|
عضو ذهبي
|
المحور التاسع
مغالاة الرقاة ودجل المعوذين في المنظور الطبي
قال د. لطفي عبد العزيز الشربيني: " يرجع الاهتمام بالعوارض النفسية إلى قرون بعيدة فقد وصفت بردية إيبرس Ebers Papyrus على سبيل المثال بعض الاضطرابات النفسية وطرق علاجها في عهد قدماء المصريين, وقد كان العلاج في مصر القديمة يتم عن طريق الإيحاء بواسطة الكهنة مع اللجوء للترويح والموسيقى واستخدام الأعشاب، أما في العصور الوسطى فقد كان المرضى العقليين يعاملون بقسوة نظراً للاعتقاد بأن أرواحاً شريرة تتلبس أجسادهم فكانوا يتعرضون للضرب والحرق والإغراق، ولم تنشأ المصحات والمستشفيات العقلية إلا حديثا حيث تغيرت أساليب المعاملة وبدأ استخدام الأدوية الحديثة في العلاج, والطب النفسي Psychiatry تخصص حديث لا يزيد عمره عن عقود قليلة أواخر القرن العشرين, وهو يهتم باضطرابات الوظائف العقلية مثل التفكير والسلوك والوجدان, وبخلاف الأمراض العضوية التي امتدت دراستها لفترة أطول واشتهر الكثير من حقائقها بين الناس مازالت الأمراض النفسية تنسب في الأوساط الشعبية إلى المجهول"[22].
وقال د. إسماعيل الدفتار: "إن الله تعالى قد أخبرنا في القرآن الكريم في عدة آيات عن الحسد كما أخبرنا الرسول عليه السلام في عدد من الروايات بأن العين حق, ولكن بعض المعالجين يطلقون الأحكام ويدعون أن هذه حالة عين (حسود) بعينها, فهذا رجم بالغيب لأن العين من العلم الذي لا يعلمه إلا الله تعالى وحده وعلي المعالج أن يرقي أو يقرأ علي الحالة دون تعيين, والسحر أيضا من الغيبيات.. (ولكن) أصبح معظم المعالجين يطلقون كلمة السحر علي كثير من المرضي دون علم, والرسول ذاته عندما سحر (وفق ما ذكره المحدثون) لم يكن يعلم بما هو عليه, ولما جاءه الملكان ووقف أحدهما عند رأسه والآخر عند قدميه, فقال أحدهما لصاحبه: ما بال الرجل؟, فقال مطبوب, فقال من طبه؟ أي من سحره, قال لبيد ابن الأعصم.. في بئر.. وكان الرسول صلي الله عليه وسلم يستمع إليهما فأمر نفرا من الصحابة أن ينزلوا البئر ويخرجوا منه السحر.., فهذا رسول الله الكريم بعث الله له الملائكة لتخبره أنه مسحور فمن يخبر أمثالنا بما حل به من مرض!, أما قضية المس فقد خاض فيها المعالجون وتوسعوا فيها لدرجة أن بعضهم من جهلهم بالرقية الشرعية يعتبر كل ما يلم بالإنسان يكون بسبب الجن وهذا يعد عبثا بالمفاهيم.., ويبدأ المعالج بقراءة القرآن وبطبيعة الحال عندما يسمع المرضي القرآن فإنهم يتأثرون.. (و)هذه الأفعال.. يراها الدين والعقل الواعي دجلا وافتراء وأكاذيب.. (وتذرع) باطل بكتاب الله وسنة رسوله"[23].
وقال د. محمد المهدي: "كثيرا ما يجزم الطبيب بثقة بأن حالة مرضية ما هي نفسية الأصل بينما يتوهم الراقي أنها حالة مس من الجن علاجها القراءة وإخراج الجن ووضع التمائم والتعاويذ.., فإن أنكر الطبيب.. يصطدم بمعتقدات المريض وأهله وإن وافق فهو يثبت نوع من التفكير السحري تضيع في سراديبه الحقائق الطبية والدينية معا..، وقد ثبت أن 70-80% من المرضى النفسيين في المجتمع المصري يترددون على المعالجين الشعبيين طلبا للعلاج، وطبقا لتقارير المركز القومي للبحوث ( سبتمبر 2003 ) فإن في مصر وحدها حوالي مليون مواطن يعتقد أنه ممسوس بالجن وثلاثمائة وخمسون ألف شخص على الأقل يعملون في مجال العلاج بإخراج الجن ويطلق على كل منهم لقب شيخ ابتداء بلا حاجة لدراسة شرعية, ولم يعد الأمر يقتصر على المستويات الشعبية وإنما امتد ليشمل مستويات تعليمية عالية تصل إلى مستوى أساتذة الجامعات خاصة حين يصطبغ العلاج الشعبي بالصبغة الدينية أو يتستر وراءها.., (و)اختلطت الحقيقة بأضعافها من الخيالات والأوهام وعلق كل شيء في عقول العامة ونسبة غير قليلة من الخاصة على الجن والسحر والحسد.. حتى أصبح الإيحاء بالتخليص من الجن وظيفة رائجة.., والجن حقيقة شوهتها الشعوذة, فهذا الكون الذي نعيش فيه قد يحوى الكثير من القوى التي نعجز عن إدراكها..، وقد جاءت الأديان كلها وحدثتنا عن الجن, ومن هنا جاء خوف الإنسان من هذه القوة الخفية التي يمكنها أن تؤثر عليه دون أن يراها أو يملك وسيلة لدفعها، وهذا الخوف قد أحاط موضوع الجن بالكثير من الحكايات والأساطير, فأستغل الدجالون والمشعوذون هذا الخوف وضخموه وأقاموا على أساسه ممارسات أسطورية وسحرية جعلت لهم سلطانا وأحاطوها بمسحة دينية تمنحهم مزيد من المهابة وتقيهم تتبع السلطات, وقد أدت الاكتشافات الطبية الكبيرة في مجال الأمراض النفسية إلى تبين أن ما كان ينسبه الأولون من حالات نفسية إلى الجن أصبحت الآن مفهومة مثل الهستيريا.. وهذه الحالات تصيب الشخصيات غير الناضجة انفعاليا والقابلة للإيحاء.. فيحدث أنه في مواجهة ضغوط معينة كعدم تكيف زوجة في زواجها أن يحدث انشقاق في مستوى الوعي فتحدث حالات الإغماء أو الصرع الهستيري فتتصرف كأنها