السؤال الرابع:
هل هناك فرق بين المنهج والعقيدة وإن كان بينهما فرق فهل هناك مدخل لأهل التحزّب من خلال ذلك التفريق.
الجواب:
طبعًا المنهج قد كَثُر الكلام فيه، والحديث عنه في هذا العصر بعكس ما كان عند السلف قد يذكرون كلمة منهج ومنهاج لكن ما كان عندهم هذا اللهج بالمنهج بالمنهج، لكن لَمّا انتشر اضطرّ السلفيون أن يقولوا: المنهج المنهج.
أنا سمعت الشيخ ابن باز لا يفرِّق بين العقيدة والمنهج ويقول: كلّها شيء واحد، والشيخ الألباني يفرِّق، وأنا أفرِّق، أرى أنّ المنهج أشمل من العقيدة، فالمنهج يشمل العقيدة ويشمل العبادات ويشمل كيف تتفقَّه ويشمل كيف تنتقد، ويشمل كيف تواجه أهل البدع فالمنهج شامل، منهج أهل السنّة في العقيدة، منهجهم في العبادة، منهجهم في التلقّي، منهجهم في كذا منهجهم في كذا.
فالمنهج أشمل بلا شك، لكنّ أهل الأهواء بعضهم يفرِّق بين العقيدة والمنهج لأهداف حزبية وسياسية، فيحتالون على كثير من (السلفيين) فيقولون أنت تبقى على عقيدتك ولكنّ المنهج نحن محتاجون أن نتعاون فيه.
فلا مانع أن تقول: أنا سلفيٌّ عقيدة إخوانيٌ منهجًا([30]). ومعلوم أنّ من منهج الإخوان حرب العقيدة السلفية، فهذا السلفي الذي يقول أنا سلفي إذا قال أنا سلفي العقيدة إخواني المنهج أو تبليغي المنهج فهو ينادي على نفسه بأنّه يحارب المنهج السلفي والعقيدة السلفية.
فهي من الحيل الحزبية والسياسية التي أشاعها التبليغ والإخوان وفرَّقوا بين العقيدة والمنهج للتلاعب بعقول السلفيين خاصّة.
السؤال الخامس:
وُجِدَ عندنا أناس يتَّهمون مَن يحذِّر من الفرق الموجودة في الساحة، أو يُبيِّن عوارها شعرًا أو نثرًا بأنّه من أصحاب المنهج فما مدى صحّة هذه الدعوى؟ علمًا أنّ من أدلّتهم القراءة في كتبكم.
الجواب:
الإجابات السابقة تتضمن الإجابة على هذا السؤال لأنّ هذا جرح ونقد، وقد تقدّم الكلام على الجرح والنقد.
السؤال السادس:
نعلم الفرق اللغوي بين قولك صالح ومصلِح ولكن هل يسوغ أن يكون الإنسان صالحًا غير مصلِح، ثمّ هل هناك مدخل لأهل البدع من خلال هذا التفريق؟
الجواب:
هذا اصطلاح، والمنافقون قال الله عنهم: ]وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَ يَشْعُرُونَ[([31]).
فالمصلح من الإصلاح ضدّ الإفساد، فأنتم تظنّون أنّنا نفسد ونحن نصلح.
أمّا الصالح فصالح في نفسه وقد يمتدّ خيره إلى الآخرين ويصلح وقد يكون خيره قاصرًا على نفسه لضعفه.
<المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ>([32]).
<مَنْ رَأَى مِنكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ>([33]).
فهذا الذي يُغيِّر بيده أو يُغيِّر بلسانه قد يدخل في عداد المصلِحين، وأمّا الذي ينكر بقلبه فقد يكون صالحًا ولا يستطيع أن يصلِح(*).
.................................................. .............................
