دار الرقية الشرعية

دار الرقية الشرعية (http://rougyah.com/vb/index.php)
-   قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي (http://rougyah.com/vb/forumdisplay.php?f=71)
-   -   شرح الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية (http://rougyah.com/vb/showthread.php?t=36834)

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 01:47 AM

شرح الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية
 
شرح الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية
......................

H شرح الشيخ محمد أمان بن علي الجاميA[1]
dddddfffffff
الشريط الأول :
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى(( الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
أما بعد : فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس : من الكلام في ( التوحيد ) ( والصفات ) وفي ( الشرع ) ( والقدر ) لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين ، وكثرة الاضطراب فيهما ، فإنهما مع حاجة كل أحد إليهما ، ومع أن أهل النظر والعلم والإرادة والعبادة ، لا بد أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال لا سيما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارة وبالباطل تارات ، وما يعتري القلوب في ذلك من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات ))
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد :
فنستأنف درسنا في كتاب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ، وهذا الكتاب يعرف بـ " الرسالة التدمرية " وموضوع الكتاب " تحقيق التوحيد الخبري الطلبي وهو توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية وتحقيق الشرع والقدر " .
موضوع الكتاب ينحصر في هذين الأصلين :
- تحقيق التوحيد الخبري .
- وتحقيق الشرع والقدر وأنهما متلازمان ، ولا بد من الإيمان بالقدر ولا بد من التسليم لشرع الله تعالى والعمل به ، هذا موضوع الكتاب .
فشيخ الإسلام في الغالب الكثير لا يسمي كتبه التي يؤلفها من عند نفسه لأن كتبه أو أكثرها إنما هي عبارة عن إجابة على سؤال يرده أو فتوى وتلاميذه وأحبابه هم الذين يسمون هذه الرسائل وهذه الكتب بأسماء ، لذلك نجد أحيانا أسماء مختلفة ولكنها متقاربة لكتاب واحد .
يذكر شيخ الإسلام أنه كان يدرس مسائل في هذه المسائل التي أشرنا إليها التي هي موضوع الكتاب ، كان ألقى دروسا في هذه المسائل ، ثم بعض الطلاب طلبوا منه أن يكتب ويسجل لهم ما سمعوه .
من أعمال شيخ الإسلام التي عرف بها التدريس كثيرا والتأليف كثيرا والفتوى ، ليس من عادته الخطابة على المنابر ، لم تجر له عادة ولم يُعرف بأن يكون خطيبا على المنابر ، ولكنه معروف بالتدريس والفتوى مع النصح ومع التحريض على الجهاد خصوصا أيام التتر ومع المشاركة في الجهاد بالنفس هذه أعماله الظاهرة .
يقول شيخ الإسلام في بداية هذه الرسالة (الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا) هكذا ثبتت هذه الخطبة وهي تسمى خطبة الحاجة ، بـ " النون " نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ، بنون الجمع ، لأن المقام مقام الدعاء ، الداعي ينبغي أن يطلب لإخوانه المسلمين ما يطلب لنفسه ، ثم إن الدعاء والاستغفار والتعوذ من الأبواب التي تدخلها النيابة ، في إمكان الإنسان أن يستغفر لغيره ويستعيذ بالله لغيره ويدعو لغيره ، هذا ما قيل في سر إثبات نون الجمع في هذه الألفاظ ، بينما إذا


[1]( هذا شرح الشيخ محمد أمان رحمه الله فقط على المتن أما الأسئلة فأهملها إلا ما كان متعلقا بالدرس والموضوع ، والمتن المكتوب هنا من مجموع الفتاوى وليس مما يقرأه الطالب على الشيخ لذلك قد يكون فيه بعض الاختلاف .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 01:49 AM

وصل إلى الشهادة قال (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) لم يرد " نشهد أن لا إله إلا الله " بالنون ، لأن الشهادة إقرار منك واعتراف منك لا تنوب عن غيرك في ذلك وإنما هذا عملك الخاص ، لا تدخل النيابة في مثل هذا ، لذلك تكاد أن تتفق الروايات كلها بهذا الأسلوب ، وإن ثبتت رواية بـ " نشهد " يبحث عن ثبوتها - إن وردت أعني - إن وردت أو اطلعنا على بعض النسخ فيه " نشهد " يبحث عن ثبوتها ، لأن أكثر أهل العلم يقولون : لا تثبت " نشهد " ولكنها " أشهد " ، والفرق واضح بين ما تقدم وبين الشهادة .
هذه الخطبة كان يعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة ، سميت خطبة الحاجة لأنها تقرأ عند الحاجات المختلفة : عند عقد النكاح ، عند بداية التأليف ، عند بداية التدريس وفي خطب الجمع ، في مناسبات متعددة يستحب قراءتها .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم ( من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ) هذه الهداية هداية التوفيق لا تحتمل غيرها ، الهداية هدايتان كما يعلم طلاب العلم : هداية التوفيق التي لا يملكها غير الله وهي الإلهام وهي التوفيق ، لا يتم عمل ما إلا بهذه الهداية بعد الهداية الأولى ، أي لا بد من اجتماع الهدايتين :
- الهداية الأولى : هداية الإرشاد والدلالة ، ليست مرادة هنا لأن هداية الإرشاد والدلالة والبيان يملكها رسول الله صلى الله عليه وسلموأتباعه ، الله أثبت لنبيه تلك الهداية " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " بعد هذه التأكيدات بـ ( إن ) و ( لام التأكيد ) " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " هذه الهداية هداية الدلالة والإرشاد والبيان يملكها رسول الله عليه الصلاة والسلام وأتباعه من الصحابة والعلماء العاملين والدعاة المخلصين كلهم يهدون الناس ، العلماء يهدون الناس أي يدلونهم على الخير ويدعونهم إلى الهدى ويبينون لهم الهدى يبينون لهم التوحيد من الشرك والسنة من البدعة ، هذه الهداية عامة ، الله سبحانه وتعالى هدى العباد جميعا بهذه الهداية ، ثم إن هذه الهداية لا تنفع وحدها إن لم تقترن بها :
الهداية الثانية التي نحن بصددها وهي التي نفاها رب العالمين عن نبيه عليه الصلاة والسلاموحبيبه في قصة أبي طالب " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 01:50 AM

- " أبو طالب هداه رسول الله صلى الله عليه وسلمهداية الإرشاد والبيان ، بين له الحق ودعاه إلى الحق ولكن الهداية الثانية لا يملكها وهي بيد الله سبحانه لذلك نفى عنه " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " .
على هذا قوله " من يهده الله فلا مضل له " من وفقه الله وألهمه الصواب لا مضل له " ومن يضلله فلا هادي له " من أضله الله لا هادي له بهداية التوفيق ، وهداية الإرشاد قد عرفناها .
ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مطلع الرسالة التدمرية ( أما بعد : فقد سألني من تعينت إجابتهم ) هل هناك من تتعين إجابتهم ومن لا تتعين إجابتهم؟ معنى تعين الإجابة أي من يحتاجون إلى هذا العلم ، كل من يحتاج إلى العلم تتعين إجابته إذا سأل ، سواء سأل بلسان المقال أو بلسان الحال ، من سألك بلسان المقال عن علمٍ ، وجب عليك أن تجيبه إذا كنت تعلم تلك المسألة ، أو سألك بلسان الحال ، كأن صلى بجوارك رجل لا يجيد الصلاة ، صلى صلاة كصلاة المسيء صلاته وجب عليك أن تجيبه لأنه سألك بلسان حاله ، تعامله كما عامل النبي عليه الصلاة والسلامالمسيء صلاته ، تعلمه وترشده وتبين له صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا أكثر الناس قد سألونا وطلبوا منا طلبا حثيثا بلسان الحال وإن لم يسألوا بلسان المقال خصوصا في هذه التجمعات كالحرمين وغيرهما ، عندما نرى الجهل الواضح لدى كثير من المسلمين في العقيدة والعبادة وغير ذلك لا ينبغي أن ننتظر حتى نُسأل بلسان المقال ، بل يجب المبادرة إلى إجابتهم ، إجابة سؤالهم بلسان الحال ، فهذا البيان فرض عين على كل طالب علم ، وبيان العلم وبيان الهدى والدعوة إلى الدين مقدم على الجهاد في سبيل الله ، أكرر هذه المسألة في هذه الأيام بالمناسبة لأننا نرى أن كثيرا من شبابنا ينشطون في للجهاد في سبيل الله - تقبل الله منهم - ما لا ينشطون في البيان والتعليم والتبليغ بينما إنما شرع الجهاد للضرورة ، معنى الضرورة : لو كانت الناس جميعا استجابت من أول وهلة فدخلوا في دين الله أفواجا ولم يبق كافر معاند واقف في سبيل الدعوة إلى الله لا يشرع الجهاد لا حاجة إلى الجهاد ، إذن الواجب الأصيل الدعوة والبيان والواجب العارض للضرورة الجهاد في سبيل الله ، بحيث إذا استسلم القوم سقط هذا الجهاد فوقف ، إنما

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 01:50 AM

شرع لسبب ، ولكن الأصيل هذا البيان ، وهذا البيان كما قلت لكم يتوقف على سؤال بلسان المقال أو على سؤال بلسان الحال والكل حاصل الآن ولا ينبغي التقصير في هذا الواجب الأصيل والتعويض عنه بالواجب الضروري ، ومن وفقه الله فجمع بينهما فهذا خير كثير وإلا ومن يضيع الأصيل ليشتغل بالضروري العارض مقصر ، فليُعلم هذا جيدا ، نبه على هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ، في المجلد الأول في حدود صفحة ( 70 ) تقريبا ، راجع لتتأكد عن صحة هذه المسألة وهي مسألة مهمة جدا يغفل عنها كثير من طلاب العلم .
( سألني من تعينت إجابتهم ) لأنهم بحاجة إلى هذا العلم .
(أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس ) لاحظوا أنهم قد سمعوا هذه المسائل ، طلبوا منه أن يكتب لهم مضمون كلاما يتضمن ما سمعوه ، ما سمعوا منه في بعض المجالس ليحفظوا ، لأن ما حفظ فر وما كتب قر ، لذلك طالب العلم لا يكتفي بالحفظ ، يحفظ فيسجل .
(من الكلام في التوحيد والصفات ) المراد بالتوحيد هنا توحيد الربوبية " في التوحيد والصفات " .
توحيد الربوبية وإن كان لا يغني وحده ولكنه هو الأول لأنه توحيد الفطرة ، والعباد مفطورون على معرفة الخالق الرازق المعطي المانع ، إلى آخر صفات الربوبية .
(وفي الشرع والقدر ) تلك المسائل في الشرع والقدر ، الإيمان بالشرع والعمل بالشرع ، والإيمان بالقدر والاستسلام للقدر ، وأن لا يعارض الشرع بالقدر ، ولا يعارض القدر بالشرع ، من أهم المسائل في باب التوحيد هذه المسألة ، تحقيق الشرع ومعرفة الشرع والعمل بالشرع وأن لا يعارض الشرع بالقدر ، الجمع بينهما أمر ضروري هما متلازمان ، لا يتم الإيمان بالشرع والعمل بالشرع إلا بالإيمان بالقدر ، أي بالإيمان بأن الله علم كل شيء أزلا فكتب عنده وأراده وشاءه بمشيئته العامة ثم قضى وفعل ونفذ على ضوء ما تقدم في علمه ، هذا الإيمان بهذه المراتب :
- المرتبة الأولى : العلم .
- المرتبة الثانية : الكتابة .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 01:51 AM

- المرتبة الثالثة : المشيئة العامة .
- المرتبة الرابعة : الفعل والتنفيذ والقضاء .
أساس من أسس الإيمان ، لذلك الإيمان بالقدر كما نعلم ركن من أركان الإيمان .
ومعنى القدر ومعنى الإيمان بالقدر معرفة هذه المراتب والوقوف عندها وأن لا يخاصم الرب بالقدر ، لا يخاصم الرب سبحانه وتعالى ويعترض عليه في شرعه بقدره ، لا يقال للرب سبحانه وتعالى لِم فعلت كذا ؟ لم أغنيت ؟ لم أفقرت ؟ لم أفنيت ؟ لم عافيت ؟ إلى آخره ، هذه تعتبر مخاصمة لله واعتراض على الله ، لا يجوز السؤال في باب القدر بـ " لم " مطلقا كما لا يجوز السؤال في باب الأسماء والصفات بـ " كيف " ، إذا أثبت الله لنفسه صفاتٍ أو أثبتها له رسوله الأمين عليه الصلاة والسلام لا يجوز لعبد ما مؤمن أن يقول كيف ذلك ؟ كيف قدرته ؟ كيف علمه ؟ كيف استواؤه ؟ كيف أصابعه ؟ كيف مجيئه لفصل القضاء ؟ كيف نزوله في آخر كل ليلة ؟ السؤال بـ " كيف " تكييف وهذا التكييف يؤدي إلى أحد أمرين :
-إما التشبيه .
- وإما التعطيل .
إذا سألت بـ " كيف " إما أن تنتهي بأنه على كيفية كذا وكذا وهو التشبيه أو تقول يجب نفي هذه الصفات لأننا لا نعلم معناها وتؤدي إلى التعطيل . في هذا الباب السؤال بـ " لم " اعتراض على الله ومخاصمة لله ورد لأحكامه لذلك ركز شيخ الإسلام في هذا الكتاب على هذه المسألة أكثر من كل المسائل .
قال الشيخ ( لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين ) التوحيد الخبري الطلبي ، وتوحيد في الشرع والقدر .
(وكثرة الاضطراب فيهما ، فإنهما مع حاجة كل أحد إليهما ، ومع أن أهل النظر ) المراد بأهل النظر علماء الكلام والفلاسفة ، إذا قيل أهل النظر هم علماء الكلام والفلاسفة .
(والعلم والإرادة والعبادة ) هذا يشمل أهل العلم بالكتاب والسنة " والإرادة " الإرادة أصل في كل عمل ، " والعبادة " قد يكون هذا لأهل السلوك والتصوف يشمل كل

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 01:52 AM

هؤلاء ، هؤلاء جميعا بأمس الحاجة إلى تحقيق مسألة الشرع والقدر لأن الاضطراب كثر عندهم جدا .
وشيخ الإسلام عندما يتحدث عن مثل هذه المسألة عن مشاهدته لأن هذه الطوائف التي يشير إليها عاشرها وخالطها وناظرها ونازلها وأفحمها بتوفيق الله تعالى ، لذلك هو من أعرف الناس بهذه الطوائف ، لأن الرجل ولد بـ " حرّان " ثم انقل في سفره إلى دمشق وفتح الله عليه في وقت قصير وتبحر في هذه العلوم كلها المنقولات والمعقولات ، ثم فاجأ الناس فجأة أن ظهر بدمشق أن ظهر من بينهم ـ لم يأت غريبا عنهم ـ فإذا هو يظهر من بينهم فيصدع بالحق وينتصر لمذهب السلف ويجهر لمحاربة هذه الطوائف كلها ، من جهمية ومعتزلة وأشعرية كلابية وصوفية وحلولية وجميع الطوائف الموجودة المجتمعة في المنطقة ، قام وحده ، جندي واحد يجابه جميع الجبهات ، سبحان الله ، وكلهم رموه من قوس واحد ، ولكن الله ثبته فأفحمهم جميعا ، لم يجدوا ولم يعلموا ماذا يفعلون إلا رفع القضايا إلى السلطات وطلب سجنه أو إبعاده ، لا سبيل غير هذا ، ولم يطالبوا بحمد الله بقتله ولكن طالبوا إما بإبعاده ونفيه أو بسجنه ليسكن السجن ، فيقبل السجن ، فيدخل السجن فيحول السجن مدرسة ويحبه أهل السجن ويتمنون أن لا يخرج من عندهم ، فيتضايق علماء السوء وهم في الشوارع من ذاك الذي في السجن ، فيطلبون نفيه ، فينفى إلى بلد آخر من دمشق إلى القاهرة ، وفي القاهرة يتربع على الكرسي فيبدأ في التدريس ، فيتضايقون ، فيطلبون إما بسجنه أو إبعاده وهكذا دواليك بين دمشق والقاهرة والإسكندرية ، إما السجن أو النفي ، لما تضايق القوم قال شيخ الإسلام : ماذا يفعل خصومي بي ؟ إن سجني خلوة ونفيي سياحة وقتلي شهادة ، ماذا يفعل الخصوم ؟ هل هناك احتمال رابع ؟ لا ، ثلاث احتمالات : سجن وإبعاد وقتل ، استسلم لكل ذلك ورضي بذلك يقينه في الله وقوة إيمانه وقوة مراقبته جعلته هذه المعاني يستسلم لهذه كلها ، لا يهاب من شيء ، لذلك وفقه الله ، إن دخل السجن ألف مؤلفات مع التعليم ، وإن نفي اشتغل في منفاه بالتأليف والفتوى والتعليم ، بهذا أبقى للأمة الإسلامية مكتبة عظيمة ، لو جمعت كتب شيخ الإسلام التي ظهرت والتي لم تظهر بعد ، لشكلت مكتبة حافلة ، الله المستعان ، يعطي الله من يشاء .
قال شيخ الإسلام (لا بد أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر ) لهؤلاء الطوائف ، سواء كانوا على الحق أو على الباطل ، الفِرَق التي أشار إليها لا بد أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والأقوال (ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال ) لأن الإنسان الذي لم يتمكن من معرفة الهدى من الضلال مهما درس تخطر له خواطر ، وتعرض عليه أقوال وتورثه الشبه .
(لا سيما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارة وبالباطل تارات ) " بالحق تارة وبالباطل تارات " هذا من إنصافه رحمه الله ، لأن علماء الكلام وإن كان الباطل عندهم كثير لكن لا يخلون من الحق في الغالب ولو مرة واحدة على اختلاف بينهم ، إلا من أعرض عن الكتاب والسنة إعراضا كليا ( كالجهمية والاتحادية والروافض ) هؤلاء أعرضوا عن الكتاب والسنة إعراضا كليا لا يلتمسون الحق في الكتاب والسنة أبدا ولا يتعلقون بهما ، وإلا فجميع الطوائف الضالة كالخوارج والجبرية والقدرية والمعتزلة والأشعرية وغيرها كلهم يدندنون حول الكتاب والسنة إما بالتأويل أو بالنفي ، بالجملة يؤمنون ، والجهمية خرجت لا تؤمن والروافض خرجت لا يؤمنون بل يزعمون لهم مصحف غير هذا المصحف ، والاتحادية خرجت لأنها زعمت انهم تجاوزوا هذه المنطقة منطقة الشرع إلى الحقيقة وإلى علم الباطن ، غير هذه الثلاثة جميع الطوائف قد تكون لديهم أحيانا نوع أو يوجد لديهم أحيانا نوع من الحق .
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى(( فالكلام في باب التوحيد والصفات هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات ، والكلام في الشرع والقدر هو من باب الطلب والإرادة الدائر بين الإرادة والمحبة وبين الكراهة والبغض نفيا وإثباتا .
والإنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات والتصديق والتكذيب ، وبين الحب والبغض والحض والمنع . حتى إن الفرق بين هذا النوع وبين النوع الآخر معروف عند العامة والخاصة ، ومعروف عند أصناف المتكلمين في العلم ، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الأيمان ، وكما ذكره المقسمون للكلام من أهل النظر والنحو والبيان فذكروا أن الكلام نوعان : خبر وإنشاء ، والخبر دائر بين النفي والإثبات ، والإنشاء أمر أو نهي أو إباحة )).

