من سبب إقامة هذا المهرجان المشبوه، فقد كان وراء المهرجان السابق (تيار فكري يسود حركة اسمها (الكاريزماتيك)، و(كاريزما) معناها (موهبة)، و(كاريزماس) معناها (مواهب الروح القدس). (Charismatic Movement) وهى الحركة التي ينال فيها كل إنسان (مواهب الروح) وأهمها: التكلم بألسنة، والسقوط على الأرض. والمقصود بالمواهب، قدرة النصراني على الإتيان بممارسات وأفعال فوق قدرة البشر العاديين، يستعين فيها الممارس بقوى غير مرئية، ولا خلاف عندهم حول فعل الممارسة في ذاته، إنما الخلاف في إدعاء كل طرف من أن القوى التي يستعين بها هي من الروح القدس. بينما قال الطرف الآخر هي من الشيطان، وفى المكتبات الكنسية مئات الكتب عن هذه المواهب لرؤساء وخدام الكنيسة، يسمونها معجزات).( ) [/align]
|