السؤال السابع:
إذا كانت هناك طاعة عظيمة مثل الجهاد ولا يمكن التوصّل إلى تحقيقها إلاّ بارتكاب بعض المعاصي فهل يجوز شرعًا فعل تلك الطاعة؟
الجواب:
إذا كانت الطاعة عظيمة مثل الجهاد ولا يمكن القيام بالجهاد إلاّ بارتكاب بعض المعاصي، مثل إيش المعاصي التي يرتكبها ليقوم بواجب الجهاد؟
فأجبته قائلاً: مثل لبس البنطال، وحلق اللحية، والتوسّط بأهل البدع، لأن يصل إلى مكان المعركة.
فأجاب الشيخ حفظه الله:
هل لا يقوم الجهاد إلاّ بالتنبطل وحلق اللحى؟! وهل الصحابة لَمّا راحوا يجاهدون حلقوا لحاهم؟! وتبنطلوا؟!
كان عمر ـ وهم في الثغور ـ يكتب إليهم: إيّاكم وزي الأعاجم واقطعوا الركب، وثبوا على الخيل وثبًا([34]).
فهذه طبعًا من الحيل لممارسة كثير من الشهوات وممارسة كثير من البدع.
فالأمثلة التي مثَّلتَ بها أراها لا مبرِّر لها ـ بارك الله فيك ـ والجهاد يقوم بدون اللجوء إلى هذه، فالذي يجاهد يجب أن يجاهد نفسه قبل كلّ شيء، ويصلح نفسه قبل كلّ شيء.
وحلق اللحى من المعاصي([35]) التي قد تسبب الهزيمة، والتشبه بلبس البناطيل تشبه بأعداء الله([36])ـ بارك الله فيك ـ، وأنتم تعرفون أنّ الصحابة انكسروا يوم أُحُد ويوم حُنين، أمّا يوم أُحُد فبمخالفة الرماة، وحصل للصحابة وقائدهم رسول الله ما حصل([37]).
ويوم حنين حديث نفس تقريبًا: ]وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُدْبِرِينَ ` ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ..[([38]).
فبعضهم قال: إنّ عددنا الآن لكثير ولن نُغلب اليوم من قلّة([39]): فأدّبهم الله تبارك وتعالى بسبب ما حدّثوا به أنفسهم، فكيف بالجيش هذا الذي يحلق لحاه، ويلبس لباس الكفار([40])، وينتظر نصرًا من الله تبارك وتعالى؟! لهذا نحن ما نُنصَر، دائمًا أعداء الإسلام يُنصرون علينا.
فيجب أن نحرص على طاعة الله والتزام أوامر الله خاصة في ميادين الجهاد حتى ينصرنا الله تبارك وتعالى ]إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[([41]). <وحينها> نستحقّ النصر من الله عزّ وجلّ الذي وعدنا به([42]).
.................................................. .............................
السؤال الثامن:
هل من منهج السلف جمعُ أخطاء شخصٍ ما، وإبرازها في مؤلَّف يقرؤه الناس؟
الجواب:
سبحان الله، هذه يقولها أهل الضلال لحماية بدعهم، وحماية كتبهم، وحماية مناهجهم، وحماية مُقدَّسيهم من الأشخاص.
نعم الله ورسوله r ذكرا كثيرًا من ضلالاتهم.. جمع كلام اليهود والنصارى وانتقدهم في كثير من الآيات القرآنية([43]).
وأهل السنّة والجماعة من فجر تأريخنا إلى يومنا هذا تكلّموا على الجهم بن صفوان وبشر المريسي([44]) وأَحصَوا بدعهم وضلالاتهم، وجمعوا أقوال أهل الفرق ونقدوها فمن حرّم هذا؟ هذا من الواجبات.
إذا كان الناس سيضِلُّون بِبِدَعِهِ الكثيرة وجمعْتَها في مكان واحد وحذَّرت منها باسمه فجزاك الله خيرًا، أنت بذلك أَسْدَيْتَ خيرًا كبيرًا للإسلام والمسلمين([45]).