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 01:53 AM

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ( فالكلام في باب التوحيد والصفات ) أي في باب توحيد الربوبية والصفات (هو من باب الخبر ) ولذلك يقال لهما معا أي توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات يقال لهما التوحيد الخبري من باب الخبر والخبر ( دائر بين النفي والإثبات ) الخبر في أصله ، يقال ما يحتمل الصدق والكذب لذاته بصرف النظر عن القائل ، عن المُخبِر ، الخبر ، تعريف الخبر عندهم : ما يقبل الصدق والكذب لذاته ، إنما قالوا لذاته ليخرج كلام الله وكلام رسول الله عليه الصلاة والسلام.
(والكلام في الشرع والقدر هو من باب الطلب والإرادة ) يقال لهذا التوحيد التوحيدُ الطلبي والتوحيد الإرادي له أسماء كثيرة .
(من باب الطلب والإرادة الدائر بين الإرادة والمحبة ) الإرادة أصل في جميع الأعمال لأن الإنسان لا يعمل عملا من خير أو شر إلا بإرادة ، لأن الله خلقه وخلق فيه الإرادة وخلق له الاختيار وخلق له القدرة ، لذلك كما سيأتي مسألة الإرادة إرادة العبد من الأصل الذي ضل فيه بعض أهل الكلام الذين نفوا إرادة العبد .
" بين الإرادة والمحبة " المحبة في باب الشرع والقدر أن تحب الله وتحب مرضاته .
(وبين الكراهة والبغض ) تكره الشرك وتكره المعاصي وتكره الخروج على الشرع ، وتبغض أصحاب المعاصي والبدع نفيا .
(نفيا وإثباتا) إثبات ما أثبت الله لنفسه وما أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام، ونفي ما نفى الله عن نفسه ونفى عنه رسوله عليه الصلاة والسلام، إثبات شرع الله ، وإثبات القدر ، كل ذلك داخل في هذه الجمل .
(والإنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات والتصديق والتكذيب ) هذا شيء فطر عليه الإنسان (وبين الحب والبغض والحض ) وهو الحث على العمل على العمل بالشريعة (والمنع ) والامتناع عما نهى الله عنه .
(حتى إن الفرق بين هذا النوع) الذي هو توحيد الشرع والقدر (وبين النوع الآخر معروف عند العامة والخاصة) العامة والخاصة الذين لم تتغير فطرهم ، يفرقون بين النفي والإثبات وبين التوحيد الطلبي والخبري وبين توحيد العمل .
(وعند أصناف المتكلمين ) المتكلمون سواء كانوا أصابوا أو أخطئوا لكن يفرقون بين هذا النوع بين النفي والإثبات والكذب والصدق .
(عند أصناف المتكلمين في العلم ، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الأيمان) في باب الأيمان عندما يتكلمون على اليمين ، اليمين يجب أن تكون على المستقبل ، المستقبل الممكن كالسفر والقراءة والحفظ ، شيء تعمله في المستقبل ، وإذا كان في الماضي ، إن حلف على شيء ماض وهو كاذب يسمى اليمين الغموس ، لذلك الفقهاء يفرقون بين هذا وذاك وذكروا ذلك في كتاب الأيمان . (وكما ذكره المقسمون للكلام من أهل النظر والنحو) أهل النظر كما قلنا المتكلمون والفلاسفة عندما قسموا الكلام إلى خبر وإنشاء .
(والنحو والبيان) هؤلاء كلهم يتفقون على تقسيم الكلام إلى خبر يحتمل الصدق والكذب ويحتمل النفي والإثبات ، وإلى إنشاء هو الطلب .
( فذكروا أن الكلام نوعان : خبر وإنشاء ، والخبر دائر بين النفي والإثبات ) ( وبين الصدق والكذب ) ( والإنشاء أمر أو نهي أو إباحة ) هكذا ذكروا ، هذا كله توطئة للكلام الذي سيأتي إن شاء الله . نعم
قال رحمه الله تعالى (( وإذا كان كذلك فلا بد للعبد أن يثبت ما يجب إثباته له من صفات الكمال ، وينفي عنه ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال ، ولا بد له في أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته وعموم مشيئته ويثبت أمره المتضمن ما يحبه ويرضاه من القول والعمل ، ويؤمن بشرعه وقدره إيمانا خاليا من الزلل
وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده لا شريك له وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل ، والأول يتضمن التوحيد في العلم والقول كما دل على ذلك سورة " قل هو الله أحد " ودل على الآخر سورة " قل يا أيها الكافرون " وهما سورتا الإخلاص ، وبهما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر وركعتي الطواف وغير ذلك ))
قال شيخ الإسلام رحمه الله (وإذا كان كذلك ) ما أشير إليه في هذه التوطئة (فلا بد للعبد أن يثبت ما يجب إثباته له من صفات الكمال ) لا تكون الصفة صفة كمال إلا إذا جاءت من عند الله أو من عند رسول الله صلى الله عليه

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 01:54 AM

وسلمهذا يجب أن يعتقدهكل مسلم ، ما وصف الله به نفسه كله كمال ، وما وصفه به رسوله عليه الصلاة والسلامكله كمال ، ولا مصدر ثالث لإثبات صفات الله تعالى أبدا ، المصدر لإثبات صفات الله الكتاب والسنة ، وما جاء في الكتاب والسنة كمال كله .
يناقش بعض طلاب العلم لفظ ( الكمال ) الإخبار عن الله تعالى بـ ( بالكمال ) لا لأن الكمال أو الكامل من أسماء الله تعالى ، لا ، بل من باب الإخبار ، باب الإخبار أوسع من باب الصفات والأسماء ، أسماء الله تعالى توقيفية ، وصفاته توقيفية ، لكن هناك ألفاظ يخبر بها عن الله ليست هي من الصفات ولا هي من الأسماء ، تقول ( الله مريد كذا وكذا ) ( الله قديم ليس بحادث ) ( قديم ) ليس من أسماء الله ( مريد ) ليس من أسماء الله ، والإخبار بالكمال نأخذ الكمال من قوله تعالى " ليس كمثله شيء " لأن كل شيء ناقص غير الله وغير أسمائه وصفاته ، المخلوق من صفاته اللازمة النقص والفقر والجهل والظلم والعجز ، هذه نواقص ، صفات نقص تتوافر في المخلوق ، وينزه عنها الخالق ، والخالق موصوف بالكمال ، تنزهه عن هذه النواقص وأنه ليس كخلقه كمال ، هكذا يؤخذ الكمال استنباطا واستنتاجا من النصوص .
قال الشيخ رحمه الله (فلا بد للعبد أن يثبت ما يجب إثباته له من صفات الكمال) ما هو الشيء الذي يجب إثباته لله ؟ ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام ، من الإيمان بالله أن تثبت لله ما أثبت لنفسه لأن في ذلك تصديق لخبره ، وأن تثبت له ما أثبت له رسوله الأمين لأن في ذلك تصديق لخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ونفي ما أثبت الله لنفسه ونفي ما أثبته له رسوله كفر بالله ، وكفر برسول الله عليه الصلاة والسلام، لذلك القاعدة التي أجمع عليها السلف ( من أنكر أو نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة فهو كافر ) احفظ هذه القاعدة لكن افهم : ما من قاعدة إلا ولها مستثنيات ، الأصل : من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة فهو كافر ، بعد أن تصدر الحكم هكذا عموما ترجع إلى النفاة فتدرس أحوالهم ، منهم من ينفي بعد أن عرف وليست له شبهة ، مع العلم وعدم الشبهة عنادا وخرابا في قلبه ، ذلك هو الكفر ، لأن حقيقة الكفر خراب القلب ، من علم بأن الصفة الفلانية ثابتة بالكتاب والسنة ثم عارض وعاند وأبى إلا أن ينفي هذا كافر كفرا بواحا ، ولكن هناك من قامت شبه أو شبهة ولو واحدة تحول بينه وبين الكفر ، كأن سمع صفة ثابتة بالكتاب والسنة ولكن اطلع على كلام أناس ينتسبون إلى العلم فيقولون : لا يليق بالله تعالى بأنه ينزل ، لا يليق بالله تعالى بأن يوصف بأنه في السماء ، درس ، عندما درس هذه العلوم درس على أساس أنها علوم إسلامية وعقيدة أهل السنةوالجماعة بناء على هذه الدراسة وهذه الشبهة جعل يخبط في الصفات بالنفي والإثبات والتأويل ، هذا مريض يحتاج علاجا ويحتاج طبيبا ، يجب أن يعالج ولا يرمى خارج ملة الإسلام ، كفره كفر دون كفر حتى تزول هذه الشبهة ويتعلم .
هذه مسألة عالجها شيخ الإسلام وتعرض لها في كتابه الرد على البكري أيام مناظرته لعلماء الكلام كان يعالج هذه المسألة أي عدم التعميم وعدم إدخال جميع الناس في هذا التكفير العام ، التكفير قائم ولكن ليس كل إنسان يدخل في هذا ، إذ الناس تتفاوت بالجهل والمعرفة والشبهة وعدم الشبه .
(وينفي عنه ما يجب نفيه عنه) بين ذلك بقوله (مما يضاد هذه الحال) أي مما يضاد الكمال ، المراد بـ (هذه الحال) الكمال ، لأننا اتفقنا أن ما أثبته الله لنفسه كمال وما أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام كمال ، يجب إثبات ذلك ، وبمقابل ذلك يجب أن ينفي عن الله تعالى ما يضاد هذه الحال من النواقص ، أي أضداد تلك الصفات ، إذا أثبت له السمع والبصر ينفي عنه أضداد ذلك ، والكلام والإرادة والقدرة والحياة ، أضداد هذه الصفات يجب نفيها لأنها نقص .
(ولا بد له في أحكامه) وشرعه ( من أن يثبت خلقه وأمره فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته) هذا في باب القدر ، يؤمن بخلق الله تعالى أنه خالق كل شيء لأن ذلك متضمن كمال قدرته (وعموم مشيئته ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه ) أي يجمع بين الإيمان بالقضاء والقدر وبين الإيمان بالشرع ، لا يعارض القضاء والقدر بالشرع ولا يعارض الشرع بالقضاء والقدر يؤمن بهذا وبذاك ، وبالنسبة للقضاء والقدر لا يسأل عن سر القدر ، يؤمن بأنه لا يقع في هذا الكون شيء إلا بإرادة الله تعالى وقدرته وإلا بعلمه وإلا بخلقه ، فهو وحده خالق كل شيء فعال لما يريد ، ولا يلزم من أن الله علم وقدر وشاء وقضى ونفذ أن يكون كل ما

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 01:57 AM

فعله خيرا ومحبوبا عند الله ، فالله سبحانه وتعالى يخلق الإيمان والكفر ويخلق الكافر والمؤمن ويخلق الشر والخير ويخلق الطاعة والإيمان ويخلق الطاعة والمعصية كل ذلك بخلق الله تعالى وقضائه وقدرهومشيئته ، إذ لا يقع في ملكه إلا ما يشاء ، ولا يلزم كما قلنا من عموم هذه المشيئة أن يكون كل ذلك محبوبا ، لأن هذه المخلوقات قد تجتمع فيها الإرادة الشرعية والإرادة الكونية وقد تنفرد الإرادة الكونية وحدها وقد تنفرد الإرادة الدينية وحدها يأتي لهذا مبحث خاص في الرسالة إن شاء الله .
(( فأما الأول وهو التوحيد في الصفات فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله نفيا وإثباتا فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفى عنه ما نفاه عن نفسه .
وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل .
وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته ، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون " وقال تعالى " إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم ) الآية .
فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل كما قال تعالى " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " .
ففي قوله " ليس كمثله شيء " رد للتشبيه والتمثيل ، وقوله " وهو السميع البصير " رد للإلحاد والتعطيل ))
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الله وعلى آله وصحبه ، وبعد :
الدرس الثاني من دروس الرسالة التدمرية مبحث يتعلق في تحقيق الأصل الأول وهو ( توحيد الأسماء والصفات ) وقد تقدم الكلام على الأصل الثاني الذي هو توحيد ( الشرع والقدر ) المتضمن لتوحيد ( الألوهية ) ، جعل شيخ الإسلام رحمه الله في هذه الرسالة ( الأصل الأول ) توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية معا هما يطلق عليهما ( التوحيد العلمي ) التوحيد العلمي جعله هو الأصل الأول ، لأن توحيد العبادة وتوحيد الألوهية هو توحيد العمل ، العلم قبل القول والعمل ، كأن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات


أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 01:59 AM

فعله خيرا ومحبوبا عند الله ، فالله سبحانه وتعالى يخلق الإيمان والكفر ويخلق الكافر والمؤمن ويخلق الشر والخير ويخلق الطاعة والإيمان ويخلق الطاعة والمعصية كل ذلك بخلق الله تعالى وقضائه وقدرهومشيئته ، إذ لا يقع في ملكه إلا ما يشاء ، ولا يلزم كما قلنا من عموم هذه المشيئة أن يكون كل ذلك محبوبا ، لأن هذه المخلوقات قد تجتمع فيها الإرادة الشرعية والإرادة الكونية وقد تنفرد الإرادة الكونية وحدها وقد تنفرد الإرادة الدينية
(( فأما الأول وهو التوحيد في الصفات فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله نفيا وإثباتا فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفى عنه ما نفاه عن نفسه .
وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل .
وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته ، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون " وقال تعالى " إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم ) الآية .
فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل كما قال تعالى " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " .
ففي قوله " ليس كمثله شيء " رد للتشبيه والتمثيل ، وقوله " وهو السميع البصير " رد للإلحاد والتعطيل ))
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الله وعلى آله وصحبه ، وبعد :
الدرس الثاني من دروس الرسالة التدمرية مبحث يتعلق في تحقيق الأصل الأول وهو ( توحيد الأسماء والصفات ) وقد تقدم الكلام على الأصل الثاني الذي هو توحيد ( الشرع والقدر ) المتضمن لتوحيد ( الألوهية ) ، جعل شيخ الإسلام رحمه الله في هذه الرسالة ( الأصل الأول ) توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية معا هما يطلق عليهما ( التوحيد العلمي ) التوحيد العلمي جعله هو الأصل الأول ، لأن توحيد العبادة وتوحيد الألوهية هو توحيد العمل ، العلم قبل القول والعمل ، كأن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات


أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:00 AM

من باب العلم ، تعلم أولا وتعمل ثانيا ، هذا هو السر في اعتبار توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية الأصل الأول الذييرتكز عليه الإيمان ، ثم ينتقل المرء من هذا العلم إلى العمل وهو توحيد العبادة ، وتوحيد الألوهية هو التوحيد العملي .
قال الشيخ رحمه الله تعالى (فأما الأول وهو التوحيد في الصفات فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله) يلاحظ قوله (وبما وصفته به رسله) ولم يقل ( بما وصفه به رسوله ) إشارة إلى اتحاد دين الأنبياء ، دين الأنبياء واحد في الأصول وإن كان الله سبحانه وتعالى جعل لكل أمة شرعة ومنهاجا مناسبة لحياتها وظروفها وأوقاتها لكن أصل الدين واحد ، الرسل كلهم دعوا دعوة واحدة لذلك قال (وبما وصفته به رسله نفيا وإثباتا ) .
ثم قال (فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفى عنه ما نفاه عن نفسه) وهذا يدخل فيه ما أثبتته له رسله وما نفته عنه رسله داخل في هذا أي لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه إذ لا يصفه أعلم منه ، ثم لا يصفه من خلقه أعلم من رسله ، إذن مصدر العقيدة الوحي ، إذا أردنا الاختصار نقول مصدر العقيدة بل مصدر الشريعة والعقيدة معا ومصدر الدين الإسلامي الوحي فقط ، وإن كان بالنسبة للفروع قد توجد بعض الأصول غير الكتاب والسنة كـ ( قياس العلة والإجماع ) أما في هذه الباب الذي نحن بصدده لا يوجد إلا الوحي ، إلا الكتاب والسنة ، عندما نثبت ما أثبت الله لنفسه وما أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام نلاحظ الأسس الآتية :
- إثبات بلا تشبيه .
- وتنزيه بلا تعطيل .
- وقطع الطمع عن إدراك الحقيقة .
هذه الأسس الثلاثة لا بد من ملاحظتها عند الإثبات ، بحيث لا يصل الإثبات إلى التشبيه ، أي نثبت ولا نبالغ في الإثبات إلى درجة التشبيه كما فعلت المشبهة ، قالوا : نثبت لله ولكن لا نعقل من هذه الصفات إلا كما نعقل في أنفسنا ، شبهوا صفات الله تعالى بصفات خلقه ، هذه مبالغة في الإثبات ، إذن نحن نثبت إثباتا بلا تشبيه .
وننزه تنزيها بلا تعطيل ، لا نبالغ في التنزيه إلى أن ندعي كما ادعى غيرنا أن إثبات الصفات يؤدي إلى التشبيه إذن من التنزيه نفي الصفات ، لا نصل إلى هذه الدرجة في إثباتنا وفي تنزيهنا ، وفي الوقت نفسه نقطع الطمع عن إدراك حقيقة صفاته سبحانه وتعالى لا نطمع أبدا ولا نحاول ، لماذا ؟ لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ، آمنا بذات الله تعالى ولم نحاول إدراك حقيقة ذاته ، إذن كذلك لا يجوز أن نحاول إدراك حقائق صفاته ، هذا معنى قول السلف " الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحذو حذوه " هذا يقال للنفاة ، ويقال للمؤولة المفرقة بين الصفات كالأشاعرة ، الكلام في بعض الصفات كالكلام في البعض الآخر ، إذا نفى الأشعري المجيء والنزول والاستواء مثلا مع إثباته للقدرة والإرادة والسمع والبصر يقال له : الكلام في بعض الصفات كالكلام في البعض الآخر ، لماذا تفرقون بين ما جمع الله ؟ هذا يشبه الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر ، لا نقول هو هُو ولكن نقول يشبه ذلك .
هذه الأسس لا بد من ملاحظتها وإنما اقتصرنا على ما جاء عن الله وعن رسول الله عليه الصلاة والسلام لأن نصوص الصفات ليس ألغازا ولا أحاجي ، واضحة ، معانيها واضحة من وضع الكلمة ، ومراد المتكلم يعرف من لفظه ، لو أراد المتكلم خلاف ظاهره لبين ذلك ، ولم يبين ، لذلك نقول : ظاهر النصوص مرادة لله ، عندما قال الله " وهو السميع العليم [1] " إثبات السمع والبصر مراد لله ، وعندما قال الله " وجاء ربك والملك صفا صفّا " إثبات المجيء مراد لله ، ودعوى أن ظاهر النصوص غير مرادة لله تعالى فرية على الله سبحانه وتعالى وجرأة .
ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى شيخ الإسلام (وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل) (علم أن طريقة السلف ) نقف عند السلف ، من هم السلف ؟ ومتى سموا بالسلف ؟ وما السبب في هذه التسمية ؟ وهل هناك أناس غير السلف ؟ هنا بحث ينبغي أن يفهمه طالب العلم .

[1] ) لعل الشيخ رحمه الله يقصد ( وهو السميع البصير ) .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:02 AM

السلف من حيث اللغة كل من سلفك وسبقك ، كل من سبقك من آبائك وأجدادك وشيوخك سلفك ، إذن سلفنا كل من سبقنا بالإيمان بالله وبرسوله وبكتابه وبالعمل بذلك ، أولئك هم السلف ، بالنسبة للتابعين سلفهم الصحابة ، وبالنسبة لتابع التابعين سلفهم الصحابة والتابعون ، وبالنسبة لنا : الصحابة والتابعون وتابع التابعين حتى أتباع التابعين ممن لم يغيروا ولم يبدلوا من سلفنا لأنهم سبقونا إلى هذا الميدان إلى هذه العقيدة .
لفظة ( السلف ) لقب اصطلاحي ، ( السلف وأهل السنة والجماعة والأثري ) هذه الألفاظ الثلاثة اصطلح عليها بعد أن تغيرت الأحوال وقل الذين يتبعون الصحابة ، أي في عهد العباسيين بعد أن دخل علم الكلام فغير مفاهيم كثيرة ونضج هذا العلم وغطى على منهج السلف حتى كاد يُجْهَل كما قال المقريزي عند ذلك إذا رأوا إنسانا ملتزما متمسكا ينهج منهج الصحابة قالوا هذا سلفي ، هذا أثري ، أي يتبع السلف ويتبع الأثر ، الأثر السنة ، وقالوا هذا من أهل السنةوالجماعة ، وفي وقت متأخر ربما أطلقوا على هؤلاء أنه حنبلي نسبة إلى الإمام أحمد صاحب الامتحان الذي امتحن ونجح نجاحا جعل أهل عصره يعترفون له أنه إمام أهل السنة والجماعة وقامع البدعة ، لذلك كل من ينسب إليه يقال له حنبلي ، ومن توفيق الله تعالى كل الذين تمذهبوا بمذهب الإمام أحمد حتى في الفقهيات كانوا كلهم على منهج السلف إلا الأفراد القليلين الذين تأثروا بالأشعرية فيما بعد .
الشاهد لفظ السلف ، عندنا ( سلف ) و ( سلفيون ) و ( خلف ) والناس ثلاثة في هذا الباب ، إما سلف وهم الذين عنتهم الآية الكريمة " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار " هؤلاء هم السلف الأول وهم الجماعة ، أما السلفيون داخلون في هذا العطف العظيم عطفهم الله على السابقين بقوله " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان " هؤلاء هم السلفيون ، الذين اتبعوا السلف بإحسان ، أي قبل أن يغيروا أو يبدلوا ونهجوا نفس المنهج ، هؤلاء والذين اتبعوا السلف بإحسان هم السلفيون .
بقي فريق ثالث ( الخلف ) كل من جاء بعد من قبله مغيرا لما كان عليه من قبله ومخالفا لمن كان قبله يقال له ( خَلَفَ ) أو ( خلْف ) لأنه خالف وقد أطلق القرآن على هؤلاء لقب ( الخلْف ) في موضعين " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا " في سورة مريم ، وقال " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب " في آل عمران [1] أطلق القرآن على الخَف لفظة الخلف بالسكون في موضعين ، الغالب كما يقول أهل اللغة : إذا كان مخالفا لمن قبله إلى الشر الغالب بالسكون ( الخلْف ) وقد يطلق بالخلَف .
إذن الناس في هذا الباب ثلاثة : ( سلف ) ( وسلفي ) ( وخلْف أو خلَف ) ولا يوجد في باب العقيدة المذاهب الأربعة ، لا توجد في هذا الباب المذاهب الأربعة ، هما مذهبان ( سلفي ) ( وخلفي ) لا ثالث لهما ، أما في باب الفروع كما يعلم طلاب العلم المذاهب المشهورة عند المسلمين أربعة وإلا هي أكثر من أربعين ، مذاهب أهل العلم في الفقهيات كما تعلمون من دراسة كتب الفقه والحديث أكثر من أربعين فقيها ، لكن هؤلاء الأربعة بارك الله في تلامذتهم وسجلوا آراءهم واستنتاجاتهم واستنباطاتهم فعرفت مذاهبهم وإلا يوجد من هو أعلم من بعضهم ، قيل : الليث بن سعد أعلم من مالك ، هما يعيشان في وقت واحد ، الوقت الذي كان يعيش فيه مالك في هذا المسجد يعيش الليث بن سعد في مصر إمام أهل مصر .
الشاهد في بابنا هذا المذهب مذهبان ( حق ) و ( باطل ) :
أما مذهب السلف فكله حق لأنه ليس مذهبا وضعيا اجتهاديا وقد أثنى الله على السلف في الآية السابقة من قال الله فيهم "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها " هذا الوعد العظيم والثناء العظيم إنما هو لخير هذه الأمة " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم " ونحن نطمع طمعا شديدا أن ندخل في المعطوفين " والذين اتبعوهم بإحسان " من فاز بهذا العطف فقد فاز ولكن نستعيذ بالله أن نكون ممن غير وبدل ، هذا الذي ينبغي أن يفهم ، لأن علم هذا الباب علم عملي ليس علم حكاية لذلك ينبغي أن تُعرف هذه الطوائف وهذه الطبقات من الناس والعمل على ضوء ذلك العلم .
(وأئمتها) أئمة السلف : علماؤهم المشهود لهم بالإمامة من الخلفاء الراشدين والأئمة المشهورين حتى في عهد التابعين وتابع التابعين يعتبرون من أئمة السلف ، هؤلاء يثبتون لله تعالى من الصفات ما أثبت لنفسه (من غير تكييف ولا تمثيل) التكييف والتمثيل

[1] ) سبق لسان من الشيخ رحمه الله تعالى والصواب الأعراف .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:05 AM

أحيانا يفسرون تفسيرا واحدا ، يقولون التشبيه هو التمثيل والتمثيل هو التشبيه لكن عند التحقيق بينهما فرق دقيق أشار إلى هذا الفرق الشيخ فالح المهدي في كتابه هذا في ( ص 260 )
التشبيه ، لا يلزم من التشبيه المساواة من كل وجه .
ولكن يلزم من التمثيل المساواة من كل وجه .
ويفسر التكييف : بأن يحاول الإنسان أن يجعل لله أو يجعل لصفاته كيفا معينا ، وصفة معينة ، على صفة كذا وعلى هيئة كذا ، ويطلق التكييف على السؤال بكيف ، كيف علمه ؟ كيف سمعه ؟ كيف نزوله ؟ يقال لهذا تكييف .
إذن التكييف إما أن تجعل للصفة كيفية وصفة معينة أو أن تسأل عن كيفية وحقيقة الصفات بكيف .
وأما التمثيل : أن يزعم الإنسان أن صفة من صفات الله تعالى مثل صفات خلقه ، أو الله سبحانه وتعالى في ذاتِه ذاته كذوات خلقه ، هذا التمثيل لأن التمثيل يستلزم المساواة من كل وجه .
(ومن غير تحريف ولا تعطيل ) التحريف هو الميل ومنه الانحراف ، يقال للإنسان إذا لم يلتزم الدين ولم يتمسك يقال له منحرف ، أي مال منحرف أي مائل عن الحق ، إذن التحريف هو الميل .
يكون التحريف باللفظ ، تحريف الألفاظ ، تحريف اللفظ كقراءة بعض علماء الكلام لما تضايقوا من قوله تعالى " وكلم اللـهُ موسى تكليما " أرادوا أن يكون موسى هو المتكلم فحرفوا ، فقالوا " وكلم اللـهَ موسى تكليما " ، " وكلم اللـهُ موسى تكليما " يكون المتكلم هنا الله ، " وكلم اللـهَ " يكون المتكلم موسى ، " وكلم اللـهَ موسى تكليما " هكذا حرفوا تحريفا لفظيا ولكن لم ينجحوا فيما أرادوا ، فإذا حرفوا هنا فماذا يقولون في قوله تعالى " ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه " هكذا حاوره بعض أهل العلم حتى أسكتوه ، ذلك الذي اقترح أن تُقرأ الآية هكذا في " كلم اللـهَ " بالنصب ، وهذا يعتبر التحريف في اللفظ .
أما التحريف في المعنى كقولهم " الرحمن على العرش استوى " بمعنى استولى ، " وجاء ربك " أي جاء الملك أو جاء أمره " ينزل ربنا " أي ينزل أمره أو ينزل الملك ، هذا تحريف في المعنى .
(من غير تحريف ولا تعطيل) أما التعطيل فهو أن يجحد الإنسان صفات الله تعالى وينفيها إما كلها أو بعضها ولفظ التعطيل يطلق على من ينفي جميع الصفات كالمعتزلة وعلى من ينفي بعض الصفات كالأشاعرة ، وإن كانت الأشاعرة يدخلون أحيانا في الصفاتية ، إذا قسموا الناس إلى النفاة وإلى الصفاتية تدخل الأشاعرة في الصفاتية أحيانا وفي النفاة أحيانا ، وعند الإنصاف هم إلى الإثباتية أقرب منهم إلى النفاة لماذا ؟ لأنهم حتى في الصفات التي حرفوها لم ينفوا نفيا قاطعا كالمعتزلة ولكنهم أولوا ، إلا أن ذلك التأويل آل إلى النفي فيما بعد ، وذلك واضح في تأويلهم أو في نفيهم صفة العلو وصفة الاستواء وفي نفيهم صفة الكلام وإن كانوا يعدون من المؤولة لكن في هاتين الصفتين هم من النفاة لأن كلامهم صريح في النفي هنا إذ في الكتب المقررة الآن على كثير من شباب المسلمين في كثير من الأقطار متن يسمى متن ( السنوسية ) هذا الكتاب ينص على العبارة الآتية ( ليس الله فوق العرش ولا تحت العرش ولا عن يمينه ولا عن شماله ) وهذا كما ترون نفي محض لصفة الاستواء وليس بتأويل ، لذلك يعدون من هذا الباب من الجهمية لأن هذه العقيدة في الأصل للجهمية فدخلت على الأشاعرة .
هذا هو معنى التحريف ومعنى التعطيل .
(وكذلك ينفون عنه تعالىما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته) الإلحاد شبيه بالتحريف تماما لأن الإلحاد هو الميل ومنه اللحد لأنه مائل من وسط القبر إلى جهة القبلة قيل له لحد ، كذلك من ألحد في أسماء الله تعالى وصفاته - وللإلحاد أنواع - يقال له الملحد والملحد هو المحرف .
فالإلحاد يكون إلحادا بالتشبيه ، من شبه الله بخلقه أو شبه بعض صفاته بصفات خلقه فهو محرف وملحد ، إذن الإلحاد يأتي إلحاد تشبيه ويأتي إلحاد تعطيل ويأتي إلحادا كإلحاد المشركين الذين سموا بعض أصنامهم بأسماء مشتقة من أسماء الله تعالى كاللات والعزى

