وقال علي فكري رحمه الله في كتابه ((سعادة الزوجين)):
يجب ألا تطلب الزوجة من زوجها مالا تمس الحاجة إليه من مأكل أو ملبس أو غيرها. فقد قال سبحانه وتعالى: {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين } فلا يسوغ لها أن تطلب إلا ما يكون في طاقته. إذ بتكليفه ما لا يطيق تسيء إلى نفسها بعد إساءتها إلى زوجها. إذ تضعه في مركز حرج لا تحيق نتائجه السيئة بغيرها. وقال أيضاً في موضع آخر: الاقتصاد معناه حسن التدبير ووضع الشيء في موضعه وهو روح المعاملة، وزعامة الحياة الزوجية وهو الوسط بين الإفراط والتفريط. وقد أمر الله به ونهى عن الإسراف والتقتير حيث قال الله عز وجل: {ولا تجعل يديك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً} اهـ.
فالمرأة مسئولة عن استخدام ما لديها من مال زوجها في خير الطرق. فهي المكلفة بتدبير شئون البيت، فلا تغني كثرة المال مع قلة التدبير فقلة التدبير تعرض حياة الأسرة المادية للانهيار. والزوجة المسرفة عدوة نفسها ونكبة على زوجها تهلك بيدها أمواله، وكم من امرأة هدمت بيتها بسوء تصرفها، وكم من سيدة أسست بيتها على أحسن ما يكون بحسن تدبيرها.
فالزوج حين يرى زوجته مدبرة ومقتصدة وحريصة على ماله يزداد حباً لها وثقة فيها وفي حسن تدبيرها، مما يجعله يضع ماله تحت تصرفها ويمنحها حرية التصرف فيه، فهو واثق ثقة شديدة أنها لن تعرض ماله للهلاك، بل إنها حريصة على نمائه ومن هذه الثقة تنشأ حياة أسرية سعيدة بعيدة عن المشاكل المادية التي نسمع عنها بسبب سوء تدبير بعض النساء.
نماذج طيبة للمرأة الصالحة
هذه أمنا هاجر زوجة إبراهيم عليه السلام جاء بها وابنها إسماعيل (عليه السلام) وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم، فوضعهما وليس بمكة يومئذ من أحد، وليس بها ماء، ووضع عندها جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له مراراً، فجعل لا يلتفت إليها، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا. إنه يقين المرأة الصالحة بالله عز وجل خضعت لأوامره ولم تقف حائلاً دون استجابة زوجها لأمر الله وصبرت على حالها الذي وضعت فيه حيث لا ماء ولا أنيس، وهي تعلم أن الله سبحانه وتعالى لن ينساها ولن يضيعها، فحينها توجه إبراهيم عليه السلام إلى الله عز وجل بالدعاء وقال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون }.
فرزقها الله بالماء والأنيس والثمرات، وخلدت ذكراها إلى يوم القيامة حيث أصبح سعيها هذا شرعة للمسلمين بعد ذلك في مناسك الحج، هذا مع ما ادخره الله لها من جزاء يوم القيامة.
وها هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، نشأت في بيت من البيوت العالية الشريفة، وتربت على الخلق الكريم والأدب العالي الرفيع، وكانت تتمتع بقسط من سمو الأخلاق وشرف النسب، وكانت تتمتع بثراء كبير.
ولما سمعت عن كريم صفات النبي صلى الله عليه وسلم وعظيم سجاياه قبلت الزواج منه على الرغم من الفارق بينهما في السن والمال. وفضلته على الكثير من الخطاب من أشراف قريش وأغنيائها.
وضربت السيدة خديجة أروع الأمثال وأجلها على حبها لزوجها، وإيثارها لما يحبه ويرغب فيه... وهبت له مولاها زيد بن حارثة عندما رأت حبه له، ورحبت بالإمام علي رضي الله عنه في بيتها، ورعته بعين الحب والعناية عندما رأت رغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التخفيف عن عمه أبي طالب بأن يكفل أحد أبنائه. ....
ومن أعظم الأمثلة التي ضربتها السيدة خديجة بنت خويلد للزوجة التي تعين زوجها على أمر دينه، موقفها من رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جاءته رسالة السماء، ودخل عليها يرتعد ويقول: " زملوني زملوني " فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لها يحدثها بما رأى، لأنه كان يجد عندها السكينة ويرى في قلبها المحبة والحنان والوعي ويقول: " لقد خشيت على نفسي ". فأجابته أم المؤمنين إجابة الزوجة الواعية الناضجة، إجابة كلها إيمان وثقة بالله وبما عند الله عز وجل فقالت: والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق!.
.... فبشرت في حياتها بخير ما تبشر به المرأة المؤمنة، بشرت ببيت في الجنة من قصب لاصخب فيه ولا نصب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله: هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. [ رواه البخاري]
.... فأي تكريم أعظم من تكريم الله عز وجل لها؛ أرسل لها سلامه مع جبريل عليه السلام وبشرت بالجنة هذا مع مكانتها الكبيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه ووفائه لها في حياتها وبعد موتها، مما جعل السيدة عائشة رضي الله عنها تغار منها وتقول: ما كنت أغار من زوجة مثلما كنت أغار من خديجة مع أنني لم أدركها لكثرة ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها.
وكان من وفائه صلى الله عليه وسلم لها أنه كان يطعم صديقاتها، ويكرم من تحبها، وكان يقول عنها: " آمنت بي حين كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله الولد منها دون غيرها من النساء ". .... رحم الله أم المؤمنين خديجة بنت خويلد خير مثل للمرأة المؤمنة، العابدة لربها، المحبة لزوجها، المعينة له على أمر الدنيا والآخرة حقاً إنها استحقت أن تكون من خير نساء العالمين.
*وها هي ذات النطاقين بنت ثاني اثنين في الغار أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأخت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وزوجة الزبير بن العوام رضي الله عنه حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها أسماء رضي الله عنها تقول: تزوجني الزبير، وما له في الأرض من مال ولا شيء غير فرسه وناضحه (أي بعيره) الذي يستقي عليه، فكنت أعلف فرسه وأسوسه وأدق لناضحه، واستقى الماء، وأخرز غربه (أي أضبط دلوه بالخرز) وأعجن، وكنت أنقل على رأسي من ثلثي فرسخ حتى أرسل لي أبو بكر خادماً يكفيني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني [ رواه الشيخان]
.... إنها المرأة المسلمة الواعية العاقلة، نشأت وأختها في مدرسة الإسلام حتى تخرجت إلى خير وظيفة، إنها وظيفة المرأة الصالحة العابدة الزوجة الأم.
.... إنها نماذج صالحة للمرأة الصالحة التي تعرف حق ربها، وتطيع زوجها وتحرص على سعادته، فليكن لنا من هذه النماذج أسوة حسنة نقتدي بها في حياتنا، لنفوز بلقائهم في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا
منقول للفائدة
سبحان الله والحمدلله والله اكبر
|