شخص آخر ويتغير صوتها لتعبر عما لا تستطيع التعبير عنه في الحالات العادية فيقوم المعالج الشعبي ببعض أساليب الإيحاء في جو من الغموض أو يؤلمها بالضرب فتفيق من الانشقاق الهروبي بسرعة تثير دهشة العامة وتزيد من ثقتهم به، ولكن الأعراض ما تلبث أن تعود عند أول ضغط نفسي أو اجتماعي، وقد يتمادى المريض في أعراضه ويطورها بعدما عرف من إيحاءات عن تلبس الجن له فيعود أهل المريض به إلى المعالج توهما بقدرته على الشفاء مستسلمين طائعين لتوجيهاته, قال الشيخ محمد متولي الشعراوى: (يريد الله سبحانه وتعالى أن يزيل خوفنا من أن يصيبنا ضرر من هذه القوى التي ترانا ولا نراها فيطمئننا بأنه جل جلاله يحفظنا ويرعانا.. لا ينام ولا يغفل.. قيوم على كونه.. أي قائم عليه في كل ثانية.. فيقول جل جلاله: "اللّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ" البقرة 255, ثم يريد الحق تبارك وتعالى أن يزيد اطمئناننا فيقول لنا أنه عز وجل هو خالق السماوات والأرض ولذلك فإنه لا يوجد من خلقه من يستطيع أن يخرج عن مشيئته فالمخلوق خاضع خضوعا تاما للقوانين التي أرادها له الخالق لا يمكنه أن يتمرد عليها وذلك حتى لا نخشى أن يتمرد مخلوق من مخلوقات الله ويفعل شيئا لم يأذن له به خالقه.. فيقول جل جلاله: "لّهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ" البقرة 255, ونظراً لكثرة الممارسات المؤسفة والخاطئة في هذا المجال فقد أعلن معظم الأطباء استنكارهم لما يحدث, وامتد الاستنكار ليشمل أمورا حقيقية ثابتة في الكتاب والسنة ولكنها أحيطت بأخطاء المشعوذين ومبالغات العامة وأوهامهم.., فقد قال الله تعالى: "الّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ" البقرة 275, قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية ما نصه: أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع هاله صرعه وتخبط الشيطان له وذلك أنه يقوم قياما منكراً, وقال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق, وقال الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان عن صفية رضي الله عنها: (إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم), إذن هذه النصوص تدل على إمكانية تأثير الشيطان في الإنسان مع إعطاء صورة الجنون أو اضطراب الحركة والتصرف), ولكن المدعين العلم بأسرار الجن قد بالغوا في هذا الأمر فادعوا أن كل الأمراض هي مس من الجن أو تأثير سحر إما بقصد أو جهل, وهكذا انتشرت العرافة والكهانة بصورة جديدة تخفى نفسها خلف آيات من كتاب الله يظلون في حمايتها وتزداد قوة تأثيرهم, وقد روى مسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل)، وفي الحديث علق الرسول عليه الصلاة والسلام البرء بموافقة الداء للدواء وهذا يؤكد فكرة تخصيص العلاجات للأمراض المختلفة فليست كل الأمراض تعالج بنفس الطريقة كما يفعل بعض المعالجين الشعبيين فيتبعون نفس الطرق في كل الحالات, وفى قوله عليه الصلاة والسلام (أنتم أعلم بأمور دنياكم) توجيه إلى إعطاء كل شيء لمن تخصصوا فيه وعلموه بالدراسة والتجربة والتمحيص, وقد روى عمرو بن دينار عن هلال بن يساف قال : دخل رسول الله على مريض يعوده فقال: "أرسلوا إلى طبيب" فقال قائل: وأنت تقول ذلك يا رسول الله؟ قال: " نعم إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له دواء", وقال ابن القيم في الطب النبوي صفحة 66: "الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية وصرع من الأخلاط الرديئة والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه", ولكنه رحمه الله لم يذكر كيفية التفريق بين النوعين، وله العذر فلم تكن في عهده وسائل تشخيصية كرسم المخ الكهربائي، ولم يكن موضوع الأعراض الانشقاقية والتحولية (الهستيرية) Conversion (Hysterical) Disorders معروفا في ذلك الوقت.., وقد تمادى الكثيرون ممن لا يعلمون في هذا الأمر شيئا فاعتبروا كل الأمراض تلبس جن واعتبروا أنفع الوسائل هي الضرب المبرح أو الخنق أو الكي أو إيذاء المريض بحجة إيذاء الجن المتلبس وقد حدثت مآسي كثيرة مثل الانتهاك للحرمات أو وفاة بعض المرضى كما حدث لامرأة ضربت حتى ماتت وشاب آخر مات تحت وطأة الضرب بحجة إخراج الجن, ومن خلال عملي في مجال الطب النفسي رأيت مدعى إخراج الجن يعالجون حالات مرضية نفسية وأحياناً عضوية معروفة للمختصين وليس فيها غموض حتى تنسب للجن ومع ذلك يصرون على تلبسها بالجن, وهذه الحالات ساءت كثيرا بسبب ما توهمت من خيالات وصاروا يعانون من اضطرابات نفسية إضافية نظرا لخوفهم من هذه القوى الخفية, وقد استقر في وعي الكثيرين اليوم تسلط القوى الخفية وقوة تأثيرها فنسبوا إليها كل عرض نفسي أو عضوي وراحوا يطلبون العون عليها من ممن لا يملكون حلا لمشاكلهم هم ويحيدون عن كتاب الله