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:05 AM

، هذا نوع من الإلحاد ، وهناك إلحاد في التسمية ، كأن سمت النصارى رب العالمين أبا هذا إلحاد إنه سبحانه لم يلد ولم يولد ، تسميته أبا إلحاد ، كذلك تسمية الفلاسفة اللهَ رب العالمين بأنه العقل الفعال أو بأنه العلة أو علة العلل هذه كلها إلحاد ، تركوا أسماء الله الواردة في الكتاب والسنة وسموا رب العالمين بأسماء من عند أنفسهم ، أو وصف الله تعالى بما لا يليق به كما وصفت اليهود " إن الله فقير ونحن أغنياء " أو قالوا " يد الله مغلولة " كل هذه من أنواع الإلحاد .
أما أهل السنة والجماعة لا يلحدون لا في أسمائه ولا في صفاته ولا في آياته بل يسلمون تسليما ، (من غير إلحاد في أسمائه ولا في آياته).
ثم قال ( فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته ) ذمهم وأوعدهم ( كما قال تعالى " ولله الأسماء الحسنى ) التي بلغت الكمال في الحسن ، الأسماء الحسنى لا يشارك الله أحد في التسمية بها وإن حصل الاشتراك إنما يحصل في المطلق اللفظي أو المطلق الكلي ، أما في حقيقة الأسماء وفي حقيقة الصفات لا أحد يشارك الله في ذلك (" ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها") فادعوا الله بها ، لكن هل الأسماء تدعى ؟ الله يدعى بأسمائه وصفاته ، ولكن هل الأسماء تدعى ؟
انتبهوا لهذه المسألة ، هل ممكن للإنسان كما يقول يا الله يقول : يا علم الله يا سمع الله اغفر لي ، يا سمع الله اغفر لي ، يا بصر الله أعطني هل يجوز هذا ؟ . .
نبه شيخ الإسلام على أن هذا كفر بالاتفاق ، الطلب من صفات الله تعالى محضة كأنها مجردة عن الله تعالى لا يجوز ، تدعو الله بأسمائه وصفاته ، لكن لا تدعو اسما ولا تدعو صفة ، راجعوا ، هذه المسألة دقيقة ، في كتاب الرد على البكري ، تقريبا في حدود ما أضبط الآن الصفحة ولكن في الجزء الأول تجدون أقرب إلى أول الكتاب نبه على ذلك شيخ الإسلام . فلنواصل :
(" ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ") دعوهم ("سيجزون ما كانوا يعملون ") ولم يبين نوع الجزاء ومن بلاغة القرآن إبهام نوع الجزاء خيرا كان أو شرا يدل على تفخيم وتعظيم ذلك الجزاء ("سيجزون ما كانوا يعملون ") أي جزاء ؟ جزاء عظيما مناسبا لجرمهم وهو الإلحاد .
(وقال تعالى " إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا ") يكفي هذا وعيدا ولو قبل أن يأتي ما بعده (لا يخفون علينا) نحن نعلمهم ، نسمع كلامهم ونعلم منهم كل شيء ( لا يخفون علينا ) فسوف نجازيهم ، يكون المعنى هكذا .
(أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة) هذا وعيد آخر ، وعيد بأن من يلحدون في أسماء الله تعالى وآياته وصفاته يلقون في النار ، هل هم ومن يأتي آمنا يوم القيامة وهم المسلِّمون لله السالمون من الإلحاد الذين سلّموا لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام ولم يلحدوا في آياته وأسمائه وصفاته ، هؤلاء جزاؤهم يأتون يوم القيامة آمنين ، جعلني الله وإياكم منهم .
(اعملوا ما شئتم ) وعيد ثالث (اعملوا ما شئتم ) قد يأتي الكلام في اللغة العربية بصيغة الأمر ولا يراد به الأمر بل يراد به التهديد الشديد ( افعلوا ما شئتم فسوف تلقون جزاء أعمالكم ).
(فطريقتهم) طريقة السلف الذين عرفنا من هم ، وطريقة أئمة السلف (تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات) ليس من طريقتهم إثبات الأسماء المجردة - كما فعلت المعتزلة - مع نفي الصفات ، لأن في إثبات الأسماء المجردة كالأعلام التي لا تدل إلا على المسمى لا تدل على المدح ، لا مدح فيها ولا كمال ، ولكن لأن الصفات من معاني الأسماء ، إذا جرت الأسماء من معانيها ذلك معناه نفي للصفات كلها ، سميع لكن بلا سمع ، بصير لكن بلا بصر ، هذا تلاعب لا يوافق حتى أسلوب اللغة العربية .
ثم قال (مع نفي مماثلة المخلوقات ) لأن الخالق والمخلوق لا يشتركان أبدا في الحقائق الموجودة في الخارج ، كما سيأتي تفصيل ذلك في كلام الشيخ ، والمشاركة إنما تقع في اللفظ وفي المعنى المطلق العلم الذي لا وجود له إلا في الذهن لكن في الخارج لا يوجد كل شيء إلا مختصا لا اشتراك فيه ، سمع المخلوق مختص به فالله ينزه أن يشارك

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:07 AM

المخلوق في خصائص سمعه ، فسمع الخالق مختص به فالله منزه أن يشارك أحدا في خصائص سمعه ، وقس على ذلك سائر الصفات .
(إثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل )كما تقدم (إثباتا بلا تشبيه ) أي دون مبالغة في الإثبات حتى يصل إلى التشبيه (وتنزيها بلا تعطيل)دون مبالغة في التنزيه حتى يصل إلى التعطيل بل الوسط ، ودائما الأمة وسط بين اليهودية والنصرانية وأهل السنة وسط بين المفرطين ، بين أهل التشبيه وبين أهل التعطيل وسط بينهم .
(كما قال تعالى " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ") ومن أراد أن ينزه الله التنزيه اللائق به يقرأ هذه الآية (" ليس كمثله شيء ") نفي للمماثلة ( "وهو السميع البصير ") إثبات للسمع والبصر .
لذلك قال الشيخ (ففي قوله " ليس كمثله شيء " رد للتشبيه والتمثيل ، وقوله " وهو السميع البصير " رد للإلحاد والتعطيل) والنتيجة ( إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل ) هذه هي الطريقة التي سار عليها سلف هذه الأمة الذين نالوا ثناء الله وثناء رسوله عليه الصلاة والسلام والوعد العظيم من رب العالمين بالجنة وهم " السابقون الأولون " ، نعم اقرأ .

(( والله سبحانه بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل فأثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل كما قال تعالى " فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا" قال أهل اللغة هل تعلم له سميا أي نظيرا يستحق مثل اسمه،ويقال مساميا يساميه وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما " هل تعلم له سميا " مثيلا أو شبيها.
وقال تعالى " لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد "
وقال تعالى " فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون "
وقال تعالى " ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله "
وقال تعالى " وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم "
وقال تعالى " تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك "
وقال تعالى " فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون ،أم خلقنا الملائكة إناثا وهو شاهدون ،ألا إنهم من إفكهم ليقولون ،ولد الله وإنهم لكاذبون ،أصطفى البنات على البنين ،مالكم كيف تحكمون ،أفلا تذكرون ،أم لكم سلطان مبين ،فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ،وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ،سبحان الله عما يصفون ،إلا عباد الله المخلصين " إلى قوله " سبحان ربك رب العزة عما يصفون ،وسلام على المرسلين ،والحمد لله رب العالمين "
فسبح نفسه عما يصفه المفترون المشركون وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك وحمد نفسه إذ هو سبحانه المتسحق للحمد بما له من الأسماء والصفات وبديع المخلوقات ))
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه .
الشريط الثاني :
- البحث في المطلق الكلي يأتي مفصلا لكن بالاختصار ما يسمى بالمطلق الكلي لا وجود له في الخارج مثال ذلك ( علم ) قبل أن تقول علم زيد أو علم عمرو أو علم الله أو علم المخلوق ، هذا الـ ( العلم ) المطلق غير المقيد وغير المضاف لا وجود له في الخارج ، إذا قلت ( علم زيد ) ظهر في الخارج ، عُرِف بهذه الإضافة ، هذه الإضافة تُخَصِّص ، وإذا قلت ( علم الله ) عرِف وخُصِّص ، ( علم زيد ) خاص بزيد ( وعلم الله ) خاص بالله لا مشاركة بينهما لكن المشاركة تقع في المطلق الكلي ، هذا ( العلم ) غير المقيد وغير المضاف مشترك بين جميع العلوم لأنه في الذهن لا وجود له في الخارج ، المشاركة في المطلق الكلي لا تضر وهذا أمر لا بد منه لتصور الحقائق ، لكن بعد إضافة صفة الله إلى الله وصفة المخلوق إلى المخلوق لا مشاركة مطلقا ، يأتي مزيد الكلام على هذه المسألة في كلام الشيخ وكلام الشارح نفسه والله أعلم .
- في درس أمس يسأل طالب علم عن النسبة بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية ، الإرادة الشرعية تستلزم المحبة والرضا والأمر ، والإرادة الكونية بمعنى المشيئة العامة ، المشيئة والإرادة الكونية بمعنى واحد لا تستلزم الرضا والمحبة ، أي : الله قد يشاء ويريد كونا ما لا يحبه ولا يرضاه ، إذ لا يوجد في خلقه غير ما يريده ويشاؤه ويعلمه ، تجتمع الإرادة الكونية والإرادة الشرعية من باب المثال في إيمان أبي بكر مثلا ، أراد الله وعلم أزلا وكتب وشاء بأن أبا بكر يكون في مقدمة الذين يؤمنون برسول الله عليه الصلاة والسلام، وأمر الله بالإيمان وأحب إيمانه فآمن ، اجتمعت في إيمانه الإرادة الكونية والإرادة الشرعية ، فانفردت الإرادة الكونية في كفر أبي جهل ، أي : علم الله وكتب وسبق في علمه بأنه سوف يعاند فيكفر ولا يؤمن ، ولم تجتمع هنا الإرادة الشرعية ، بمعنى : لأن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ، ليس ( إيمانه ) [1] محبوبا ولكنه مراد ومشاء لله تعالى بالإرادة الكونية ، فتنفرد الإرادة الدينية من باب المثال في إيمان أبي جهل ، إيمان أبي جهل لو وجد يكون محبوبا عند الله ولكن لم يرده الله كونا وأزلا لذلك لم يقع ، هكذا مثلوا من باب المثال وتكون القسمة ثلاثية لا رابع لها والله أعلم .

- الله سبحانه وتعالى يدعى بأسمائه وصفاته لا تدعى الأسماء وحدها ، ( عليم ) اسم من أسماء الله تعالى ، ( العلم ) صفة من صفات الله ، فرِّقوا بين الصفة وبين الاسم أولا ، الصفة معنى من معاني الأسماء ، مثلا : لا يجوز أن تقول يا سمع الله ، يا علم الله ، يا كلام الله اغفر لي أو أعطني ، لا يجوز ، إنما تقول : اللهم إني أسألك بسمعك وبصرك ورحمتك وعفوك وهكذا ، أحلتكم بصفتكم طلاب على مرجع ولم أستحسن التوسع لوجود غيركم ممن قد يشوش عليه مثل هذا البحث لذلك اكتفوا بالمرجع والمكتبة قريبة والكتاب موجود بحمد الله .
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى :(( والله سبحانه بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل فأثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل كما قال تعالى " فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا " قال أهل اللغة هل تعلم له سميا أي نظيرا يستحق مثل اسمه ، ويقال مساميا يساميه وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما " هل تعلم له سميا " مثيلا أو شبيها .
وقال تعالى " لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد "
وقال تعالى " فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون "

[1] ) لعله الشيخ رحمه الله تعالى أراد ( كفره ) لأنه هو الغير محبوب بعكس الإيمان ، فلعله سبق لسان .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:09 AM

وقال تعالى " ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله "
وقال تعالى " وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم "
وقال تعالى " تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك "
وقال تعالى " فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون ،أم خلقنا الملائكة إناثا وهو شاهدون ،ألا إنهم من إفكهم ليقولون ،ولد الله وإنهم لكاذبون ،أصطفى البنات على البنين ،مالكم كيف تحكمون ،أفلا تذكرون ،أم لكم سلطان مبين ،فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ،وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ،سبحان الله عما يصفون ،إلا عباد الله المخلصين " إلى قوله " سبحان ربك رب العزة عما يصفون ،وسلام على المرسلين ،والحمد لله رب العالمين "
فسبح نفسه عما يصفه المفترون المشركون وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك وحمد نفسه إذ هو سبحانه المتسحق للحمد بما له من الأسماء والصفات وبديع المخلوقات ))
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد :
الدرس الثالث من دروس الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ، قبل أن نشرع في الدرس نقدم مقدمة ، هذه المقدمة أملتها الظروف وهي أن بعض الناس الذين لا يعرفون قيمة العقيدة وقيمة هذه الكتب كتب الأئمة التي تدرس في باب العقيدة قد يشوشوا على صغار الطلبة : لماذا تُدْرَس هذه الكتب كتب ابن حنبل وابن تيمية وابن القيم ومن في طبقتهم ، هذه الكتب قديمة لماذا لا تدرس الكتب الحديثة ؟
الشاب الساذج قد ينطلي عليه مثل هذا الكلام ، لذلك ينبغي التنبيه على أن ما يُقرأ ينقسم إلى قسمين :
- كتب أساسية في العقيدة .
- وكتب الثقافة .
أما كتب الثقافة فلطالب العلم الناضج له أن يقرأ ما يشاء من كتب العلماء المعروفين بالاستقامة ومن كتب الطوائف الأخرى والفرق الأخرى وكتب أصحاب الانتماءات كل ما يُكتب ينبغي أن يُقرأ إذا كان هناك وقت يساعدك ، هذه كتب الثقافة ، كتب الثقافة تدرس لهدفين اثنين :
- الهدف الأول : يؤخذ ما فيها من الخير ، وبأسلوب مناسب أسلوب عصري لأنه كتب بأسلوب عصرك ، تأخذ ما فيه من الخير بدون تكلف والأسلوب أسلوبك والخير معروف لديك .
- الأمر الثاني : ليرد ما فيها من الشبه والانحرافات ، ولتعرف من قراءة هذه الكتب اتجاه أصحاب الكتب ، هل هو اتجاه سليم يتمشى مع روح الإسلام أو هو اتجاه منحرف ، تعرف لكل إنسان موقعه وموقفه .
هذا بالاختصار ، لهذا تدرس كتب الثقافة العامة .
أما كتب التوحيد وكتب العقيدة وكتب الحديث وكتب الفقه هذه أحكام ، أساس ، أساس الإسلام ينبغي أن تُدرس وتؤخذ العقيدة من الذين عرفوا بالاستقامة ويُحافَظ على كتبهم وتحفظ كتبهم ، الذين ينتقدون قراءة هذه الكتب عليهم أن ينتقدوا عندما نقرأ كتاب الصلاة والصيام والزكاة والحج في نيل الأوطار في صحيح البخاري في صحيح مسلم فليقولوا هذه كتب قديمة فلتترك ، كما أن الأحكام لا يقال فيها إنها قديمة فتترك ، وكتب الأحكام أيضا فكتب العقيدة من باب أولى ، أساس الإسلام ، ينبغي أن تدرس العقيدة في كل وقت وحين ويحافظ عليها وخصوصا العقيدة على المنهج السلفي السليم ، لأننا بحمد الله إنما ندرس العقيدة على المنهج ، المنهج السليم منهج السلف الصالح تحقيق توحيد العبادة وتحقيق توحيد الأسماء والصفات وعرض توحيد الربوبية عرضا للاستدلال به على توحيد العبادة ، والذي ينبغي أن ينتقد ذلك المنهج الذي يدرسه كثير من طلبة العلم من شبابنا المسلمين في كثر من الأقطار الذين يرددون توحيد الربوبية ويقضون أعمارهم في توحيد الربوبية الذي لم يجهله أبو جهل نفسه ، ما الفائدة في تكرار توحيد ( الربوبية ) في كل وقت وحين وأنت تجهل تحقيق توحيد العبادة وتحقيق توحيد الأسماء والصفات ؟ هما محل الخصومة الآن ومحل الحاجة الآن ، تترك محل الحاجة وتجتهد فيما لا خلاف فيه قديما وحديثا ، اللهم إلا ما حصل من بعض الملحدين الذين أنكروا وجود الله تعالى عنادا لذلك لا تؤثر فيكم ثرثرة بعض الكتاب المعاصرين الذين ينتقدون منهج السلف في باب