.................................................. .............................
السؤال التاسع:
إذا انبرى الشاعر في شعره إلى الردّ على أهل البدع والأهواء ونقل كلام العلماء المعتبَرين في مجانبة أهل البدع والتحذير منهم، فهل يُعدُّ هذا أمرًا محمودًا يُشجَّع عليه أم لا؟
الجواب:
نعم، هذا أمر محمود، ألم يكن الرسول r يحثّ شعراءه، ومنهم حسّان على نقد أهل الكفر وتجريحهم وسلّ سيوف النقد عليهم. <أُهْجُهُمْ وَرُوحُ القُدُسِ مَعَكَ>([46]) وحديث <وَاللهِ لَهَذَا أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ وَقْعِ السِّهَامِ>.
وقال: <أُهْجُ قُرَيْشًا>([47]) وكان أبو بكر عالِمًا بأنساب العرب وبأنساب قريش فخذ منه فأخذ منه أنساب قريش حتى يسلّ رسول الله r كما تُسلّ الشعرة من العجين، وينصبُّ الهجو على أبي سفيان بن الحارث ابن عمّ رسول الله عليه الصلاة والسلام.
فحثّ على هجوهم، فالشعر يخدم الإسلام ]وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ ` أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ` وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ` إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ[([48]).
كان الشعر من الوسائل القوية التي تُوَظَّف في نصرة الحقّ وإعلاء كلمة الله([49]).
والرسول عليه الصلاة والسلام استخدم هذا السلاح فإذا كان الشاعر موحِّدًا سلفيًّا يذبّ عن السنّة وعن التوحيد وعن المنهج السلفي فجزاه الله خيرًا، شريطةَ أن يُصْلِح وقصده نصرة الإسلام، وقصده نصر دين الله وليس له قصد آخر.
السؤال العاشر:
ما هو موقف طالب العلم في المسائل الخلافية؟
الجواب:
لا يتكلّم العالم ولا طالب العلم إلاّ فيما يعلم([50])، العالم ليس محيطًا بكلّ شيء، فقد يجهل بعض الأشياء وقد كان الأئمّة يدرِّبون تلاميذهم على قول: لا أدري([51]) وقال القعنبي أو ابن وهب: لو شئت أن أملأ ألواحي من قول مالك: لا أدري، لفعلت([52]).
هذا عالم كبير إمام الأئمّة ولو شاء تلميذه أن يملأ ألواحه من قول: لا أدري لفعل. فطبعًا العالم لا يتكلّم إلاّ فيما يعلم([53]).
وطالب العلم لا يتكلّم إلاّ فيما يعلم لأنّ كلام العالم وطالب العلم ينسب إلى الله عزّ وجلّ: ]قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ[([54]).
فلا يجوز لطالب العلم ولا للعالم أن يقول على الله ما لا يعلم([55]). وإذا اقتضت الحاجة من طالب العلم أن يقول ويتكلّم في حدود ما يعلم فعليه أن يقول، قال رسول الله r: <بَلِّغُوا عَني وَلَوْ آيَةً>([56]).
السؤال الحادي عشر:
يَظنّ كثير من الناس أنّ الردّ على أهل البدع والأهواء قاض على المسلك العلمي الذي اختطَّه الطالب في سيره إلى الله فهل هذا مفهوم صحيح؟
الجواب:
هذا مفهوم باطل، وهذا من أساليب أهل الباطل وأهل البدع ليخرسوا ألسنة أهل السنّة.
فالإنكار على أهل البدع من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وما تميّزت هذه الأمّة على سائر الأمم إلاّ بهذه الميزة ]كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ..[([57]) وإنكار المنكر تطبيق عملي لِمَا يتعلّمه الشاب المسلم من الفقه في دين الله تبارك وتعالى ودراسته لكتاب الله وسنّة رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام.