لا كبينات تخاطب العقل والوجدان فيستجيب مما أدى إلى نشر التفكير السحري بين الناس وتوقع الحلول السحرية لمشاكل يومية واقعية كانت تحتاج لبذل جهد حقيقي من المريض وأسرته ومعالجة لمشكلات تخص المجتمع بأسره, وقد يستخدمون بعض وسائل ربما تودي بالحياة مثل الخنق والضرب والحرق والصعق بالكهرباء, يقول الشيخ عبد العزيز الحمدان: (إن هناك أساليب خاطئة يتبعها البعض مثل حرق أيدي النساء بالنار أو بجهاز كهربي أو الخنق والضرب بحجة إخراج الجني من الدم وإني أعجب من هذه الأساليب، فهل هذا نقص في الاعتقاد بأن كلام الله ليس كاف في العلاج أم هي رغبة في التأثير على ذلك الجني بالرهبة والضرب، وهنا أقول إنه يكفي كلام الله رهبة ، فلو نزل على جبل لزلزله وتصدع), ومن الضروري الجمع بين أخذ الدواء الذي يصرفه الطبيب المتخصص وبين الدعاء وقراءة القرآن والرقية الشرعية, ولا تزيد المعالجة في إطار الكتاب والسنة عن قراءة المعوذتين وآية الكرسي وباقي أدعية الصباح والمساء وبتقوية العلاقة بين الإنسان وربه دون الحاجة إلى وسيط, وهذه الأدعية يقرؤها المريض نفسه أيا كان نوع مرضه أو يقرؤها عليه أحد أقاربه أو أصدقائه ولا يكون هناك شخص يتولى هذه المهمة ويتخذها وظيفة وإلا أصبحت كهانة صريحة, ولم أجد أجمل من كلمات فضيلة الشيخ الشعراوى رحمه الله لإيجاز هذا الموضوع: (إذا كان إيماننا قويا بالله واتجهنا إليه سبحانه وتعالى نستعيذ به فانه جل جلاله يقينا شر هذا كله, ولكن الذي يبقى فعل هذه الأشياء أننا لا نلجأ إلى الله جل جلاله فإذا أصابنا ضرر فإننا نحاول أن نلجأ إلى قدرات البشر، فإذا أصيب الإنسان بضرر السحر فإنه ينتقل من ساحر إلى ساحر يحاول أن يبطل أثر السحر مع أنه لو اتجه إلى الله تبارك وتعالى بقلب مخلص فإن السحر يبطل فعله وكذلك الحسد), وعلى الجانب الآخر فقد بالغ بعض الأطباء في استنكار ما يحدث وإنكار تأثير الجن والسحر والحسد بالكلية, وقد منقول
اعتقد الكثيرون منهم أنه لم يعد هناك شيء بعيد عن البحث والتجربة الملموسة والواقع الحقيقي ولكن مازلت أسباب كثير من الأمراض النفسية في مجال النظريات ومازالت هناك مناطق شديدة الغموض, وفي النهاية أرجو أن يكون الميزان قد اعتدل بين ما هو طب ملموس وبين ما هو غيب نعتقده بعيدا عن الخرافات والأوهام والدجل؛ فالإسلام دين الحقيقة والوسطية والاعتدال"[24].
وقال د. قاسم حسين صالح: "تُعزى حالات الاضطرابات العقلية أو الذهان Psychosis علميا مثل مرض الفصام Schizophrenia إلى تغيرات وظيفية في المخ بينما تسمى في المعتقدات الشعبية بالجنون وتعزى إلى الجن والأرواح الشريرة ولذا يتنافس المعوذون في ابتكار وسائل تعذيب لطردهم, والوهم بتهجم الجن والحاجة للعرافين موروثة في اللاوعي لذا يعمر سوق المعوذين كمؤشر لتزايد الضغوط التي تقدح زناد الاستعداد الوراثي للمرض, ولكنهم يفشلون غالبا في التأثير الإيحائي على مرضى الذهان بينما قد يستجيب مرضى العصاب Neurosis للإيحاء لقناعتهم ابتداءً بإصابتهم بالجن, وأما الرقاة بالقرآن فهم في الحقيقة يمارسون نوعا من العلاج النفسي وإن سميناه بالروحي كان الأولى أن يتم برعاية الدولة تحت إشراف طبي فينحسر نشاط الجهلاء والدجالين المتاجرين باسم الدين, ففيه استنهاض لإرادة المريض وقوى الشفاء الذاتي خاصة مع توجيهه نحو الصلاح وتقوية الإيمان والالتزام الديني ليكون الدافع ذاتي, ومجرد الاستماع إلى شكواه تنفيس Abreaction"[25].
وقال د. وائل أبو هندي أستاذ الأمراض النفسية بجامعة الزقازيق: "العلاج بالقرآن لا يصح إلا عندما نتحدث عن طريق الفهم لما فيه وليس ليكون تعاويذ للتأثير علي الجن.., والقرآن يستطيع أن يمد المسلم بالعديد من المعاني التي تريح القلب والروح وليس للاستخدام في علاج الأمراض التي عرفت أسبابها وطرق علاجها ولابد لأمة المسلمين أن تنتبه إلى ضرورة الفصل بين عالم الغيب وعالم الشهادة.., يجب أن نتعامل من خلال المنطق والمعطيات لدينا, ومثال ذلك إذا قلنا أن أحدهم وهو يجري نظر إليه أحد أصدقائه وقال ما أجمل ساقيه فوقع الشاب وانكسرت ساقه, فمن الممكن أن نفسر هذا تفسيرا غيبيا علي أنه حسد, فهل يكون علاجه بالرقي وقراءة القرآن دون اللجوء إلى طبيب عظام مثلا, والأمثلة عديدة علي هذا المنوال في كافة الأحوال التي نعيشها, إذن نستطيع أن نقول أن حياة المسلمين فيها العلاج الروحي كالعلاج بالقرآن وليست لأمراض بعينها نعرف لها أسبابا, وقد كان الشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه لا يؤمن ببما يدعونه من التداوي بالقرآن وحفز المرضي إلى اللجوء للأطباء.., ومن طبيعة الأمراض النفسية أن تتسم أعراضها بالغرابة, فالمريض لا تظهر عليه علامات المرض الجسدي المعروفة.. ولكنه يسلك سلوكا غريبا فيميل بعض الناس إلي تفسير هذا السلوك غيبيا حسب معتقداتهم"[26].
