[frame="1 90"][الرسالة الثانية في حكم الاستغاثة بالجن والشياطين]
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين، وفقني الله وإياهم للتمسك بدينه، والثبات عليه آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فقد سألني بعض الإخوان عما يفعله بعض الجهال، من دعاء غير الله سبحانه والاستنجاد به في المهمات، كدعاء الجن والاستغاثة بهم، والنذر لهم، والذبح لهم وشبه ذلك
ومن ذلك قول بعضهم: (يا سبعة، خذوه)، يعني بذلك سبعة من رؤساء الجن، يا سبعة افعلوا به كذا، اكسروا عظامه، اشربوا دمه، مثلوا به، ومن ذلك قول بعضهم: (خذوه يا جن الظهيرة يا جن العصر)، وهذا يوجد كثيرا في بعض الجهات الجنوبية، ومما يلتحق بهذا الأمر دعاء الأموات من الأنبياء والصالحين وغيرهم، ودعاء الملائكة والاستغاثة بهم، فهذا كله وأشباهه واقع من كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، جهلا منه وتقليدا لمن قبله، وربما سهل بعضهم في ذلك بقوله: هذا شيء يجري على اللسان، لا نقصده ولا نعتقده، وسألني أيضا: عن حكم مناكحة من عرف بهذه الأعمال، وذبائحهم والصلاة عليهم وخلفهم، وعن تصديق المشعوذين والعرافين، كمن يدعي معرفة المرض وأسبابه بمجرد إشرافه على شيء مما مس جسد المريض، كالعمامة والسراويل والخمار وأشباه ذلك .
والجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى قد خلق الثقلين ليعبدوه، دون كل ما سواه، وليخصوه بالدعاء والاستغاثة، والذبح والنذر وسائر العبادات، وقد بعث الرسل بذلك، وأمرهم به، وأنزل الكتب السماوية التي أعظمها القرآن الكريم ببيان ذلك والدعوة إليه، وتحذير الناس من الشرك بالله وعبادة غيره، وهذا هو أصل الأصول، وأساس الملة والدين، وهو معنى شهادة أن لا إله إلاالله لأن معناها: لا معبود بحق إلا الله، فهي تنفي الألوهية وهي العبادة عن غير الله، وتثبت العبادة لله وحده، دون ما سواه من سائر المخلوقات، والأدلة على هذا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كثيرة جدا، منها قوله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ وقوله سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وقوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وقوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ وقال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فبين سبحانه في هذه الآيات أنه خلق الثقلين لعبادته، وأنه قضى أن لا يعبد إلا هو سبحانه وتعالى،
ومعنى قضى: أمر وأوصى، فهو سبحانه أمر عباده وأوصاهم في محكم القرآن، وعلى لسان الرسول صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، ألا يعبدوا إلا ربهم، وأوضح جل وعلا أن الدعاء عبادة عظيمة، من استكبر عنها دخل النار، وأمر عباده أن يدعوه وحده ، وأخبر أنه قريب يجيب دعوتهم، فوجب على جميع العباد أن يخصوا ربهم بالدعاء لأنه نوع من العبادة التي خلقوا لها، وأمروا بها وقال عز وجل: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أمر الله نبيه علي أن يخبر الناس أن صلاته ونسكه، وهو الذبح، ومحياه ومماته لله رب العالمين لا شريك له، فمن ذبح لغير الله فقد أشرك بالله، كما لو صلى لغير الله لأن الله سبحانه جعل الصلاة والذبح قرينين، وأخبر أنهما لله وحده لا شريك له، فمن ذبح لغير الله من الجن والملائكة والأموات وغيرهم، يتقرب إليهم بذلك، فهو كمن صلى لغير الله، وفي الحديث الصحيح يقول النبي عليه الصلاة والسلام: لعن الله من ذبح لغير الله وأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن طارق بن شهاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا فقالوا لأحدهما قرب قال ليس عندي شيء أقربه قالوا قرب ولو ذبابا فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار وقالوا للآخر قرب قال ما كنت لأقرب لأحد شيئادون الله عز وجل فضربوا عنقه فدخل الجنة
فإذا كان من تقرب إلى الصنم ونحوه بالذباب ونحوه يكون مشركا، يستحق دخول النار، فكيف بمن يدعو الجن والملائكة والأولياء ويستغيث بهم، وينذر لهم، ويتقرب إليهم بالذبائح يرجو بذلك حفظ ماله، أو شفاء مريضه، أو سلامة دوابه وزرعه، أو يفعل ذلك خوفا من شر الجن، أو ما أشبه ذلك، فهذا وأشباهه أولى بأن يكون مشركا، مستحقا لدخول النار من هذا الرجل الذي قرب الذباب للصنم
ومما ورد في ذلك أيضا قوله عز وجل: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ وقال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
أخبر الله سبحانه في هاتين الآيتين، أن المشركين أتخذوا من دونه أولياء من المخلوقات، يعبدونهم معه بالدعاء والخوف، والرجاء والذبح، والنذر ونحو ذلك، زاعمين أن أولئك الأولياء يقربون من عبدهم إلى الله ويشفعون لهم عنده، فأكذبهم الله سبحانه، وأوضح باطلهم، وسماهم كذبة وكفارا ومشركين، ونزه نفسه عن شركهم فقال جل وعلا: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ فعلم بذلك أن من اتخذ ملكا، أو نبيا أو جنيا أو شجرا أو حجرا يدعوه مع الله، ويستغيث به، ويتقرب إليه، بالنذر والذبح، رجاء شفاعته عند الله، وتقريبه لديه، أو رجاء شفاء المريض، أو حفظ المال، أو سلامة الغائب، أو ما شابه ذلك فقد وقع في هذا الشرك العظيم، والبلاء الوخيم، الذي قال الله فيه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا وقال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
والشفاعة إنما تحصل يوم القيامة لأهل التوحيد والإخلاص، لا لأهل الشرك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه وقال صلى الله عليه وسلم : لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا
يتبع[/frame]
|