فإذا لم يُطبِّق هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصة في أهل البدع فقد يدخل في قول الله تبارك وتعالى: ]لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ` كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ[([58]).
إذا كان يرى أنّ البدعة تنتشر ولها دعاتها ولها حملتها ولها الذابّون عنها ولها المحاربون لأهل السنّة فكيف يسكت([59])؟، وقولهم: إن هذا يقضي على العلم: هذا كذب، هذا من العلم والتطبيق للعلم.
وعلى كلّ حال فطالب العلم لابدّ أن يخصّص أوقاتًا للتحصيل ولابدّ أن يكون جادًّا في التحصيل، ولا يستطيع أن يواجه المنكرات إلاّ بالعلم، فهو على كلّ حال يحصِّل العلم وفي نفس الوقت يطبّق، والله تبارك وتعالى يبارك لهذا المتعلّم العامل في علمه([60]).
وقد تُنْزَع البركة لَمّا يرى المنكرات قُدَّامَهُ يقول: لا، لا، لَمّا أطلب العلم، يرى الضلالات وأهل الباطل يرفعون شعارات الباطل، ويدْعون الناس إليها ويُضلّون الناس فيقول: لا لا ما سأشتغل بهذه الأشياء([61])، أنا سأشتغل بالعلم (يعني يتدرّب على المداهنة) ـ بارك الله فيك ـ.
السؤال الثاني عشر:
ما منّا من أحد إلاّ وله عثرات في طريق دربه الصالح فكانت الضرورة مُلِحَّةً في إثبات ذكر حسناته وسيئاته، فما هو الضير في تقرير منهج الموازنات وخاصة أنّ في المسألة أدلّة وشواهد؟
الجواب:
بيننا وبينكم كتاب الله وسنّة رسول الله وتطبيق عمل السلف الصالح، وقد كرّرنا هذا كثيرًا وبيّناه لهم وأسقطنا ما يتعلّقون به من الاستدلالات ـ لا نقول من الأدلّة ـ فالأدلّة موجودة في الكتاب والسنّة لنصرة كلمة الله تبارك وتعالى وإهانة أهل الضلال من أهل الكفر والانحرافات.
فهم يحرّفون بعض النصوص ويقولون: أدلّة من الكتاب والسنّة، وإنّما هو من اتباع المتشابه وقد قال الله في أهل الزيغ: ]فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ[([62]).
والقرآن مليء بالنقد المرّ لأهل الكفر وأهل الفسوق وليس هناك موازنات، السنّة مليئة بهذا وليس هناك موازنات.
وقد فقه السلف الصالح هذا المنهج فطبّقوه على أهل البدع وعلى أهل الروايات بدون الموازنات، وخصّصوا كتبًا للجرح فقط وهي كثيرة وعلى رأسها كتاب الضعفاء للبخاري أمير المؤمنين في الحديث وفي الفقه أيضًا رحمه الله بعد أحمد ابن حنبل.
وطبَّقَه النسائي وهو في مرتبة تقرب من مرتبة الإمام البخاري في الفقه في الدين وفي التضلّع في علوم الحديث.
والعُقيلي وابن عدي وابن حبان وكثير خصّصوا كتبًا في الجرح، وخصّصوا كتبًا في الثقات فإذا خصّصوا كتبًا في الثقات فما فيه موزنات. وإذا خصّصوا كتبًا في الجرح فما فيه موازنات.
والكتب المشتركة بين الجرح والتعديل تقول لك: فلان ثقة وفلان كذاب وفلان لا يساوي شيئًا وفلان لا يساوي فلسًا، وإلى جانبه فلان حافظ ثقة متقن بدون ذكر المساوئ والمثالب.