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:10 AM

الأسماء والصفات وفي توحيد العبادة ، يُدرس هذا المنهج وهذه العقيدة ويُهتم بها أكثر من الاهتمام بالصلاة والزكاة والحج لأن هذه أساسها العقيدة ، إذا كانت العقيدة فاسدة ما يعتقده العبد نحو ربه ودينه ونبيه ، لا صلاة له ولا صيام ولا زكاة إلى آخره .
لذلك ينبغي التنبيه على هذا وعدم الإصغاء إلى تلبيس الملبسين وبالله التوفيق .
وبعد :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته التدمرية (والله سبحانه وتعالى بعث رسله بإثبات مفصل ) لم يقل ( بعث رسوله ) بل قال (بعث رسله) إشارة إلى أن دين الرسل واحد أصول دين الرسل واحدة وإنما جعل الله في الشريعة منهجا يناسب كل زمان وكل مكان ، جعل لكل أمة شرعة ومنهاجا في باب العبادة في المعاملات في الأحكام ، أما أصول الدين في المطالب الإلهية وفي النبوات وفي شؤون المعاد لا تختلف أبدا إلى هذا يشير الشيخ بقوله (بعث الله رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل) يكتب هنا - أي غالبا ، لأن الإثبات قد يأتي مجملا والنفي قد يأتي مفصلا وهذا أوضحه الشيخ في الواسطية كما تعلمون لذلك هذا إنما هو غالبا هكذا ، وإلا كما ستأتي الأمثلة في هذه الآيات التي أوردها الشيخ تجدون أحيانا الإثبات مجملا والنفي مفصلا يأتي أحيانا هكذا .
(فأثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل) لأن الإثبات هو الأصل ، إثبات الصفات هو الأصل والتنزيه إنما هو مبالغة في ذلك الإثبات ، لذلك يكفي فيه الإجمال .
(ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل ) تكلمنا فيما تقدم في التفريق بين التشبيه والتمثيل ، التشبيه لا يلزم منه أن يكون من كل وجه ، أي : بين المشبَّه والمشبَّه به ، أما التمثيل يلزم منه ذلك كما تقدم .
(كما قال تعالى " فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا " ) استفهام إنكاري (هل تعلم له سميا) هذا إجمال ، إجمال في النفي ، (هل تعلم له سميا) في ذاته وصفاته وأفعاله ، هذا معنى الإجمال .
(قال أهل اللغة هل تعلم له سميا أي نظيرا يستحق مثل اسمه ، ويقال مساميا يساميه - أي يساويه - وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما " هل تعلم له سميا " مثيلا أو شبيها) المعنى واحد اختلاف في العبارات فقط .
(وقال تعالى " لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ") ماذا يسمى هذا ؟ هذا نفي مفصّل ، انتبه ، لذلك قلنا [غالبا] جاء النفي هنا مفصلا (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) أي على خلاف الغالب ، جاء النفي هنا مفصلا على خلاف الغالب .
(وقال تعالى " فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ") (لا تجعلوا لله أندادا) نظراء لا في الذات ولا في الأسماء ولا في الصفات هذا مجمل ، هذا نفي مجمل .
(ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا) هذا وإن كان ليس نفيا صريحا لكنه ذكر في معرض الذم وهو يتضمن النفي ، (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا) لم يذكر مدحا لهم ولكن ذما لهم .
(يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله) محل الشاهد من الآية (من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله) لأن ذِكر ذلك في معرض الذم يتضمن النفي .
(وقال تعالى " وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ،بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ") قال (أنى يكون له ولد) نفي ، نفي للولد (ولم تكن له صاحبة) نفي للصاحبة إذن هذا نفي مفصل (وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم) (وهو بكل شيء عليم) وهذا إثبات يحتمل أن يكون مجملا باعتبار المعلومات أما باعتبار إثبات العلم إثبات مفصل إثبات للعلم .
(وقال تعالى " تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ") ماذا يسمى هذا ؟ .. نفي مفصّل ، كل هذا على خلاف الغالب لأن الشيخ لا يريد من إيراده هذه الآيات الحصر وإنما هي أمثلة .
(وقال تعالى " فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون) كذلك نفي مفصل (أم خلقنا الملائكة إناثا وهو شاهدون ،ألا إنهم من إفكهم ليقولون ،ولد الله وإنهم لكاذبون) كل هذا نفي مفصل وإن لم يكن صريحا في النفي (أصطفى البنات على البنين) كذلك (مالكم كيف تحكمون) كل هذا نفي مفصل (أفلا تذكرون ،أم لكم سلطان مبين ،فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ،وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ،سبحان الله عما يصفون) (سبحان الله عما يصفون) نفي مجمل لأن هذا التنزيه يتضمن النفي ، ثم قال (عما يصفون) يشمل وصفهم بإثبات الولد وإثبات الصاحبة أو غير ذلك مما وصف به الكفار والمشركون .
(وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك وحمد نفسه إذ هو سبحانه المتسحق للحمد بما له من الأسماء والصفات وبديع المخلوقات) ..
(سبحان ربك) يتضمن التنزيه العام يمكن أن يقال فيه نفي مجمل لأن التنزيه عن كل ما لا يليق بالله تعالى داخل في النفي المجمل ..
راجعوا في هذه المسألة شرح الواسطية ، هناك إشارة إلى أن النفي يأتي مجملا ومفصلا وكذلك الإثبات يأتي مفصلا ومجملا ، في أصرح من هذا هناك .
قال رحمه الله تعالى ((وأما الإثبات المفصل فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته كقوله "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" الآية بكمالها ،وقوله "قل هو الله أحد ،الله الصمد" السورة وقوله "وهو العليم الحكيم""وهو العليم القدير""وهو السميع البصير""وهو العزيز الحكيم""وهو الغفور الرحيم ""وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد""هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ،هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:11 AM

السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير"
" وقوله ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم " وقوله " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين "الآية وقوله "رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه" وقوله "ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه" وقوله " إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون "وقوله " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة " وقوله "ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين .
وقوله "وكلم الله موسى تكليما " وقوله " وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا " وقوله "ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون " وقوله "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " وقوله "هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم ،هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون ،هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم "
وإلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أسماء الرب تعالى وصفاته ، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ))
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (وأما الإثبات المفصل) فهو الغالب كما تقدم ، وإنما كان غالبا لأنه هو المقصود أيضا .
(فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته) إشارة إلى أن الأسماء والصفات أو باب الأسماء والصفات باب توقيفي ليس لأحد أن يجتهد فيزيد من عند نفسه في أسماء الله تعالى وصفاته .
(كقوله "الله لا إله إلا هو الحي القيوم") أثبت لنفسه الحياة واسمه ( الحي ) و (القيوم ) وهذان الاسمان كل الصفات الذاتية راجعة إلى اسمه تعالى ( الحي ) وكل الصفات الفعلية راجعة إلى اسمه تعالى ( القيوم ) ، ( الحي ) أي بالحياة الكاملة ، الحياة الكاملة تتضمن ( العلم) ( والسمع) ( والبصر ) ( والكلام ) وغير ذلك من الصفات هذا معنى رجوع الصفات الذاتية إلى اسمه تعالى ( الحي ) وإنما يحصل النقص في ( العلم ) ( والسمع ) ( والبصر ) لنقص الحياة ، لما كانت حياتنا ناقصة لزم من ذلك أن يكون علمنا ناقصا محدودا ، ويعتري سمعنا وبصرنا وجميع صفاتنا نقص وعيب لأن الحياة نفسها ناقصة ، ولما كانت حياة الله الحياة الكاملة من كل وجه استلزمت ثبوت جميع الصفات الذاتية الكاملة .
(القيوم) القائم بنفسه الذي لا يحتاج إلى غيره في وجوده ، المقيم لغيره لا يقوم شيء إلا بإقامته ، والمقيم على غيره أيضا بتدبير أمور عباده وشؤونهم ، إذن جميع الصفات الفعلية راجعة إلى هذا الاسم العظيم ، وقد قال بعضهم : ( القيوم ) هو الاسم الأعظم ، أو ( الحي القيوم ) معا .
الشاهد في درسنا إثبات ( الحي ) وإثبات الحياة وإثبات أنه ( القيوم ) وإثبات القِيام بنفسه والقيام على غيره بالتفصيل ، ثم كمّل الآية آية الكرسي بكمالها .
(قل هو الله أحد ،الله الصمد") إثبات مفصل (قل هو الله أحد ،الله الصمد") وقال (السورة) إذا أكملنا السورة سوف ننتقل إلى النفي المفصل ولكن هذا هو محل الشاهد من السورة .
("وهو العليم الحكيم") إثبات مفصل واضح .
("وهو العليم القدير""وهو السميع البصير") هذه الأسماء كما تعلمون تدل على المعاني في التفصيل : على العلم وعلى الحكمة وعلى القدرة وعلى السمع وعلى البصر لأن من منهج ومن طريقة أهل السنةوالجماعة أن الأسماء تدل على المعاني وتلك المعاني هي الصفات ، لا نقول كما قالت المعتزلة : عليم بلا علم سميع بلا سمع بصير بلا بصر ، وما ذكر في كتاب ( الحيدة ) في هذا المعنى اختلف أهل العلم في توجيه ذلك ، من يثبتون نسبة الكتاب إلى عبد العزيز يؤولون ذلك أو يلتمسون له العذر ، يقولون لعله من باب المناظرة لأن المناظر أحيانا ينبغي له أن لا يحتد وينبغي له أن يوافق خصمه أحيانا بحيث لا يؤدي ذلك إلى كتمان الحق ، هذا ما يحاول به من يثبت نسبة الكتاب من التماس الأعذار إلى عبد العزيز .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:12 AM

وأما الذين لا يثبتون نسبة الكتاب فيرون بأن الكتاب تمثيلية رويت على أسلوب أو على لسان عبد العزيز لا يتكلفون هذا التكلف فيرون إنها هفوة وقعت في أثناء المناظرة ولكل جواد كبوة .
وعلى كل الكتاب كتاب عظيم يشتمل على خير كثير والحق والصواب الذي فيه هو الأكثر وقد يغطي ما حصل من مثل هذه الهفوة ومن الذي لا يخطئ ، وبعد :
("وهو الغفور الرحيم ""وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد""هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم) والآيات ظاهرة كلها في الإثبات المفصل (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش) إثبات مفصل لصفة الاستواء ، وإذا كنا تعدينا أو مررنا على ما تقدم بدون تعليق فلا بد من التعليق على هذه الصفة صفة الاستواء لأنها محل المعركة بين السلف والخلف .
السلف يثبتون استواء الله تعالى على عرشه استواء يليق به وأن صفة الاستواء صفة فعليه وهي غير صفة العلو ، وصفة العلو صفة ذاتية لا تفارق الله سبحانه وتعالى ، بمعنى : لم يزل الله سبحانه في علوه ولن يزال وحتى في حال نزوله إلى سماء الدنيا وفي حال مجيئه يوم القيامة لفصل القضاء فهو يوصف بالعلو لأن نزول الرب سبحانه وتعالى ليس كنزول المخلوق ولا مجيئه كمجيء المخلوق حتى يلزم من ذلك فراغ المحل الأول والانتقال ، بل نزول يليق به ومجيء يليق به ، هما صفتان فعليتان أي النزول والمجيء لا يتنافيان مع الصفة الذاتية الثابتة لله تعالى وهي صفة العلو ، أما الاستواء كما أخبر الله في هذه الآية (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى) بـ ( ثم ) التي تفيد الترتيب والتراخي أي حصل الاستواء على العرش بعد خلق السماوات والأرض ، وما يقوله بعض المفسرين المتأخرين من أن ( ثم ) ليست للترتيب هنا ، لا ترتيب ولا تقديم ولا تأخير وأن معنى استوى إنما هو الهيمنة والسلطان فتفسير خَلَفي أشعري إلا أن الكاتب لبراعته في أسلوبه لا يظهر أشعريته ، ولا يدرك أشعريته إلا من يعرف تلك العقيدة ، وتتبعت تفسير في ظلال القرآن فوجدت أنه يسلك في جميع الآيات السبع هذا المسلك أن المراد من الاستواء الهيمنة يقول لا نشك في ذلك ، وثم يدعي أنه لا يعلم معنى العرش ، العكس هو الصواب ، العرش معروف في اللغة : ( سرير الملك ) إلا أن عرش الرحمن لا ندرك كنه أو حقيقة كبره وسعته ولكنه مخلوق معلوم ، الذي لا يُعلم : كيفية استواء الرب سبحانه وتعالى بعد أن نعرف معنى استوى " الرحمن على العرش استوى " علا ، أما كيفية علوه واستوائه على عرشه هو الذي لا يُعلم فلينتبه لمثل هذا لأن هذا التفسير المشار إليه منتشر في أيدي الشباب ولكونه يستعمل أسلوبا عصريا إنشائيا يحبه الشباب قد ينخدعون بما فيه من بعض الهفوات في باب الأسماء والصفات .
ثم قال (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها) تفصيل مفصل سبحانه " يعلم ما يلج في الأرض " إثبات للعلم بما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها .
ثم قال (وهو معكم أينما كنتم) هذه الآية العظيمة في أولها بينت استواء الله تعالى على عرشه وفي آخرها بينت صفة المعية (وهو معكم أينما كنتم) كيف يكون معنا وهو مستو على عرشه ؟ والعرش سقف الدنيا ، فالله سبحانه وتعالى فوق عرشه كما يليق به ، ليس مختلطا بخلقه ، وليس فوق العرش مخلوق ، كيف يكون معنا ؟
فلْيُنْتَبَه ، المعية بإجماع السلف إنما هي معية ( العلم ) ومعية ( السمع ) و ( البصر ) و (التدبير ) وجميع معاني الربوبية وليست معية الذات ، لم يقل أحد من سلف هذه الأمة الذين أثنى الله عليهم وأثنى عليهم رسوله عليه الصلاة والسلام ، أثنى الله عليهم وأثبت لهم الرضا والجنة من الآن وهم على وجه الأرض قبل أن يموتوا قال الله فيهم " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات " وهذا الثناء وهذا الوعد الكريم من الله دل على أن القوم على الحق المحض في عقيدتهم ليس في عقيدتهم دخل ولا خطأ عقيدتهم حق محض فيما يعتقدون نحو ربهم وكتاب ربهم ورسول ربهم ، وفي شؤون المعاد ، أي : في المطالب الإلهية والنبوات والمعاد ، يلزم لزوما أن يُفهم هذا المعنى من هذا الثناء ومن هذا الوعد ، ثم الذين اتبعوهم بإحسان عليهم أن يطمعوا طمعا شديدا في ذلك لأن الله أثبت للذين اتبعوهم بإحسان قبل أن يبدلوا أو يغيروا أثبت لهم ما أثبت للسابقين الأولين ، آية عظيمة فيها رجاء عظيم للسلفيين [1]، انتبه ، هنا سلف وسلفيون " السابقون الأولون " هم السلف الذين سلفونا وسبقونا " والذين اتبعوهم بإحسان " هم السلفيون ، أي : المتبعون للسلف إذن اتباع السلف هو الخير كله ومخالفتهم الشر كله . لأن مخالفة الركب الأول الذين هم محل ثناء الله وثناء رسوله معنى ذلك مخالفة للدين وإن كانت المخالفة تختلف ، قد تصل إلى الكفر وقد لا تصل ، الشاهد هؤلاء كلهم جميعا لم يُؤْثر ولم ينقل من أحد منهم أنه قال بأن الله معنا بذاته في الأرض هنا بل أنكر الذين أدركوا زمن الفتنة بعد أن دخل علم الكلام في العقيدة وشوش على الناس وسمع المسلمين من جديد ما لم يسمعوا من قبل بأن الله في كل كان بذاته وهو في كل شيء ودرسوا درس شباب المسلمين عقيدة لا يفهمون معناها بأن الله ليس فوق العرش ولا تحت العرش ولا عن يمينه ولا عن يساره كل هذا حدث قريبا وقريبا جدا في عهد العباسيين ، المسلمون الأولون من عهد النبوة وعهد الخلافة الراشدة وأيام الأمويين وأوائل عهد العباسيين لا يعرفون من هذا التخبط وهذا النفي والتشبيه والتمثيل لا يعرفون شيئا من ذلك ولم يسمعوا بل يؤمنون بأن الله بذاته فوق جميع مخلوقاته وهو مع ذلك مع عباده لا يخلو مكان من ( علمه ) صرح الأئمة بما فيهم بعض الأئمة الأربعة المشهود لهم بالإمامة بأن الله مستو على عرشه فوق جميع مخلوقاته وعلمه في كل مكان ، علمه في كل مكان ولا يخلو مكان من علمه بمعنى : محيط بعلمه بكل شيء ، علوه فوق عرشه لا يمنعه من أن يعلم دقائق الأمور منا ، وهو سبحانه يعلم منا الآن ما لا يعلم الجليس من جليسه ، الجليس من جليسه لا يعلم إلا ما يبدو له لا يعلم ما تحت ثوبه فضلا من أن يعلم ما في صدره ، إذن مَن يعلم منك هذا العلم الدقيق الذي لا يعلم منك جليسك أليس هو معك ؟ هذا معنى المعية ، إذن المعية معية حقيقية وليست مجازية ، كما أن استواء الله على عرشه حقيقي وعلوه حقيقي والمعية حقيقية أيضا بالمعنى الذي شرحنا وأشرنا إليه أي : معية العلم .
قال رحمه الله (وهو معكم أينما كنتم) في أي مكان كنتم فهو معكم سبحانه ، وهو الوحيد الواحد الأحد لكن مع جميع مخلوقاته مع كثرتهم أينما كانوا ما أعظم شأنه .