وقالت د. إجلال حلمي أستاذ الاجتماع بجامعة عين شمس: "السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي دفع الناس الآن إلي اللجوء لمثل هذه الأمور بعد أن توصل العلم والطب إلي علاجات متقدمة في حالات مستعصية علي المستوي النفسي والجسدي؟, أري أن الحالة الاقتصادية تتحكم بشكل أساسي في لجوء طوائف عديدة من الناس في المجتمع المصري خاصة والعربي بصفة عامة ونظرا لارتفاع أسعار الأدوية.. إلي من يدعون القدرة من الدجالين علي شفاء كافة الأمراض عن طريق الاستعانة بكلام الله وقرآنه الذين وجدوا في هذه الطريقة مساحة وفرصة سانحة للترويج لتجارتهم التي اعتمدت علي وسائل عديدة بعيدة في مضمونها كل البعد عن الدين, وفي هذا العصر الذي عمت فيه البلوى وطمست الحقائق جاء هؤلاء المعالجون بأدعية لم تكن علي عهد الرسول وعهد الصحابة رضي الله عنهم ولا علي عهد التابعين فتجاوزوا أسلوب الدعاء, كقولهم: اللهم أبطل اليمن وسحر السودان وسحر كذا وكذا.., (و)يتفق المعالج مع بعض العطارين فيقرأ علي الماء بكميات كبيرة ويضعها عند العطار ليبيعها باسمه حتى أصبح لكل شيخ زبائنه الذين يطلبون وصفته.. ومن ثم يتحول الأمر إلي خطر علي العقيدة وليس رقية شرعية, حيث ذكر الرسول عليه أفضل الصلوات: (من تعلق قلبه بشيء فقد أوكل إليه), هذا بالإضافة إلى الممارسات الخاطئة لبعض المعالجين كالمبالغة الشديدة في طريقة الخنق.. مما يعرض حياة المرضي للخطر"[27].
وقال د.محمود جمال أبو العزائم: "يعتبر مرض الصرع Epilepsy من أكثر الأمراض العصبية انتشارا في العالم حيث يصيب 1% من الصغار والكبار، ومن أعراضه حدوث نوبات غياب عن الوعي قد تكون شديدة أو خفيفة وفي حالة النوبة الكبرى يسقط المريض على الأرض في حالة تشنج يهتز لها كل جسده ويغيب عن الوعي نهائيا.., وتتكرر هذه النوبات في أي وقت وفى أي مكان, وقد كان التفسير الشائع لهذه النوبات أنها نتيجة مباشرة لمس الجن.. وظل مرض الصرع موضوعا للكثير من الخرافات والأوهام وتعرض المرضى لكثير من الممارسات غير الطبية ظنا من الناس أن الأرواح والشياطين وراء حدوثه.., (ولكن) الصرع حالة عصبية تُحدث من وقت لآخر اختلال وقتي في النشاط الكهربائي الطبيعي للمخ.., ويكون لهذه الشحنات تأثير على وعى الإنسان وحركة جسمه وأحاسيسه لمدة قصيرة من الزمن.., وقد تحدث نوبات من النشاط الكهربائي غير الطبيعي في منطقة محددة من المخ وتسمى النوبة حينئذ بالنوبة الصرعية الجزئية أو النوبة الصرعية النوعية, وأحيانا يحدث اختلال كهربائي بجميع خلايا المخ وهنا يحدث ما يسمى بالنوبة الصرعية العامة أو الكبرى.., إذن فالصرع لا يختلف عن الأمراض العضوية الأخرى فهو يحدث لأنه يوجد سبب ما في الدماغ يسبب حالة التشنج.. ونستطيع (حاليا) التوصل إلى بعض أسباب المرض باستخدام التحاليل المعملية وأجهزة الفحص الحديثة مثل رسم المخ والأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي.. ولا علاقة نهائيا بالجن والشياطين والأرواح الشريرة بهذا المرض كما كان يعتقد من قبل.., وهناك (أيضا) اعتقاد شائع بين الناس أن المرض النفسي يحدث بسبب الجن.. (ولكن) هناك مراكز في المخ لكافة الوظائف النفسية والبيولوجية للإنسان..، فهناك مركز للحركة ومركز للتنفس وكذلك هناك مراكز للذاكرة والسلوك والمزاج والوجدان.. وتتصل الخلايا العصبية بعضها ببعض بواسطة تشابكات عصبية.. تربط بينها كيميائيا, والرسائل تنتقل بين خلية وأخرى بواسطة مواد تسمى الناقلات العصبية، وزيادة أو نقص الناقلات العصبية في المخ مثل السيروتونين.. يؤدى إلى اضطراب الوظائف النفسية للإنسان, فقد وجد مثلا أن اختلاف نسبة السيروتونين يؤدى إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب, ومن هنا جاءت فكرة استخدام العقاقير التي تعيد الناقلات العصبية إلى وضعها.. إذن فالمرض النفسي مثله مثل الأمراض العضوية الأخرى له أساس عضوي ولا يحدث بسبب الجن, (ولكن) يقول البعض: لقد رأينا المعوذ وهو يضرب الجني ويكلّمه, وأقول: هناك ما يُعرف في طب النفس بظاهرة الإيحاء.. (و) نجد أن المعالجين الشعبيين وأهل الدجل والشعوذة هم من أكثر الناس قدرة على الإيحاء، ويعينهم على ذلك الضرب المبرح وتسليط صوت المسجل العالي على أُذُنَيّ المريض فيضطر إلى تقمّص شخصية مختلفة أو التكلم بكلام غريب محاولاً الهروب من الضغط الذي يُمارس ضده.., والأغلب (إذا لم يكن المريض متصنعا متمارضا Malingerer) أنه مصاب بحالة تعرف بالتحول الهستيري، حيث يتحول فيها إلى شخص مختلف يقوم بأعمال هستيرية غير راشدة، فتجده يتكلم بلهجة مغايرة فيقول مثلا أنه كافر أو عاشق, وما لا يعلمه كثير من الناس أن الطب النفسي فرع من فروع الطب مثل أمراض القلب وأمراض الجهاز الهضمي, وقد يتخفي المرض النفسي عن طريق اتخاذ صورة مرض عضوي, وهذه بعض الأمراض التي يسببها المرض النفسي: السكر وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والشرايين والربو والقولون العصبي وقرحة المعدة وآلام المفاصل واضطرابات الدورة الشهرية وبعض الأمراض الجلدية كسقوط الشعر والإكزيما وكثير من الأمراض التي يجمع الأطباء على أنه لا يمكن شفاؤها إلا من خلال مداواة النفس"[28].