لا شكَّ كما قلنا وقال الشيخ الألباني رحمه الله وقال غيرنا: <إنّ منهج الموازنات بدعة، وأنا أضيف فأقول: بدعة لا أخطر منها، لا أخطر من هذه البدعة لأنّ مؤدّاها ـ وإن كان أهلها لا يدركون ما تؤدّي إليه ـ أنها تهدم الإسلام ومؤدّاها أنّك تفتح باب المطالبة من الشيوعيين واليهود والنصارى والعلمانيين أن يطالبونا بالموازنات إذا نحن جرحناهم>.
لأنهم احتجّوا بآيات في الخمر([63])، وأحاديث في الشياطين([64])، وآيات في الكفار الوثنيين([65])، وآيات في اليهود والنصارى([66])، وقالوا هذه تدلّ على الموازنات، والإسلام قد أعطى هذه الأصناف حقّها من العدل والموازنات.
فنحن الآن إذا انتقدنا يهوديًّا مثل رئيس اليهود (Netnyaho)([67]) وانتقدنا (الحاخامات) قالوا لنا: إنّكم تدّعون أنّ الإسلام يوازن لماذا ما تذكرون حسناتنا؟!
ويلزم مَن يتكلّم في أيّ شخص أن يحصي حسناته وسيئاته ويضع هذه في كفّة وهذه في كفة حتى يتمّ العدل.
عرفتم وهل يطيق هذا أحد، هذا ليس إلاّ لله ربّ العالمين.
ونحن إذا انتقدنا مبتدعًا إنّما هو للنصيحة، ليحذر الناس من هذا الشرّ([68]).
لأنّ الله ما كلّفنا بإحصاء حسناته لأنّ الله هو الذي يتولّى إحصاء الحسنات والسيئات ويزن يوم القيامة ]فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ` وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ[([69]).
هذا ليس إلاّ لله، نحن لا يكلّفنا الله إلاّ بما نطيق والتكليف بمنهج الموازنات تكليف بما لا يطاق، لا يطيقه حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قال تعالى ذاكرًا قول عيسى عليه الصلاة والسلام ]وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[([70]).
والرسول r ما كان يعلم أخطاء الناس، وحسناتهم وسيئاتهم ويحصيها ولا كلّف بهذا فيقول: <بِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أَنْتَ>([71]) فما كان الصحابة يقولون له: أَمَا له حسنات يا رسول الله؟!.
فالشاهد: أنّ هذا منهج باطل وأهدافه خسيسة ومَن أحطّها أنّها لحماية البدع وحماية الضلال، وحماية أهل الباطل.
وهذا ما يمكن أن أقوله وارجعوا إلى كتابي <منهج النقد> و<المحجّة><والنصر العزيز> لردّ هذه الشبهات.
السؤال الثالث عشر:
لابدّ وأنّكم واجهتم في طريق الدعوة وسلك الطلب بعض العوائق، فما أهمّ تلك العوائق التي واجهتكم؟ وما هي نصيحتكم للداعية الذي يواجه مثل ذلك؟
الجواب:
والله أنا ما كنت أشعر بعوائق في حياتي، أستهين بالعوائق ولا أحسّها ولا أحسب لها حسابًا والحمد لله.
ولكن أحثّ الطلاب أن يهتمّوا بكتاب الله فيحفظونه، وأن يهتمّوا بحفظ سنّة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن يهتمّوا بفهم ووعي كتاب الله وسنّة رسول الله r وفهم السلف، وفهم مواقفهم من أهل السنّة ومدى احترامهم لهم، وذبّهم عنهم وإكرامهم لهم، ومواقفهم من أهل البدع ولاء وبراء ونصحًا وتحذيرًا.
وأحثّ السلفيين على الحفاظ على هذا الأصل الذي إن ثبت حُمي الإسلام وإن انهار وسقط تضرّر الإسلام والمسلمون: <مبدأ الولاء والبراء>([72]) الذي نادى أهل الباطل بإسقاطه، واخترعوا لإسقاطه منهج الموازنات فأول سدٍّ ينهار هو سدّ الولاء والبراء الذي أرى فيه حماية لدين الله الحقّ لعقائده ومناهجه.