[1] ) هنا ينتصف الشريط .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:13 AM

(والله بما تعملون بصير) وآخر الآية ، تذييل الآية بهذا يشير إلى معنى المعية (والله بما تعملون بصير) أن المعية معية ( العلم ) معية ( السمع ) معية ( البصر ) معية ( التدبير ) .
(ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه) إثبات الرضا (فأحبط أعمالهم) . (ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله) السخط والغضب بمعنى واحد ، إثبات صفة السخط والغضب من الصفات الفعلية (وكرهوا رضوانه) إثبات الرضا (فأحبط أعمالهم ) ..
قوله (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) إثبات المحبة لله ، إثبات المحبة من الطرفين ، هذا ما شددت الأشعرية في الإنكار قالوا : لا مناسبة بين الخالق والمخلوق حتى تُثبت المحبة بين الخالق والمخلوق ، أي : لا يوصف بأنه يحب بل معنى يحب يُنْعِم ويكرم فيعطي ولا يوصف بأن العباد يحبونه بل تفسر محبة العباد لله بالطاعة ، محبة العباد لله رب العالمين بالطاعة فنحن نثبت الصفة ونثبت لازمها ، فهم ينفون الصفة ويثبتون اللازم هذا تناقض حتى من الناحية العقلية ، إذا نفيت الصفة يلزم نفي اللازم فنحن نثبت الصفة أي : بأن الله يحب عباده ونثبت لازم الصفة : الإنعام والإكرام والعطاء العظيم . هذا لازم المحبة ، كذلك نثبت بأن العباد يحبونه ومن محبتهم ربهم وخالقهم طاعتهم إياه وعبادتهم إياه هذا من لازم ذلك ، هذا ما درج عليه السلف ، انتبه دائما ابحث في كل صفة وفي كل مقام وجدت فيه الاختلاف بين السلف وبين الخلف عليك أن تؤثر دائما طريقة السلف ، والخلف أنفسهم يشهدون بذلك ويحثون على ذلك من تناقضاتهم حيث يقول قائلهم :
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف

والعجب العجاب أن هذا الكتاب ( جوهرة التوحيد ) من الكتب المقررة التي يحفظها طلاب الأزهر وفروع الأزهر حفظا في تلك المنظومة هذا البيت وأبيات أخرى بهذا المعنى ومع ذلك كأن الله أعمى بصيرتهم لم يلتفتوا لمنهج السلف ، متمسكون بمنهج الخلف ، هذه الأبيات لا معنى لها في قراءتها بالنسبة لهم .
(أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين "الآية "رضي الله عنهم) مثل قوله تعالى (بقوم يحبهم ويحبونه) نثبت بأن الله يرضى عن عباده المؤمنين ( رضى ) صفة فعل ، وأن العباد يرضون عن ربهم عطاءه وكرمه (ذلك لمن خشي ربه) " خشي ربه " الله سبحانه وتعالى العباد يحبونه ويرضون عنه وفي الوقت نفسه يخشونه ، ليس هناك أحد تحبه وتخشاه ، فإذا فررت فررْت إليه ، كل أحد إذا خفت منه تفر منه إلى غيره ، أما الرب سبحانه إذا خفت منه ، من صحة العبودية أن تفر منه إليه " ففروا إلى الله " تخشاه وتفر منه إلى من ؟ إليه سبحانه ، هذه من خصائص رب العالمين .
(ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه) هذا محل الشاهد الله يغضب على من يفعل ما يكرهه رب العالمين كقتل النفس ، ويلعنه : يبعده من رحمته ولا يلزم من ذلك الكفر ، قد يغضب عليه ويلعنه فإذا تاب تابَ الله عليه ، من قتل نفسا أو فعل فاحشة أو فعل ما فعل من الموبقات واستحق الغضب والسخط واللعن لا يلزم من هذا بأنه لو مات على هذا مات وهو كافر بل يموت وفيه من معاني الكفر والإيمان معا ، وقد ادخر النبي عليه الصلاة والسلام شفاعته لأهل الكبائر من أمته ، لذلك الذين يموتون بعد أن ارتكبوا الكبائر قبل أن يتوبوا يفوض أمرهم إلى الله لا يقطع بكفرهم أما ما يقوله بعض المتطرفين من لم يصل إيمانه إلى إيمان ماعز بن مالك ...[1] بعد أن يرتكب الكبيرة فهو كافر مرتد هذا جهل منهم وسلوك منهم مسلك الخوارج من حيث لا يشعرون ، الناس حتى الصحابة يتفاوتون في الإيمان وليس بلازم أن يكون إيمان كل فرد كإيمان الآخرين لم يدع أحد من الصحابة أن إيمانه كإيمان أبي بكر وعمر مثلا ، في عهد النبي عليه الصلاة والسلامكما ارتكب هذا الشخصان والقصة معروفة ما ارتكبا من الفواحش أو من فاحشة الزنا ولم يستطيعا الصبر بعد ذلك بل بادرا بالاعتراف وطالبا بإقامة الحد عليهما لكن كل الذين فعلوا مثل ذلك أو قريبا من ذلك في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كانوا فعلوا مثل فعلهما ؟
لا .

[1] ) عندي مسح في الشريط .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:14 AM

حصل من شخص شرب الخمر فلم يقدم نفسه فأخِذ إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأقيم عليه الحد ثم شرب مرة ثانية ومرة ثالثة فيقام عليه الحد في كل مرة بدون أن يقدم هو نفسه ومع ذلك في المرة الثالثة أو الرابعة الشك مني قال بعض الصحابة : لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به وهو سكران إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، قال عليه الصلاة والسلام : لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ، إيمان هذا الرجل وإن كان أثبت له النبي عليه الصلاة والسلام بأنه يحب الله ورسوله قطعا دون إيمان الغامدية وماعز حيث لم يصبرا على تلك القاذورة وتلك الفاحشة وقدما أنفسهما بإلحاح وإصرار ، وحصل في عهد الصحابة خصوصا في عهد عمر أيضا من شرب الخمر في رمضان فأقيم عليه الحد ، أقام عليه الحد عمر نفسه .. قال تأتي سكران وصبيانا صوّم ثم نفاه من المدينة .
أريد أن أقول إن ارتكاب هذه الفواحش في كل وقت لا يلزم منه الكفر البواح إنما مرتكب هذه الكبائر كفره كفر دون كفر أي كفر عملي ، ولا ينبغي التطرف بدعوى التحمس والغيرة إلى درجة إخراج عصاة الموحدين من الإيمان والحكم عليهم بالكفر وليسوا بكافرين ، ينبغي أن يَدرس الإنسان الفقه دراسة فاحصة فقه السنة حتى لا يتخبط مثل هذا التخبط وخصوصا في هذا الوقت والناس أعرضت عن دراسة كتب السنة وكتب الفقه واكتفت بدراسة الكتب الثقافية وكتب الكتّاب المعاصرين وهم ليسوا بفقهاء فصاروا أو أعلنوا عن أنفسهم بأنهم هم العلماء وهم أكثر خطأ وأخطاؤهم أكثر حتى من أخطاء صغار طلبة العلم ، الله المستعان .
وقوله (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم) " ينادَون " على أن الله هو الذي يناديهم ويحتمل هذا ليس بصريح أن يكون النداء من الله أو بأمر الله ولكن يأتي ما هو أصرح من هذا .
(إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون "وقوله"هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة) إثبات ( مجيء ) الله تعالى يوم القيامة .
(ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) الذي عليه بعض المفسرين قوله تعالى " ثم استوى إلى السماء " بخلاف قوله تعالى " ثم استوى على العرش " أي : إذا تعدى بـ ( إلى ) يكون بمعنى القصد أي قصد ..
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه ...
الحمد لله رب العالمين وصلاة الله وسلامه ورحمته وبركاته على رسوله الأمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
كنا نسرد الآيات التي فيها الإثبات المفصل ووقفنا عند قوله تعالى (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون) الشاهد من الآية (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم) أما الفعل " ينادَون " ليس بصريح في إثبات صفة الكلام وستأتي أدلة كثيرة في إثبات صفة الكلام لأن لفظة " ينادَون " الفعل مبني للمجهول يحتمل أن الذي يناديهم هو الله ويحتمل أن الله يوكل أو يكلف ملكا يناديهم ولذلك ليس بصريح ، إذن محل الشاهد من الآية (لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم) إثبات المقت وهو بمعنى الغضب وهو من الصفات الفعلية فصفات الأفعال تتجدد ولا توصف بالقِدم ، الصفات التي توصف بأنها قديمة قِدم الذات هي الصفات الذاتية كالقدرة والعلم والإرادة وغير ذلك أما الصفات الفعلية فهي تتعلق بمشيئة الله تعالى فتتجدد .
وقوله تعالى (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة) ومحل الشاهد من الآية ظاهر " إلا أن يأتيهم الله " إثبات الإتيان وهو المجيء يوم القيامة لفصل القضاء ، الإتيان والمجيء بمعنى واحد وهي أيضا من الصفات الفعلية التي تتجدد حسب مشيئة الرب سبحانه وتعالى ، أخّر المجيء إلى يوم القيامة لحكمة يعلمها وليس بعاجز عن الاتصاف بهذه الصفة قبل ذلك الوقت .
وقوله تعالى (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا) الآية ، الشاهد " ثم استوى إلى السماء " من أهل التفسير من فسر استوى المتعدي بـ ( إلى ) تفسير استوى المتعدي بـ ( على ) أي بمعنى العلو ، ومنهم من فسر بالقصد هذا هو المتبادر والله أعلم ، وعلى كل إثبات صفة الاستواء ، فصفة الاستواء

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:15 AM

صفة فعلية أيضا ينبغي أن نفرق دائما بين الصفتين الذاتية والفعلية ، كل صفة تتعلق بمشيئة الله تعالى وتتجدد حسب مشيئة الرب سبحانه فهي من الصفات الفعلية لأن الله فعال لما يريد ، وأما الصفات الذاتية فهي الصفة القديمة اللازمة لذات الله تعالى ولا تنفك عنه .
(وقوله "وكلم الله موسى تكليما) الشاهد واضح إثبات صفة الكلام ، فصفة الكلام لها اعتباران :
- باعتبار أصل الكلام ونوع الكلام فهي صفة ذاتية أي : بأن الله سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال أن يتصف بالكلام لأن الكلام من صفات الكمال ولا يجوز أن يَعدم صفة الكمال إذن فالله سبحانه وتعالى موصوف بصفة الكلام دائما وأبدا ولا يجوز أن يُعتقد أن الكلام كان ممتنعا عليه يوما ما ثم تكلم ، ولم يكن عاجزا عن الكلام ثم تكلم ، بل صفة الكلام باعتبار أصل الصفة ونوع الصفة صفة ذاتية .
- وباعتبار أفراد الكلام صفة فعلية لأن أفراد الكلام يحصل في وقت دون وقت : خاطب الله نوحا فذلك كلامه ، وكلم موسى في وقت غير ذلك الوقت وكلم رسوله وخاتم رسله محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج فأسمعه كلامه فذلك فرد من أفراد كلامه والقرآن من كلام الله والتوراة والإنجيل والزبور .
فالله سبحانه وتعالى يتكلم عندما يقول في آخر كل ليلة إذا بقي الثلث الأخير : هل من مستغفر فأغفر له . ويكلم أهل الجنة يوم القيامة ، هذا معنى أن أفراد الكلام حادث وليس بقديم بل صفة فعليه ، إلا أن الحدوث لا يلزم منه الخلق ، أي : كل مخلوق حادث وليس كل حادث مخلوقا ، لأن الله سبحانه وتعالى يُحْدِث ما يُحْدِث إما بالخلق والاختراع والإيجاد وقد يحدث ما يحدث بالتكلم والخطاب والإنزال هذا هو إحداث القرآن ، لا يقال إن القرآن قديم كما زعم بعضهم ذلك ربما نسب ذلك إلى الإمام احمد ولم يقل ذلك أبدا ، بل القرآن حدث حدوث إنزال وخطاب وتكلم به ولا يلزم من القول بأنه حادث أنه مخلوق فليُفَرّق بين الأمرين .
وقوله تعالى (وكلم الله موسى تكليما) تأكيد الفعل بالمصدر ينفي احتمال المجاز ، لو قال ( وكلم الله موسى ) واكتفى لا يكون الكلام حقيقة بل فيه احتمال ، لكن قوله تعالى (وكلم الله موسى تكليما) أي كلاما حقيقيا لا يحتمل إلا الكلام الحقيقي لا يحتمل المجاز ، بالاختصار : تأكيد الفعل بالمصدر ينفي المعنى المجازي ، فمثلا : لو قال الإنسان ( ضربت زيدا ضربا ) لا يحتمل إلا الضرب الحقيقي ، لكن لو قال ( ضربت زيدا ) فسكت يحتمل أنه آلمه بالسب والإساءة إليه ألما كألم الضرب ، ( قتلت زيدا ) يحتمل القتل الحقيقي ويحتمل الضرب ، ( قتلت زيدا قتلا ) لا يحتمل إلا إزهاق الروح وهكذا قوله تعالى (وكلم الله موسى تكليما ) تأكيد بأن الله كلمه حقيقة .
فصفة الكلام أدلتها كثيرة جدا في القرآن ومع ذلك فهي محل المعركة بين السلف والخلف ، صفة الكلام وصفة العلو وصفة الاستواء من الصفات التي خالفت الأشاعرة فيها السلف خلافا ظاهرا ، حتى إن كلامهم يؤدي إلى نفي الصفات لا إلى مجرد التأويل ، والعجب تشددهم في نفي الكلام الحقيقي مع كثرة الأدلة المتنوعة أحيانا بالقول وأحيانا بالنداء وأحيانا بالتكلم وأحيانا بالإيحاء ، ما أكثر الأدلة في القرآن التي تثبت بأن الله يتكلم فينادي فيقول .
قال تعالى (وناديناه من جانب الطور الأيمن) " ناديناه " نادى موسى ، نداء والنداء لا يكون إلا بصوت عال ، يستفاد من الآية بأن كلام الله له صوت يُسمع وأن المخاطَب يسمع صوت الرب سبحانه ، فرسول الله عليه الصلاة والسلامعندما خاطبه الله ليلة الإسراء والمعراج سمع كلام الله بصوت الله ، وموسى سمع كلام الله بصوت الله وإنما نصصنا على ذكر الصوت لأن الأشاعرة وهم جيرانكم يقولون كلام الله ليس بحرف ولا صوت ، أعني بالجوار بأن زملاؤكم من شباب المسلمين الذين يدرسون في جامعة الأزهر وفروع الأزهر من جميع الجامعات التي تدرس الإسلام يدرسون فيقولون في دروسهم أو تقول الكتب المقررة : الله يتكلم بكلام ليس له حرف ولا صوت أي إن كلام الله معنى واحد قائم بالذات ليس له حرف ولا صوت وإذا كانوا هم يكررون هذا الكلام من هناك فنحن نكرر من هنا بأن الله يتكلم بكلام يُسمع له حرف وصوت ، القرآن حروف فهو من كلام الله والذين سمعوا هذا القرآن من الله : جبرائيل سمع صوت الله ومحمد صلى الله عليه وسلم سمع صوت الله وكل من خاطبهم الرب من الأنبياء سمعوا كلام الله تعالى بصوت الله ، فلنكن صرحاء في تقرير عقيدتنا ، إذا كان القوم صرحاء في تحريف العقيدة فلنكن نحن صرحاء في إثبات العقدة وتقريرها .
(ويوم يناديهم فيقول) في الآية الأولى " ناديناه " بالفعل الماضي ، وفي الآية الثانية (ويوم يناديهم ) بالمضارع ثم قال (فيقول) إذن كلام ونداء وقول كل ذلك تأكيد لإثبات صفة الكلام ، وليس في إثبات صفة الكلام الحقيقي بحرف ولا صوت تشبيه للرب سبحانه وتعالى بالمخلوق لأن شبهتهم قالوا : لو أثبتنا له صوتا وحرفا شبهناه بالمخلوق لأن ذلك يستلزم إثبات مخارج الحروف وذلك غير وارد وغير ثابت ، يؤدي إلى هذا المحال والذي يؤدي إلى المحال محال ، إذن الكلام اللفظي محال ، هكذا قرروا ، فنحن نقول : في واقعنا وفي واقع الدنيا أشياء تكلمت وستتكلم وهي من الجمادات ليس لها مخارج الحروف ، الحصى سبحت والطعام سبح والحجر سلم على النبي عليه الصلاة والسلام هذه جمادات تكلمت حقيقة وليس لها مخارج الحروف إذن لا يلزم من الكلام الحقيقي الذي بحرف وصوت لا يلزم من ذلك إثبات مخارج الحروف ، إذا أمكن في المخلوق أن يتكلم مخلوق ما بدون إثبات مخارج الحروف له فكيف يُستصعَب ويُستبعَد ذلك على رب العالمين الذي هو فعال لما يريد سبحانه .
ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته التدمرية (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) له الأمر سبحانه ( إذا أراد شيئا) إثبات صفة الإرادة وهذه الإرادة كما يؤخذ من السياق هي الإرادة الكونية الأزلية (إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) ( يقول ) يتكلم إثبات لصفة القول .
وقوله تعالى (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة) إثبات اسم الله ( الله ) الله لا يطلق هذا اللفظ لفظ الجلالة إلا على خالق السماوات والأرض بخلاف ( إله ) فـ ( إله ) يطلق على المعبود بحق والمعبود بباطل لذلك معنى قوله ( لا إله إلا الله ) لا معبود بحق إلا الله ، إذن لفظة ( إله ) يطلق على كل معبود بحق أو بالباطل ، ولكن لفظة ( الله ) لم تطلق إلا على الله المعبود بالحق خالق السماوات والأرض .
(هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة) إثبات اسم الله ( عالم ) ليدل على العلم لأن أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف كما سيأتي ذلك .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:16 AM