وقال د. محمود أبو دنون: "بعد دراستي للحالات.. أيقنت تماما أن القضية لا علاقة لها بالجن وأنها ذات أسباب وعوامل نفسية محضة, وتلك الحالات في أغلبها تندرج تحت ثلاث مسميات؛ حالات هستيرية وحالات ذهانية وحالات صرعية, ومما رسخ قناعتي تلك وزاد يقيني.. مشهد لأحد القساوسة وهو يعالج ويخرج الجن بالصليب, وكان المريض يستجيب وتنتابه حالات هستيرية من الصراخ والهيجان مما يدل على دور الإيحاء.., (وأما) ما يشاع في أوساط الرقاة من حضور الجني المتلبس ونطقه على لسان الإنسي الملبوس فلا وجود لشخصية أخرى غير شخصية الإنسي, والذي يتكلم وينطق ويخاطب هو العقل الباطن للشخص المريض (إن لم يكن مدعيا), وفي الحقيقة لا يوجد أي دليل على وجود هوية كائن آخر فلا يمكن للمريض أن يقدم في حال تلبسه كما يقولون أية معلومة لا يعرفها الشخص نفسه, وقد تكون تلك المعلومة موجودة ولكنها اختفت وانطمرت في العقل الباطن فيقوم باستدعائها, وذات يوم أحضروا لي مريضة وقالوا إن الجني المتلبس بها يتكلم العبرية مع أنها لا تعرف العبرية مطلقا, وحضرت المريضة نفسها لاحقا واعترفت أنها كانت تتعلم العبرية في كتاب (تعلم العبرية من غير معلم), فكل هذه الأعراض ناتجة عن أمراض نفسية ولا يوجد أي دليل على وجود شخصية أخرى ذات هوية مستقلة أو معرفة متميزة عن معرفة المريض.., ويمكن تصنيف كل تلك الحالات ضمن تصنيفات الطب النفسي ولم أجد حالة واحدة يمكن أن يقال أنها شاذة.., والشخصيات الهستيرية هي أكثر الشخصيات استجابة لتأثير الإيحاء, وأستطيع الجزم بأن الرقاة يمارسون الإيحاء ربما دون أن يعلموا.., والعلماء الشرعيون ليسوا على رأي واحد.. والأدلة التي يوردها المثبتون غير قطعية الدلالة.., وترجع أسباب انتشار الظاهرة بين المسلمين إلى سوء تفسير النصوص الشرعية وضعف الثقافة الطبية, وإذا كانت هناك حالة مرضية فالأصل أن تعرض أولا على الأطباء, ولا بأس حينئذ من بالاستشفاء بالقرآن لتسكين النفس وتقويةً الإرادة واستنفار قوى الشفاء الذاتي مع تدبر معانيه وإتباع تعاليمه باعتباره منهج للحياة"[29].
المحور العاشر
محصلة الدراسة الميدانية
قد ثبت أن للقرآن الكريم قوة شفائية بالتجارب المعملية في مؤسسة العلوم الطبية الإسلامية في مدينة بنما سيتي بأمريكا؛ قال د. أحمد القاضي: (أثبتت التجارب أن له أثرا مهدئا خفف درجة توتر الجهاز العصبي في 97% من الحالات)"[30], ولكن مع إجراء تلك التجارب على غير مسلمين وغير ناطقين بالعربية يمكن القول أنها لا تتعلق بدراسة التأثير الإيماني واستنهاض عوامل الشفاء الذاتي وإنما ترجع لتأثيرات مهدئة ثانوية محدودة الأجل مثل الاسترخاء والإيحاء والإيقاع, واحتمال التأثير السحري للقرآن الكريم غير وارد مع إجماع علماء الإسلام على إنكار "الصرفة" كتأثير صارف عن استجابة العرب لتحديه, ولذا كان هذا البحث كتجربة ميدانية في البيئة الإسلامية لرصد أي تأثير طويل الأمد يمكن نسبته إلى التحفيز الإيماني واستنهاض عوامل الشفاء الذاتي خاصة مع قصر الشفاء في القرآن الكريم على المؤمنين وحدهم؛ قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} الإسراء 82، وقال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء} فصلت 44, ,والكرب والمرض عند المؤمنين تذكرة تدفعهم للدعاء والاستغاثة بمفرج الكروب وتلاوة آيات الكتاب العزيز أو استماعه فتطمئن قلوبهم راضين بالقدر ويسلموا من الانهيار, فينبغي إذن النظر إلى الرقية الشرعية كدعاء يلزمه اليقين بلا تفريط في العمل بالأسباب لا أن تكتب الآيات بالزعفران مقطعة الحروف لتعلَّق كحجاب وتشرب وترش بالأركان مذابة في الماء لإبعاد النحس, قال تعالى: {وَقَالَ رَبّكُـمْ ادْعُونِيَ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنّمَ دَاخِرِينَ} غافر 60, وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة 186.
نماذج من الحالات والممارسات:
· حالة رقم (1): أنثى تعمل مع زوجها خارج بلدها الأصلي وتترك شقتها مغلقة طول العام وتخاف أن يسكنها جني في غيبتها؛ علاج حالتها هو فتح الراديو على إذاعة القرآن الكريم ليل نهار طول العام حتى عودتها.
· حالة رقم (2): قريبة فني توصيلات تكرر حضورها معه تشتكي من آلام تصاحب الدورة الشهرية فشخصت حالتها انتقام لقتلها طفل من الجان والعلاج هو الصلح مع أسرته, أما قريبها فقد تحول إلى معالج مستقل.
· حالة رقم (3): اتصلت إحداهن شاكرة فاستفسر المعالج إن بقيت شكوى, فأكدت له تحسن حالتها ولكنها تعتب عليه لماذا أخبر زوجها أنه يعرف أنها قد عملت له سحرا ليتعلق بها فطلقها منذ أيام ومعها منه ثلاثة أبناء.
· حالة رقم (4): ادعت إحداهن آلام متنقلة فكان التشخيص عاشق جني يسكن الجسد يطرده شريط قرآن مسجل بوضع سماعات الآذان لساعات على الأيدي والأقدام وكلما انتقل الألم انتقلت السماعة حتى مل الجني وهرب.
· حالة رقم (5): أراد أهل إحداهن أن يزوجوها فتغير حالها فجأة وقالت إنها متزوجة عرفيا من جني رئيس مافيا وتخشى أنها حامل, فقال المعالج لو ثبت الحمل فهو دليل قاطع يؤيد قول بعض العلماء بإمكان الزواج من الجن.
· حالة رقم (6): أخبرت إحداهن أن جنية تدفعها للذهاب للحمام بكثرة حيث يعيش أقاربها, فطلب كاتب هذا البحث إجراء تحليل طبي فتبين إصابتها بمرض البول السكري, ولعل الجنية تمل وتفارقها بعدما يقل ذهابها للحمام.
· حالة رقم (7): طبيبة تشكو أن زوجها نافر فكان علاجها قراءة القسم عدة ساعات على الجان أن يبتعدوا.