هذا أمر مهمّ يجب أن يهتمّ به السلفيون، لأنّ هذا السدّ لَمّا انهار جاءت الدعوة لوحدة الأديان، لأنّه انهار سدّ الولاء والبراء.
وجاءت دعوة التقريب إلى الروافض، وأذكر مع الأسف أنّي لَمّا كنت بالرياض قدِّم لي كتاب فيه المناداة ـ من أحد الإخوان المسلمين الذين يدَّعون السلفية ألا وهو زهير الشاويش ـ ينادي فيه بالوحدة الإسلامية الشاملة التي يدخل فيها الموحِّدون أي الدروز([73]).
عرفتم، فلمّا انهار هذا السدّ العظيم؛ سدّ الولاء والبراء، الذي يحمي الإسلام وصل أهل الأهواء إلى هذا المنحدر، الدعوة بأنّ النصارى إخواننا، ولا يجوز الاعتراض علينا، والدعوة إلى إقامة الحزب الإبراهيمي الذي يشمل أهل الديانات السماوية، إخواننا اليهود وإخواننا النصارى بل الدعوة إلى وحدة الأديان كما عُقدت مؤتمرات في إحدى دول الإخوان المسلمين مع الأسف الشديد>([74]). كلّ هذا نتيجة لهدم أصل الولاء والبراء.
فعلى أهل السنّة والجماعة أن يكونوا على مستوى الأحداث، وأن يدركوا مكايد أهل البدع.
ومن هنا نستحضر ما سلف من الأسئلة عن المقولة: بأنّ أهل البدع أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى. ألا ترون بهذه النداءات وبهذه الدعوات وبهذه المؤتمرات أنّه حقًّا وضح لنا أنّهم أخطر على الإسلام والمسلمين من الأعداء الخارجيين.
لأنّنا كما قلنا غير مرّة إنّ المسلم مهما بلغ في السخف لا ينخدع باليهود والنصارى حتى إنّه قد لا يقبل الحقّ منهم لسوء ظنّه بهم وعدم ثقته فيهم، بينما قد يخدع بأهل البدع والضلالات ولاسيما أصحاب الشعارات البراقة مثل الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ.
قد ينخدع وانخدع الكثير والكثير من أهل السنّة ومن أهل التوحيد، انخدعوا بهؤلاء فلحق بالإسلام وبشباب الأمّة من الأضرار ما لا يحصيه إلاّ الله.
وظهر مصداق ما قال هؤلاء الأفذاذ من أئمّة الإسلام أنّ أهل البدع أضرّ على الإسلام من أعداء الإسلام الخارجيين.
الخاتمة
وفي الختام شكر الله لشيخنا على هذه النصائح الغالية ونطلب منه نصيحة لأهل السنّة عمومًا ولأهل السنّة في اليمن خصوصًا يختم بها هذا المجلس المبارك.
فختم الشيخ حفظه الله قائلاً: <قد سبق السيف العذل([75])، وقد ختمت كلامي بالنصيحة التي مرّت وفّق الله الجميع>.
وأوصي نفسي وإخواني من السلفيين وغيرهم ممن نحب لهم الخير من أصناف المسلمين أن يتقوا الله في أنفسهم وأن يستجيبوا لدعوة الله تبارك وتعالى.
]وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا[([76]) وأن يطيعوا أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي أمرنا بالاعتصام بكتاب ربِّنا وسنّة نبيّنا، وحذَّرنا من التفرُّق([77]).
والذي يفرّقنا هي الأهواء والبدع، فلنُعرض عن الأهواء والبدع ولنُقبل على كتاب الله وسنّة رسول الله مستجيبين لتوجيهات ربّنا وتوجيهات رسولنا الكريم ونُصح سلفنا الصالح.