(هو الرحمن الرحيم) إثبات هذين الاسمين (هو الله الذي لا إله إلا هو) لأننا الآن في صدد تعداد صفات الله تعالى وأسماءه على وجه التفصيل وهذا هو التفصيل المفصل .
(هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون ) واضح ولا يحتاج إلى محل الشاهد كله شاهد .
(هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) وهذه الآية كلها أسماء أسماءُ الرب سبحانه وتعالى .
ثم قال الشيخ (إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أسماء الرب تعالى وصفاته) إشارة إلى أن ما سرده من الآيات الكثيرة في النفي المجمل وفي الإثبات المفصل وبالعكس إنما هي من باب الأمثلة لا من باب الحصر والإحصاء لذلك قال (إلى أمثال هذه الآيات) إلى آخره
(إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أسماء الرب تعالى وصفاته)
ثم قال (فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل) عباده الذين وفقهم للسير على هذا الخط (إلى سواء السبيل) إلى وسط الطريق لم يخرجوا يمنة ولا يسرة ولكنهم مشوا على وسط الخط لم يخرجوا من الخط .
ثم قال رحمه الله تعالى (فهذه طريقة الرسل) الرسل جميعا ليست طريقة الرسول فقط بل طريقة الرسل (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) لأن الرسل كما تقدم غير مرة دينهم واحد .
وأما من خالف هذا السواء السبيل فخرج إلى بنيات الطريق خالف طريقة الرسل ومن خالف طريقة الرسل هلك ، ما لم يرجع إلى الطريق وإلى الجادة .
قال شيخ الإسلام رحمه الله ((وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية والقرامطة والباطنية والقرامطة والباطنية ونحوهم فإنهم على ضد ذلك يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون إلا وجودا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان ، فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات ، فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين فيقولون : لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين وهذا ممتنع في بداهة العقول وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول فوقعوا في شر مما فروا منه فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين كلاهما من الممتنعات ، وقد علم بالاضطرار أن الوجود لا بد له من موجد واجب بذاته غني عما سواه قديم أزلي لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم ، فوصفوه بما يمتنع وجوده فضلا عن الوجوب أو الوجود أو القدم ))
ثم قال (وأما من زاغ) هذا يفسر المفهوم مفهوم الكلام السابق (وأما من زاغ وحاد) أي من مال (عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية والقرامطة والباطنية ونحوهم فإنهم على ضد ذلك) أي ليسوا على سواء السبيل لأنهم زاغوا وحادوا عن سبيل الرسل والحيدة والخروج عن السبيل قد يصل بالإنسان إلى حد الكفر وقد يقف دون ذلك أي : ليس كل من حاد وزاغ وضل يكون كافرا لأن الضلال والإلحاد قد يصل إلى درجة الكفر وقد لا يصل ، من نفى مثلا جميع صفات الرب سبحانه وجميع الأسماء لم يثبت لله تعالى إلا الوجود المطلق الذهني هذا إلحاده كفر كالجهمية .
ومن كان إلحاده وضلاله بنفي الصفات مع إثبات الأسماء يتحفظ في تكفيرهم إذ يلزمهم من إثبات الأسماء إثبات الصفات من حيث لا يشعرون وهم المعتزلة .
ومن أوّل بعض الصفات تأويلا يصل أحيانا إلى النفي مع إثباته لبقية الصفات إلحاده دون إلحاد المعتزلة وهكذا .
إلا أن القاعدة التي لا ينبغي أن ننساها مع ملاحظة أنها لا تُطَبق على كل من اندرج تحتها وهي القاعدة التي أجمع عليها السلف " أن من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة فهو كافر " هذه قاعدة ينبغي أن تحفظ ، لكن لا يلزم من إطلاق القاعدة أن من وقف هذا الموقف كلهم كفار لأنه قد ينفي صفة ثابتة بالكتاب والسنة تمنعه الشبهة من الكفر أو يمنعه الجهل الذي يعذر به من الكفر ، ليس كل جاهل معذورا إن كان جهله جهلا يعذر به ، وتفصيل ذلك قد تقدم غير مرة وبالله التوفيق .
وبعد : قال الشيخ إشارة إلى هذا التفصيل الذي أشرنا إليه (وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين) هؤلاء أمرهم واضح (والذين أوتوا الكتاب) جميع النسخ هكذا ؟ والذين أوتوا الكتاب بعد الكفار والمشركين ؟ هكذا ؟ العطف هذا ليس بواضح (ومن دخل في هؤلاء من الصابئة) الصابئة ينقسمون إلى قسمين :
- صابئة حنفاء موحدون هم الذين أثنى الله عليهم بقوله "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر " الآية .

- ومنهم مشركون .

ليس كل صابئ ضالا ، الصابئ : من انتقل من دين إلى دين أو من ملة إلى ملة قد يكون مشركا وقد يكون موحدا .

(والمتفلسفة) المتفلسفة كما سيأتي تفصيل الكلام فيهم ينقسمون إلى قسمين أيضا :

ـ متفلسفة يسميهم بعض المسلمين ـ من الذين عليهم عاطفة على الفلسفة والفلاسفة ـ يسموهم فلاسفة الإسلام ، فلاسفة الإسلام كابن سينا والفارابي والكندي .

- والفلاسفة اليونانيون كأرسطو وأفلاطون .

ما الفرق بينهما ؟

الفرق بينهما بالجنسية هؤلاء يحملون جنسية غير جنسية أولئك ، هؤلاء فلاسفة من اليونانيين ، اختلاف في الجنس ولكن العقيدة هي هِي ، عقيدة ابن سينا الذي يسمَّى

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:18 AM

بالأستاذ والفارابي والكندي هي عقيدة أرسطو وأمثاله لا يختلفون في العقيدة لذلك لا ينطلي عليكم ما يقوله بعض الكتاب من تبجيل ابن سينا والثناء عليه والاعتزاز به أنه من فلاسفة المسلمين ، وهل الفلسفة من العلوم الإسلامية حتى نعتز بالفلسفة ؟

الفلسفة نفسها علم أجنبي كالمنطق ، أما كوننا نعتز لكونه يجيد الفلسفة ، قبل أن نعتز به فلنعد النظر في الفلسفة من أين جاءت؟ جاءت من حيث جاء المنطق ، بضاعة أجنبية ولكن راجت بدأ من عهد المأمون إلى يومنا هذا لأنها تدرس الآن ، الفلسفة تدرس الآن في كلية تسمى ( كلية الدعوة وأصول الدين ) - ليست هذه التي عندكم ، لا ، هناك - كلية الدعوة وأصول الدين ، هذا اسم الكلية لكن هذه الكلية ماذا تدرس ؟

المواد الأساسية فيها : الفلسفة والمنطق وعلم الكلام ، وهذا الاسم وذاك المسمى لذلك يعتزون بالفلسفة ، من يجيد الفلسفة عندهم أعظم من الذين لا يجيدون الفلسفة .

ومن توفيق الله تعالى أن ابن تيمية عندما على ظهر على أولئك الفِرق والطوائف المجتمعة في دمشق خرج وهو يجيد هذه الفنون وهذه الاصطلاحات هذا الذي ضايقهم وبذلك أفحمهم .

أريد أن أقول : من تمكن من دراسة العقيدة الإسلامية وفهم الكتاب والسنة ومنهج السلف لو أراد بعد ذلك أن يدرس المنطق والفلسفة قد يُسْتَحْسَن ذلك وخصوصا في وقتنا هذا ، وقتنا هذا يشبه الوقت الذي ظهر فيه ابن تيمية لأن هذا الانفتاح العظيم الذي نعيشه وجاءت جميع العقائد والفِرق والمِلل والانتماءات اجتمعت كلها هنا من باب عرفت :

عرفت الشر لا للشر لكن لأتقيه من لم يعرف الشر وقع فيه

من هذا الباب الطالب الذكي الفطن الذي تمكن من دراسة العقيدة على منهج السلف ونضج في علمه وعقله لو درس هذه الاصطلاحات الحديثة من هذا الباب يُستحسن ذلك وهذا رأي فردي والله أعلم .

ثم قال الشيخ (والمتفلسفة والجهمية ) كلمة الجهمية أولا كانت تطلق على أتباع جهم بن صفوان ولكن توسع أتباع السلف فيما بعد فأطلقوا هذه اللفظة على نفاة الصفات جميعا وعلى المؤولة الذين يصل تأويلهم إلى نفي الصفات أي : لك أن تطلق الجهمية على المعتزلة وعلى الأشاعرة والماتريدية كل بحسب وقوعه في التأثر بعقيدة الجهمية ، ومعنى الجهمية واضح جدا عند الأشاعرة ..

الشريط الثالث :


ومعنى الجهمية واضح جدا عند الأشاعرة في صفة الكلام وصفة العلو ، وإن كان في الأصل لقب لأتباع جهم بن صفوان إلا أنه بعد ذلك يتوسع في إطلاق هذه اللفظة على جميع النفاة.

(والقرامطة الباطنية) الباطنية طوائف :

- باطنية القرامطة .

- باطنية الفلاسفة .

- باطنية الصوفية .

- وباطنية الشيعة .

الباطنية فِرَق و (والقرامطة) فرقة من فرق الباطنية ، وهؤلاء ، إن كثيرا من الناس الآن بعض الشباب يحسبون أنهم لا وجود لهم ، الباطنية بجميع فرقها موجودة الآن :

باطنية الصوفية مثل وحدة الوجود كابن عربي ، ابن عربي الطائي وابن الفارض هؤلاء من باطنية الصوفية أي : غلاة الصوفية يصلون إلى درجة الباطنية.

وباطنية الشيعة : كابن سينا ، ابن سينا من العبيديين ، العبيديون الذين أطلقوا على أنفسهم أخيرا الفاطميون ، وهم منبع البدع ، وهم الذين ابتدعوا المواليد ، الاحتفال بالمواليد من بدع الفاطميين وهم عبيديون ، وهذا اللقب ( الفاطميون ) لقب مزيف اشتروه ، ولما لقبوا أنفسهم بالفاطميين أرادوا أن يثبتوا هذا اللقب بالتملق والتزلف لآل البيت فاخترعوا وابتدعوا الاحتفال بالمواليد في كل سنة ست مرات :

- احتفال بالنبي عليه الصلاة والسلام.

- واحتفال بمولد فاطمة .

- واحتفال بمولد علي .

- واحتفال بمولد الحسن .

- ثم الحسين .

- أخيرا الاحتفال بالوالي الموجود حاليا في ذلك الوقت .

كل ذلك تملق وتزلف منهم بالباطل لآل البيت ليثبتوا بأنهم فاطميون ، وفاطمة رضي الله عنها بريئة منهم وهم عبيديون ، وابن سينا منهم أي من باطنية الشيعة .

(ونحوهم فإنهم على ضد ذلك) على ضد طريقة الرسل جميعا .

(فإنهم يصفونه سبحانه وتعالى بالصفات السلبية على وجه التفصيل) يفصلون في السلوب .

(ولا يثبتون إلا وجودا مطلقا) لا يثبتون لله تعالى إلا وجودا مطلقا .

(لا حقيقة له عند التحصيل) المراد عند التحصيل أي في خارج الذهن . عندما يقول قائلهم ليس بموجود ولا معدوم ، لا جاهل ولا عالم ، لا حي ولا ميت ، يجمعون النقيضين كما سيأتي ، مَن يصفون الله تعالى بهذا الأسلوب لم يعرفوا ربهم ولم يكونوا على طريقة الرسل .

(ولا يثبتون إلا وجودا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحقيقه في الأعيان) إذا كان مثلا الإنسان المطلق والحيوان المطلق ، الوجود المطلق ، كل هذه لا حقيقة لها إلا في الذهن ، والذهن يتصور ، لأن الذهن قد يتصور المتسحيلات ، الذهن حر ، ممكن أن يتصور الصاحبة والولد والشريك ولكن هل لذلك وجود في الخارج أي في خارج الذهن؟ لا . كذلك الإنسان المطلق الذي لم يقيد أنه زيد أو عمرو أو خالد لا وجود له ، الوجود المطلق الذي لم يقيد بوجود الله أو بوجود المخلوق لا حقيقة له إلا في الأذهان .

(فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل) غاية التعطيل لأنهم عطلوا وجوده الحقيقي ، ليس تعطيل الصفات والأسماء فقط بل عطلوا وجود الله الحقيقي الخارجي لم يثبتوا إلا الوجود الذهني . ( وغاية التمثيل ) لأنهم مثلوه بالمعدوم ، الذي يوصف بما سمعتم هو المعدوم ، لو قيل لك : صف معدوما ؟ تقول الذي ليس في داخل العالم ولا خارج العالم ولا متصل ولا منفصل ، هذا المعدوم .

(فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات) نفي الذات الحقيقي إلا ما كان من الوجود المطلق الذهني . ( إذا مثلوه بالممتنعات ) الممتنع الذي ليس بموجود ولا

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:19 AM

معدوم أو ( بالمعدومات ) إذا وصفوه بعدم الموجود ، ( وبالجمادات ) إذا جردوه من جميع الصفات ( ويعطلون الأسماء ) لأنهم لا يثبتون لها معاني ، ويعطلون ( الصفات ) أيضا ، قد يجمعون بين تعطيل الأسماء والصفات كما هو عند الجهمية كما تقدم .انتبه ، مذهب الباطنية . يقول الشيخ رحمه الله ( فغالبيتهم) .. نسخة فغالبيتهم وفي نسخة فغلاتهم وفي نسخ فغالبهم ، نُسَخ كما في النسخة المحققة فالمعنى واحد - ( فغالبيتهم ) أي أغلبهم أو (غلاتهم يسلبون عنه النقيضين) ثم مثل الشيخ لسلب النقيضين بقوله (لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل) هنا في اصطلاحهم اصطلاح علماء الكلام ( نقيضان ) و ( ضدان ) بينهما فرق :

- النقيضان : لا يجتمعان ولا يرتفعان ، لا بد أن يبقى أحدهما ويرتفع الآخر كالليل والنهار نقيضان ، والموت والحياة نقيضان ، إما ليل وإما نهار وإما موت وإما حياة وإما علم وإما جهل ، هذا النقيضان .

- أما الضدان : لا يجتمعان وقد يرتفعان ، كالألوان ، الألوان كثيرة ، لا يجتمع اللونان في مكان واحد وفي موصوف واحد ولكن قد يرتفعان الاثنان معا السواد والبياض لا يجتمعان في موصوف واحد لكن قد يرتفعان لا سواد ولا بياض ولكن حُمرة أو خُضرة أو أي لون آخر ، هذا يسمى ضدان ، الضدان لا يجتمعان وقد يرتفعان .

قال الشيخ رحمه الله تعالى (فيقولون:لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل) لأنهم بزعمهم إذا وصفوه بالإثبات قالوا إنه مثلا ( عالم ) شبهوه بالموجودات ، إثبات العلم يؤدي إلى التشبيه بالموجودات ، وإذا وصفوه بالنفي ، بعدم العلم ، شبهوه بالمعدومات ، إذن ما هي الطريقة المثلى عندهم ، فسلبوا النقيضين ، لا علم ولا جهل ، وهذا شيء غير موجود (وهذا ممتنع في بداهة العقول) أي في أوائل العقول أي ما يدركه العقل بدون نظر أو تفكير ، من سمع من يصف موصوفا بأن هذا ليس بموجود ولا بمعدوم ، وليس بعالم ولا جاهل لا يحتاج ليفكر هل هذا المعنى صحيح أو باطل ، بدون تفكير تدرك أنه باطل ، هذا معنى (ممتنع في بداهة العقول وحرفوا ما أنزل الله تعالى من الكتاب وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فوقعوا في شر مما فروا منه) هكذا من حاد عن طريقة الرسل لا بد أن يقع في التناقض هذه قاعدة ، كل من حاد عن الحق لا بد أن يتناقض ، وليس هناك تناقض أعظم من هذا التناقض (فإنهم شبهوه بالممتنعات) فروا من أن يشبهوه بالموجودات وفروا من أن يشبهوه بالمعدومات فوقعوا في التشبيه بالممتنعات ، التشبيه بالممتنعات أفظع وأقبح من التشبيه بالموجودات أو بالمعدومات لعلكم تفرقون بين المعدومات وبين الممتنعات ، ومن قال إنه ليس بحي شبهه بالمعدوم ومن قال ليس بحي ولا ميت شبهه بالممتنع ، التشبيه بالممتنع أقبح من التشبيه بالمعدوم ، هذا ما وقع فيه كثير من علماء الكلام ، من وقت لآخر ننبه : هؤلاء الذين نناقشهم أو يناقشهم شيخ الإسلام ونحن نعرض مناقشته : أناس لهم وجود في وقتنا هذا لا تحسب أننا نتحدث عن أساطير الأولين أو عن الذين دفنوا ولا وجود لهم على وجه الأرض ، لا .