· حالة رقم (8): صيدلي تقدم خاطبًا فتاة فرفضته فأيد المعالج شكه في الجن وعليه قراءة القسم لساعات
· حالة رقم (9): خريجة آداب علم نفس غير متزوجة لا تشكو من شيء أرادت اختبار صدق المعالج في التشخيص والعلاج, والشكوى الزائفة هي مشاكل زوجها وعصبيته وتكرر تعطل سيارتهفكان التشخيصجني يعشقها لأنها تكثر الوقوف أمام المرآة وانتقام من زوجها لقتله بسيارته قطة كان يلبسها جان وكان علاج العشق الضرب المبرح ولم يعفها الصراخ حتى ادعت اللبس ونطق الجني على لسانها معترفا بالعشق ومصرحا بقدومه من زيمبابواى, ورغم نجاحها نظير العلقة في استدراج المعالج وكشف زيفه ولكنها استرابت في موضوع العشق.
· حالة رقم (10): جاءت إحداهن للمعالج مرارا منذ سنوات طويلة لشكاوى عديدة متكررة ولاحظت تطور أسلوبه من ضرب المريض بحذاء إلى خرطوم ماء أو خشبة واستخدام جهاز تدليك هزاز, ومن إسماع المريض للقرآن من خلال سماعات الآذان إلى إسماع الجني بوضعها مكان الشكوى حتى لو كان اليد أو القدم, وكانت ترتاح وقتيا وأخيرا تمسكت بالقرآن والتزمت بالصلاة في وقتها وصبرت على البلاء فتطاولت فترات الراحة.
· حالة رقم (11): مريض يعاوده هياج شديد إلى حد تقطيع الملابس علنا شخصت حالته طبيا على أنها اضطراب عقلي أو ذهان Psychosis وعولج بالصدمات الكهربية, ولم يفلح معه جميع الرقاة والمعوذون وصناع الأحجبة والتمائم وفشلت الكنيسة كذلك, ولكنه بإتباع برنامج الاستشفاء القائم على تحفيز الإيمان وتنشيط الإرادة تعود دخول المسجد والحفاظ على الصلوات في أوقاتها خاصة صلاة الفجر وأصبح أكثر قدرة على ضبط الانفعال.
· حالة رقم (12): خريجة كلية دراسات إسلامية أراد أهلها أن يزوجوها باعتبارها الأكبر لشاب تقدم لخطبة أختها فلما رفضت أحضروها للمعالج للاطمئنان على سلامتها من الجن, ولكنها غير مقتنعة أن الله العادل قد نقض حرية الإرادة التي منحها للإنسان بتمكين إرادة سواها لتسيطر على مشاعره وسلوكه وتؤذيه, ولو صح ذلك فلا نملك إلا الدعاء إيمانا بالله وتسليما بقدره خاصة إذا كانت من الغيبيات الواجبة التفويض بلا تعيين, وهذا هو مضمون الرقية الشرعية وما سواها جهل بالدين أو دجل, وقالت أنها قد وافقت على الحضور لمدعي غيب لم يدرس الدين لتهرب من التوبيخ وتتفرج على السذج, ولكنها تستعين بالله على جهل أهلها ولا تضيع صلاة.
الملاحظات والنتائج:
1. الدافع العام لحضور الحالات أو إحضارهن إلى العيادات الشعبية للرقاة والمعوذين هو التوهم بتأثير الجان, والتشخيص وطريقة العلاج لا تعدو تأكيد نسبة الأعراض للجان بتشخيصات محدودة مثل الانتقام لقتل صبي من الجان بصب ماء أو زيت ساخن عليه في عين حوض المطبخ بلا تسمية لتنبيهه ليرحل أو التلبس بعشق أو سحر, والعلاج هو الصلح مع أسرة المقتول من الجان أو طرد الغازي للجسد من الجان بأساليب عديدة مبتكرة من الإيحاء تناسب كل حالة.
2. الإصابة بالشلل أو البكم أو فقد الرؤية عقب مشاكل أسرية حادة علاجه هو الضرب المبرح خاصة إذا كانت الحالة أنثى ولا يعفيها الصراخ حتى تنهض وتشفى وسط ذهول الحضور الذين لا يعرفون أن تلك حالات نفسية معروفة.
3. مجموع الذكور: 49 حالة تتراوح أعمارهم من 8 سنوات إلى 62 سنة ويبلغ عدد الحالات أقصاه حول 35 سنة, وأمكن تصنيف شكاويهم جميعا على النحو التالي:
أ- أمراض أو عوارض نفسية (32 حالة): صداع وفتور وآلام عامة, فقدان التركيز, خوف, اكتئاب, إدمان, وسواس قهري, ذهان, قولون عصبي, عجز جنسي قد تصاحبه عوارض نفسية أو مشاكل زوجية (14 حالة).
ب- عوارض نفسية تصاحب مشاكل عضوية (10 حالات): ضيق في صمام القلب منذ الطفولة, جلطة في القدم, جلطة في الدماغ, ضيق شرايين القلب, بول سكري, ضغط دم مرتفع, ذبحة صدرية, صرع, ربو.
ت- عوارض نفسية تصاحب مشاكل اجتماعية (7 حالات): فشل الخطوبة أو الزواج (4 حالات), مشاكل أسرية, بطالة.
4. مجموع الإناث: 151 حالة تتراوح أعمارهن من 12 سنة إلى 80 سنة ويبلغ عدد الحالات أقصاه حول 27 سنة, وأمكن تصنيف شكاويهن جميعا على النحو التالي:
أ- أمراض أو عوارض نفسية (68 حالة): وسواس قهري, صداع وفتور وآلام عامة, فقدان التركيز, خوف, اكتئاب, قولون عصبي, أحلام بالتزوج, كوابيس, بكم عصبي, وسوسة سمعية, عمى عصبي, شلل عصبي.
ب- عوارض نفسية تصاحب مشاكل عضوية (29 حالة): إصابة الزوج بعجز جنسي أو سرعة القذف, آلام عضوية المنشأ, آلام مع الحمل, عقم, صداع نصفي, الإجهاض خاصة المتكرر, اضطراب الدورة الشهرية, استئصال الرحم, نمش بالوجه, التشنج المهبلي Vaginismus عند التزوج, أورام ليفية بالرحم, عسر هضم, ارتفاع ضغط الدم.