وأسأل الله تبارك وتعالى أن يجمع الأمّة الإسلامية على كتابه وسنّة نبيّه r، وأن يزهِّدهم في كلّ ما يضادُّها من الكفر والشرك والبدع والضلال، إنّ ربّنا لسميع الدعاء.
وصلّى الله وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.
سُجل هذا المجلس في يوم الخميس في ليلة الرابع عشر من شهر رمضان لعام 1420ﻫ.
الفهرس
تمهيد:3
الأسئلة:7
السؤال الأول:7
في نظركم أيّ الطوائف الإسلامية المبثوثة في الساحة أكثر خطرًا على الإسلام وأهله، ومجانبةً للمنهج السلفي؟7
السؤال الثاني:13
شيخنا الفاضل: لماذا اخترتم منهج الجرح والتعديل طريقًا مع أنّه في نظر كثير من الدعاة والمصلحين يَعدُّونه سببًا في تفكّك الأمّة وسبيلاً إلى بغض مَن ينحو هذا المنحى، محتَجِّين بأنّ زمن الجرح والتعديل قد انتهى مع زمن الرواية؟13
السؤال الثالث:16
هل تنصحون بما يفعله بعض طلبة العلم في تجرّدهم لنقد كتب بعض علمائنا صحّة وضعفًا، كالنظرات في السلسلة والنظرات في صفة الصلاة؟16
السؤال الرابع:22
هل هناك فرق بين المنهج والعقيدة وإن كان بينهما فرق فهل هناك مدخل لأهل التحزّب من خلال ذلك التفريق.22
السؤال الخامس:23
وُجِدَ عندنا أناس يتَّهمون مَن يحذِّر من الفرق الموجودة في الساحة، أو يُبيِّن عوارها شعرًا أو نثرًا بأنّه من أصحاب المنهج فما مدى صحّة هذه الدعوى؟ علمًا أنّ من أدلّتهم القراءة في كتبكم.23
السؤال السادس:24
نعلم الفرق اللغوي بين قولك صالح ومصلِح ولكن هل يسوغ أن يكون الإنسان صالحًا غير مصلِح، ثمّ هل هناك مدخل لأهل البدع من خلال هذا التفريق؟24
السؤال السابع:26
إذا كانت هناك طاعة عظيمة مثل الجهاد ولا يمكن التوصّل إلى تحقيقها إلاّ بارتكاب بعض المعاصي فهل يجوز شرعًا فعل تلك الطاعة؟26
السؤال الثامن:30
هل من منهج السلف جمعُ أخطاء شخصٍ ما، وإبرازها في مؤلَّف يقرؤه الناس؟30
السؤال التاسع:32
إذا انبرى الشاعر في شعره إلى الردّ على أهل البدع والأهواء ونقل كلام العلماء المعتبَرين في مجانبة أهل البدع والتحذير منهم، فهل يُعدُّ هذا أمرًا محمودًا يُشجَّع عليه أم لا؟32
السؤال العاشر:34
ما هو موقف طالب العلم في المسائل الخلافية؟34
السؤال الحادي عشر:36
يَظنّ كثير من الناس أنّ الردّ على أهل البدع والأهواء قاض على المسلك العلمي الذي اختطَّه الطالب في سيره إلى الله فهل هذا مفهوم صحيح؟36
السؤال الثاني عشر:38
ما منّا من أحد إلاّ وله عثرات في طريق دربه الصالح فكانت الضرورة مُلِحَّةً في إثبات ذكر حسناته وسيئاته، فما هو الضير في تقرير منهج الموازنات وخاصة أنّ في المسألة أدلّة وشواهد؟38
السؤال الثالث عشر:42
لابدّ وأنّكم واجهتم في طريق الدعوة وسلك الطلب بعض العوائق، فما أهمّ تلك العوائق التي واجهتكم؟ وما هي نصيحتكم للداعية الذي يواجه مثل ذلك؟42
|