ت- عوارض نفسية تصاحب مشاكل اجتماعية (54 حالة): سفر الزوج للعمل بالخارج لمدة قد تتجاوز سنة (9 حالات), تأخر الخطاب, فشل الخطبة خاصة إذا تكرر, العنوسة, الطلاق, التفات الزوج عن زوجته, المشاكل الأسرية, زواج عرفي سابق تُخشى عواقبه, فرض الأهل على الفتاة زوج لا تريده, زواج الأم بعد وفاة أب الفتاة الوحيدة.
5. شعرت بعض الحالات إيحائيا عند الرقاة بتحسن وقتي بنسبة يصعب تحديدها, واختيرت 14 حالة (10 إناث, 4 ذكور) على درجة من الوعي تكفي لتطبيق برنامج التحفيز الإيماني الذاتي فاستمر التحسن لمدى أطول في 12 حالة (85%).
تحليل النتائج والتوصيات:
باعتبار كثافة السكان اختيرت منطقة دلتا النيل بمصر لدراسة ظاهرة انتشار العيادات الشعبية للرقاة, ونتيجة للخجل الاجتماعي المترسب في الأذهان من استشارة الطبيب النفسي تجنبا للاتهام بالجنون مع الوهم الجماعي بإمكان سيطرة الجان على الإنسان نفسًا وبدنًا وظروفًا وجد أن عدد المرتادين يوميا لعيادات الرقاة يفوق بكثير عدد الحالات في العيادات النفسية, وتتخفى وراء انتشارها ضغوط اجتماعية لا يملك الفرد مواجهتها فيعلق همومه على مجهول وبالاقتناع بطرده ينال الارتياح, فالمشاكل العائلية التي تصاحبها عوارض نفسية قد تكون نتيجة مباشرة للصعوبات الاقتصادية, والعوارض النفسية للزوجة التي يعمل زوجها بالخارج قد ترجع لمنع قوانين عمل زوجها استقدامها وتمنعه من السفر إليها إلا بعد عام أو عامين, وفيما يجب أن يكون عليه المجتمع المسلم لنا عبرة في قصة عمر مع المرأة التي غاب عنها زوجها أشهر قليلة في الحرب, ولذا يمكن الاستنتاج أن ظاهرة انتشار العيادات الشعبية للرقاة والمعوذين مؤشر قوي على الحالة الإيمانية والتكافلية للمجتمع.
ويرتكز المنهج العلمي لبلوغ الحقيقة على أساس التفكير التحليلي للتحقق من مصداقية الدليل وحيادية الإدعاء ومدى تطابقه مع الواقع وخلوه من الغرض وسلامته من التحريض الضمني والاستغلال العاطفي وبذلك يسلم الإنسان من الوقوع فريسة للدجل والخرافة, ولا شك أن إمكان عزو جميع الحالات المدروسة بعناية إلى أمراض أو ظواهر نفسية مصاحبة لمشاكل طبية أو اجتماعية لا يحتاج معه إلى تفسير غيبي, وليس هذا إنكارا لوجود الجن وإنما تمسكا بالمنهج العلمي في التوقف عن قبول ادعاء بغير دليل, وإذا ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام قد قام بتشخيص حالات شبيهة وعلاجها فمن يدعي أنه مثل الموصول بالوحي يعوزه الدليل, وأيدت النتائج أن للاستشفاء بالقرآن الكريم تأثير طويل الأمد في الشخصية الإسلامية الواعية يستبعد معه الإيحاء ويقوم على التحفيز الإيماني واستنهاض عوامل الشفاء الذاتي وإصلاح شامل للسلوك ومحاولة إيجاد حلول عملية لجذور المشكلات الحياتية لا التهرب بتفسيرها غيبيا والاكتفاء براحة وهمية بالإيحاء بطرد الجن, بينما الأساليب الإيحائية للمعوذين والرقاة تأثيرها وقتي طالما أنها لم تعالج جذور المشكلات وتستنهض النوازع الإيمانية وتسترد التوازن النفسي بالمساندة الطبية, والتوصية هي اعتماد الاستشفاء بالقرآن الكريم كأسلوب علاجي مساند للعلاج الطبي؛ خاصة إذا لم تتوفر معالجة تحليلية ولا يجد الطبيب النفسي في عيادته الخاصة وقتا كافيا لتفهم صراعات المريض ومشكلاته, مع ضرورة التزام الرقاة بحدود الشريعة وبالتثقف الصحي في مجال الأمراض النفسية حمايةً للمجتمع من الدجل والخرافة.
ولا شك أن إمكان عزو جميع الحالات إلى أمراض وظواهر نفسية مصاحبة لمشاكل طبية أو اجتماعية لا يحتاج معه إلى تفسير غيبي, وليس هذا إنكارًا لوجود الجن وإنما تمسكا بالمنهج العلمي في التوقف عن قبول ادعاء بغير دليل, وإذا ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام قد قام بتشخيص مثل تلك الحالات فمن يدعي أنه مثل الموصول بالوحي يعوزه الدليل, وقد أيدت النتائج أن للاستشفاء بالقرآن الكريم تأثير فعال طويل الأمد في الشخصية الإسلامية الواعية يقوم على التحفيز الإيماني واستنهاض عوامل الشفاء الذاتي وإصلاح شامل للسلوك ومحاولة إيجاد حلول عملية لجذور المشكلات الحياتية بينما الأساليب الإيحائية للمعوذين والرقاة تأثيرها وقتي طالما أنها لم تعالج جذور المشكلات وتستنهض النوازع الإيمانية وتسترد التوازن النفسي بالمساندة الطبية, والتوصية هي اعتماد الاستشفاء بالقرآن الكريم كأسلوب علاجي مساند للعلاج الطبي؛ خاصة إذا لم تتوفر معالجة تحليلية ولا يجد الطبيب النفسي في عيادته الخاصة وقتا كافيا لتفهم صراعات المريض ومشكلاته, مع ضرورة التزام الرقاة بحدود الشريعة وبالتثقف الصحي في مجال الأمراض النفسية حمايةً للمجتمع من الدجل والخرافة.
وقد بلغت نسبة الذكور 24.5% من مجموع الحالات بينما بلغت نسبة الإناث 75.5% من الحالات أي حوالي ثلاثة أمثال الذكور؛ مما يؤكد أنهن أكثر استعدادا للتأثر بالإيحاء وأقل تحملا للضغوط خاصة في فترة البلوغ ومرحلة التلاؤم في حياة زوجية, وكانت أغزر نسبة في تلك الفترة مما يؤكد وجود فروق نفسية بين الجنسين غير الفروق الجسمانية, وقد بينت الدراسات في البيئة العربية بالفعل وجود فروق بين الجنسين في سمات الشخصية Personality Traits, فالأنثى تميل إلى الخضوع (د. جابر عبد الحميد 1969) والتبعية (د. مصطفى تركي 1980) وهي أكثر قابلية للأمراض النفسية كالقلق والاكتئاب والخوف (د. محمود أبو النيل 1984, د. رشاد موسى 1989, د. أحمد عبد الخالق 1996), بينما يتسم الذكر بالجرأة والاندفاع والجدية والصرامة والنزوع إلى السيطرة والعنف وعدم إظهار الضعف (د. بدر الأنصاري 1997),
وترتبط الفروق النفسية بين الجنسين بالفروق الطبيعية وتأهيل كل منهما لدور متميز في الحياة, وعلى سبيل المثال يصاحب تغيرات المزاج Mood في الحيض تغيرات هرمونية (Ruble 1 977, Tampax 1981)[31], وهنا يتجلى إعجاز القرآن الكريم لمراعاته لتلك الفروق الطبيعية في التشريع برهانًا على أنه الحق من عند العليم بخلقه سبحانه, يقول تعالى: "اللّهُ نَزّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مّتَشَابِهاً مّثَانِيَ تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ ثُمّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ" الزمر 23.
المراجع:
[1] "العلاج بالقرآن الكريم" د. أحمد القاضي رئيس المركز الإعلامي بمؤسسة العلوم الطبية الإسلامية في مدينة بنما سيتي بأمريكا.
[2] "الشخصية المستهدفة للإصابة بالسرطان" د. بدر محمد الأنصاري قسم علم النفس كلية العلوم الاجتماعية جامعة الكويت 1996م.
[3] The Effect of Meditation on the Brain activity using a brain imaging technology called single photon emission computed tomography (SPECT).
[4] عدد من المقالات منشورة بالإنجليزية.
[5] مسند أحمد ج5ص364و371
[6] البداية والنهاية ج9ص108.
[7] Religion and the Brain, DR. MICHAEL PERSINGER, Is the Brain a Modem for God? By AMY ELLIS NUTT, The brain at prayer, Anne Blair Gould
[8] "مفاتيح تدبر القرآن والنجاح في الحياة" د. خالد بن عبد الكريم اللاحم أستاذ القرآن وعلومه المساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية, فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض ، 1425هـ.
[9] "الصلاة وأثرها على النفس والوجدان" د. إبراهيم بن حمد النقيثان مقال منشور يوم 8101427 هـ.
[10] "العلاج النفسي الذاتي بالقرآن" د. رامز طه مقال منشور بموقعه (أساليب العلاج النفسي الحديثة وتطبيقاتها).
[11] "اثر القرآن في الأمن النفسي" بتصرف قليل من مقال منشور للباحثة في العلوم الإسلامية الأستاذة ناهد عبد العال الخراشي.
[12] د. وائل أبو هندي جواب منشور في موقع إسلام أونلاين محدث الأحد 24 ديسمبر 2006.
[13] مجلة الطب النفسي أبو ظبي Abu Dhabi Bulletin of Psychiatry العدد الثالث والعشرون تموز 2003.
[14] "الأمراض النفسية وعلاجها الروحي في الإسلام" مقال منشور للدكتور عبد الستار أبو غدة.
[15] فضيلة الشيخ فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في الإجابة على السؤال: "هل يدخل الجن جسم الإنسان؟" في موقع إسلام أون لاين محدث في ديسمبر 2006.
[16]"الرقاة بين الكرامات وخوارق العادات" فتوى لفضيلة الشيخ إبراهيم عبد الرحمن الموسى المرشد بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالرياض.
[17] "تحذير الداعية من القصص الواهية" فضيلة الشيخ علي حشيش, الموسوعة الشاملة.
[18] فتاوى الأزهر (ج8ص10) إجابة فضيلة الشيخ عطية صقر في مايو 1997.
[19] جواب فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي منشور في موقع إسلام أونلاين ومحدث يوم الاثنين 5 فبراير 2007.
[20] فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في الإجابة على السؤال: "هل يدخل الجن جسم الإنسان؟" في موقع إسلام أون لاين محدث الأحد 24 ديسمبر 2006.
[21] د.محمد سيد طنطاوي شيخ الجامع الأزهر نقلا عن موقع إسلام أونلاين تحت عنوان "عيادات العلاج بالقرآن دجل" في 412004م.
[22] "دور الأخصائي النفسي مع الطبيب النفسي في الفريق العلاجي" د. لطفي عبد العزيز الشربيني مقال منشور بالشبكة.
[23] "العلاج بالقرآن بين ممارسات المعالجين وأخطاء الدجالين" مقال منشور يوم الأحد 1 أغسطس2004.
[24] د. محمد المهدي "إشكالية الجن و السحر والحسد" مقال تم تحديثه في 24 يناير 2007, مختصر بتصرف قليل.
[25] "العلاج النفسي بين الدين وعلم النفس" د. قاسم حسين صالح رئيس الجمعية النفسية العراقية مقال منشور.
[26] "العلاج بالقرآن بين ممارسات المعالجين وأخطاء الدجالين" مقال نشر يوم الأحد 1 أغسطس2004.
[27] "العلاج بالقرآن بين ممارسات المعالجين وأخطاء الدجالين" مقال نشر يوم الأحد 1 أغسطس2004.
[28] "الجن والمرض النفسي" مقال منشور للدكتور محمود جمال أبو العزائم مستشار الطب النفسي.
[29] مقابلة منشورة بموقع الغد الأردني يوم الثلاثاء في 6 شباط 2007م 18 محرم 1428 هـ مع د. محمود أبو دنون اختصاصي الطب النفسي ومدير عام المستشفى الإسلامي.
[30] "العلاج بالقرآن الكريم" د. أحمد القاضي رئيس المركز الإعلامي بمؤسسة العلوم الطبية الإسلامية في مدينة بنما سيتي بأمريكا.
[31] Gender Differences in Personality Traits Among Kuwaiti Adults, Bader M. Al Ansari بحث مقدم إلى المؤتمر الدولي الرابع لمركز الإرشاد
النفسي بعنوان "الإرشاد النفسي في المجال التربوي" المنعقد في 2 - 4 ديسمبر 1997م.
منقول لللإستفادة
|