الباطنية مثلا لنقرب لكم تسمعون قوما يقال لهم الإسماعيلية ، وهؤلاء من الباطنية ، الإسماعيلية موجودة في بعض بلاد الشام وفي بعض دول أفريقيا ويأتون في الحج ويأتون للزيارة ، قوم يلبسون طاقية من شكل واحد - لتعرفوهم إذا جاءوا في الزيارة - فإذا دخلوا المسجد فرشوا لهم قماشا أبيض ، الطواقي متشابهة والفراش الأبيض متشابه ...[1] غير الإسماعيلي لا يدخل ، وهم لا يدخلون مساجد المسلمين هناك ، لكن إذا جاءوا هنا باسم الإسلام لأنهم يحملون إسلاما رسميا أنتم تفرقون بين الإسلام الرسمي وبين الإسلام الحقيقي ، الإسلام الذي في الجواز إسلام رسمي ، يحملون هذا الإسلام وبذلك الإسلام الرسمي تمكنوا من دخول الحرمين والصلاة فيهما أما هناك عند الأقوام الذين يعرفونهم على حقيقتهم لا يدخلون مساجدهم والمسلمون لا يدخلون معابدهم ، هكذا شاهدناهم في بلادهم ، إذن الإسماعيلية الباطنية والنصيرية ، لعلكم تعرفون النصيرية - على مقربة منكم مرمى الحجر ليسوا ببعيدين عنكم هؤلاء كلهم من الباطنية ، إذن كل هؤلاء الذين نستعرض عقائدهم ونبين ضلالتهم ليسوا بمدفونين ، أحياء كغيرهم وموجودون لهم معابد ولهم مساجد ولهم عبادات خاصة ، ولكن القوم كما قلت إذا خرجوا وجاءوا إلى حيث لا يعرفون تقدموا بالإسلام الرسمي وخالطوا المسلمين ، الله المستعان .


[1] ) يوجد مسح في الشريط .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:21 AM

وبعد ، قال الشيخ رحمه الله تعالى (فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين) كما أنه لا يجمع بين النقيضين بين الموت والحياة كذلك لا يسلبان معا لا بد من بقاء أحدهما بدل الآخر (كلاهما من الممتنعات) إن شاء الله إنه واضح (وقد علم بالاضطرار أن الوجود لا بد له من موجد واجب بذاته غني عما سواه) ( علم بالاضطرار ) بالفطرة أن هذا الوجود الذي نحن فيه ، وهذا الكون المكون من الموجودات لا بد له من موجِد وإلا هل يوجِد نفسه بنفسه ؟ لا ، وهل يوجَد من غير موجِد ؟ لا ، إذن لا بد له من موجِد أوجده ، وذلك الذي أوجده يجب عقلا وشرعا أن يكون مخالفا لما أوجده ، ما أوجده جائز ، الجائز ما يجوز عليه العدم والوجود ، يستويان عنده ، أنت تسمى جائز لأنك وُجِدْت بعد أن لم تكن ، كل ما حدث ووُجِد بعد أن لم يكن يقال له حادث ويقال له جائز ويقال له ممكن ، الذي أوجد هذه الموجودات يجب أن يكون مخالفا لهذا الموجودات هذه الموجودات وجدت بعد أن لم تكن ، إذن يجب أن يكون وجود الموجِد وجودا واجبا (قديما أزليا) والقديم الأزلي يذكران هذان الاسمان من باب الإخبار عن الله لا من باب أنهما من أسماء الله تعالى بل يؤديان إلى حد ما معنى اسم الله ( الأول الذي ليس قبله شيء ) وإن كان معناهما فيهما نقص من هذا المعنى ولكن الشيخ عندما يخاطب القوم الذين أفحمهم وألف في إبطال مذهبهم قد يخاطبهم بالأساليب وبالاصطلاحات التي يعرفونها ، طالما تلك الاصطلاحات معناها صحيح ، ( القديم ) مثلا أتبع القديمَ بأزلي حيث قال (لا بد له من موجد) هو الله (واجب بذاته) أي ليس بمحتاج إلى غيره في وجوده وفي بقائه ، لذلك قال (غني عما سواه) في جميع أموره (قديم أزلي) الاسم ( القديم ) اسم اصطلاحي يخبر به عن الله وليس من أسماء الله ، و ( أزلي ) أدق لأن الأزل ما لا بداية له ولعل لفظة الأزلي تؤدي معنى ( الأول الذي ليس قبله شيء ) ، لذلك أتبع القديم بأزلي.

(غني عما سواه قديم أزلي لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم) لا يوصف بأنه حدث بعد أن لم يكن ولا يوصف بأنه يلحقه العدم بل هو كما قال النبي عليه الصلاة والسلامفي تفسير تلك الأسماء " أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء " محيط بعلمه بكل شيء سبحانه (فوصفوه بما يمتنع وجوده فضلا عن الوجوب أو الوجود أو القدم) أما أولئك الباطنية وصفوه بما يمتنع وجوده حيث سلبوا النقيضين فضلا عن الوجوب في مذهبهم ليس بواجب الوجود ولا هو بقديم بل شبهوه بالممتنع .

هذا مذهب من مذاهب بعض الباطنية ، والمحقق يقول مذهب ابن سينا وأتباعه ، ابن سينا وأتباعه كما تقدم من الباطنية لكن من باطنية الشيعة العبيدية ، لذلك قال :(وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم فوصفوه بالسلوب والإضافات)(وصفوه بالسلوب) وافقوا الباطنية التي تقدم ذكرهم وهم الغلاة وافقوهم بأن يصفوا الله سبحانه وتعالى بالسلوب وزادوا عليهم بـ (الإضافات دون الإثبات) الصفات صفات سلبية وصفات إضافية :

- الصفة السلبية : كل صفة وقعت في سياق النفي أو النهي أو الاستفهام الإنكاري وهذا كثير في القرآن كما تقدم " لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " هذه من السلوب وهي التي سمينا فيما تقدم بالنفي المفصل ، النفي المفصل هو السلوب ، ولكن القرآن يجمع بين السلب وبين الإيجاب ، وبين النفي المفصل والإثبات المجمل وبالعكس ، يجمع ، ولكن هؤلاء يصفون الله تعالى إما بالسلوب كما تقدم : ليس بجوهر ولا عرض ولا متحيز ، هذه كلها سلوب ، وإذا أردتم أن تقفوا على أمثلة كثير للسلوب راجعوا ( مقالات الإسلاميين ) لأبي الحسن الأشعري ، سلوب كثيرة يقشعر جسم الموحد عند سردها .

- أما الإضافات الصفات الإضافية هي الصفة التي يتوقف تعقل معناها أو تصور معناها على تعقل معنى صفة أخرى أو على تعقل ما يقابلها ، كل صفة يتوقف تصورها أو تعقلها على تصور وتعقل ما يقابلها تسمى صفة إضافية ، قبل أن نذهب في الصفات مثلا : الأبوة والبنوة ، تصورك لمعنى الأبوة يتوقف على تصورك لمعنى البنوة ، كذلك تصورك لمعنى البنوة يتوقف على تصورك لمعنى الأبوة أي صفات متقابلة كذلك الفوقية والتحتية ، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه .

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ((وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم فوصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق ، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن لا فيما خرج عن الموجودات وجعلوا الصفة هي الموصوف ، فجعلوا العلم عين العالم ، مكابرة للقضايا البديهات ، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى ، فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة جحدا للعلوم الضروريات .

وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام من المعتزلة ومن تبعهم فأثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات ، فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفات ، ومنهم من قال عليم بلا علم قدير بلا قدرة سميع بصير بلا سمع ولا بصر فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات.

والكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول مذكور في غير هذه الكلمات ))

الحمد لله رب العالمين وصلاة الله وسلامه ورحمته وبركاته على رسوله الأمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد :

الدرس الخامس من دروس الرسالة التدمرية مبحث ابن سينا أو مبحث عقيدة ابن سينا وأتباعه من الفلاسفة الذين لهم موقف معين في باب الأسماء والصفات وهم من الباطنية من باطنية الشيعة ، يقول الشيخ رحمه الله تعالى (وقاربهم) أي قارب الباطنية الذين سلبوا عنه النقيضين كما تقدم قاربهم (طائفة من الفلاسفة وأتباعهم) مذهب الباطنية الذي تقدم الحديث فيه ومذهب هذه الطائفة من الفلاسفة متقارب ، هؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات ، الذين تقدم ذكرهم سلبوا عنه النقيضين قالوا : لا موجود ولا معدوم ، لا حي ولا ميت ، هذا هو سلب النقيضين ، وسلب النقيضين مستحيل كما أن جمع النقيضين مستحيل ، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان معا ، لا بد من بقاء أحدهما ، الشيء إما يكون موجودا وإما يكون معدوما ، إما يكون حيا أو يكون ميتا أو يكون عالما أو جاهلا ، أما رفع النقيضين معا أو جمع النقيضين معا هذا مستحيل عقلا قبل الشرع ، هذا مذهب من مذاهب الباطنية ، سبق أن نبهنا بأن هذه الباطنية التي تعتقد هذه العقيدة الغريبة التي ربما ما سمع بعض المسلمين قبل الآن ، هذه الباطنية موجودة وهم المعرفون بالإسماعيلية ، الإسماعيلية أصلهم من الهند ومنتشرون الآن في بعض دول أفريقيا وفي بعض بلاد الشام ، والنصيرية منهم ، أقول هذا القول لئلا يستغرب من لا يعرف عنهم شيئا كأن أصحاب هذه العقيدة غير موجودين في الدنيا وهم موجودون ، ويحضرون إلى

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:22 AM

هذا البلد في موسم الحج باسم الحج وباسم الزيارة لأنهم كما قلنا وإن كانوا ليسوا من الإسلام في شيء لكنهم يحملون الإسلام الرسمي ، الإسلام الرسمي الذي يحمله جواز السفر ، ومن يحمل هذا الإسلام يدخل في كل مكان ولكن في الواقع ليسوا من الإسلام في شيء .

وابن سينا وأمثاله من الفلاسفة المعروفين بالإلهيين ، وهم ينقسمون كما تقدم إلى قسمين :

- فلاسفة إسلامية .

- والفلاسفة اليونانيون .

والفلاسفة الإسلاميون تلاميذ للفلاسفة اليونانيين ، الإسلاميون كابن سينا والفارابي والكندي هؤلاء يحسب كثير من الذين يدرسون علم الكلام أنهم من المسلمين وليسوا من المسلمين ، لا فرق بينهم وبين أساتذتهم من اليونانيين بل الفرق بينهم في الجنسية أولئك يونانيون وهؤلاء من غيرهم ينتسبون إلى الإسلام ، هؤلاء وصفوا الله سبحانه وتعالى بالسلوب ، بالسلوب فقط دون أن يثبتوا له صفة من الصفات ولكن لا يجمعون بين النقيضين كالذين تقدم ذكرهم ، يقولون ليس بحي وليس بجسم وليس بعَرَض وليس بذي حرارة أو بذي برودة سلوب كثيرة جدا جمع أكثرها أبو الحسن الأشعري في كتابه ( مقالات الإسلاميين ) ووصفوا أيضا بالإضافات .

- أما السلوب جمع سلب والصفة السلبية هي الصفة الواقعة في سياق النفي أو في سياق النهي أو في سياق الاستفهام الإنكاري ، وليس كل سلب مذموما لأن ورد في الكتاب والسنة بعض الصفات السلبية التي تصرف عن الله تعالى ما لا يليق به مثل قوله تعالى " لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " لكن وجه الذم لهؤلاء أنهم لا يثبتون لله تعالى صفة ثابتة أبدا وإنما يصفونه بالسلوب ، وفي زعمهم هذا السلوب وصفه بالسلوب تنزيه ، هكذا من حاد عن طريقة الرسل يضيع ، التنزيه أمر مطلوب وليس هناك أبلغ في التنزيه من قوله تعالى " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " التنزيه أن تثبت لله سبحانه ما أثبت لنفسه من صفات الكمال ومن الأسماء الحسنى وما أثبت له رسوله الأمين عليه الصلاة والسلامثم تنفي المشابهة بين ما أثبت وبين صفات المخلوقين ، لأن السمع يشترك فيه الخلق والخالق وكذلك البصر وكذلك العلم والقدرة وغير ذلك من الصفات ، تثبت هذه الصفات ثم تنفي المشابهة بين صفات الخالق وصفات المخلوق وهذا ما يُفهم من قوله تعالى " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " أي ليس كمثله شيء في ذاته ، تثبت لله ذاتا والعباد ذوات ولكن تنفي المشابهة بين ذات الرب سبحانه وبين ذوات خلقه ، تثبت له السمع والبصر وتنفي المشابهة بين سمعه تعالى وبصره وبين سمع وبصر المخلوقين ، هذا هو التنزيه ، وأما السلوب عندهم كما سمعتم وصف الله سبحانه وتعالى بالنفي فقط دون أن يثبتوا له صفة واحدة .

- أو بالإضافات ، الصفة الإضافية هي الصفة التي يتوقف تعقلها أو تعقل معناها أو تصور معناها على تعقل وتصور ما يقابلها ، وليس هذا خاصا في الصفات بل في كل شيء من الأمور المتقابلة ، كالأبوة مثلا يتوقف تصور الأبوة على تصور البنوة ، كذلك يتوقف تصور البنوة على تصور الأبوة ، كذلك الفوقية والتحتية ، لا تتصور معنى السفل أو التحتية إلا إذا تصورت الفوقية ، هذه هي الصفات الإضافية ، كما يقول بعضهم من الذين تأثر بعقيدة الجهمية : العرش والفَرْش عنده على حد سواء يقصدون بالفَرْش ما تحت الأرض أي : ما فوق العرش وما تحت الأراضي على حد سواء عند الله تعالى هذا هو السلب والإضافة في وقت واحد ، هذا للأسف قد يقوله بعض جهلة الأشاعرة الذين أثرت فيهم العقيدة الجهمية فصاروا يبالغون في نفي العلو حتى يقولون الأماكن عنده واحدة على حد سواء لا يقال إنه فوق ، هذه مصادمة للنصوص " أأمنتم من في السماء " " إليه يصعد الكلم الطيب " " الرحمن على العرش استوى " " إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش " هذه النصوص الصريحة تخالفها العقيدة الأشعرية المنتشرة بين شبابنا اليوم إذا خرجنا من حدود هذا البلد هي العقيدة المعروفة باسم عقيدة أهل السنة والجماعة وتدرس في المعاهد المعروفة بالمعاهد الدينية بما في ذلك الأزهر الشريف الله المستعان .

هذه كلها سلوب وإضافات (دون صفات الإثبات) وليس معنى هذا بأن الأشاعرة لا يثبتون ، لا ، الأشاعرةيثبتون صفات كثيرة ليست الصفات السبعة فقط كما يظن بعض الناس ، الصفات السبع هي المشهورة ولكن يثبتون صفة يسمونها صفة نفسية ( الوجود ) والصفات السلبية السبع ( القِدم ) و ( البقاء ) و ( الوحدانية ) و ( مخالفته للحوادث ) و ( قيامه بنفسه ) هذه الصفات وإن لم ترد بهذه الألفاظ بعضها في الكتاب والسنة لكن من حيث المعنى توافق ما جاء في الكتاب والسنة فيه معنى التنزيه ، هذا هو السر في أن شيخ الإسلام الذي نازل وناظر هذه الفرق كلها شهد للأشاعرة بأنها من أقرب الطوائف - الكلام - إلى منهج السلف الصالح لهذا لإثبات أو لهذا القدر من الإثبات .

قال الشيخ رحمه الله (وجعلوه هو الوجود المطلق) انتبهوا لهذه النقطة جعلوا الله - الفلاسفة ابن سينا وأتباعه - جعلوا الله الوجود المطلق ، الوجود وجودان :

- الوجود المطلق وهو الوجود الذهني .

- الوجود المقيد المختص وهو الوجود الخارجي .

ومن سلب عن الله سبحانه تعالى جميع الصفات لم يثبت له تعالى صفة واحدة من الصفات الثبوتية جعل وجود الله تعالى الوجود المطلق أي له وجود خارجي بمعنى شيء معنوي يتصوره الذهن فقط ولكن ليس له وجود في خارج الأذهان ، الذهن له أن يتصور حتى المستحيلات ، يمكن للذهن أن يتصور الشريك والصاحبة والولد لله تعالى وهذه من الممتنعات لكن التصور الذهني يرد ، وهل لهذه الأشياء وجود خارجي ؟ لا ، من سلب صفات الله تعالى لا يثبت له سمعا ولا بصرا ولا قدرة ولا حياة ولا علما يجعل وجود الله تعالى وجودا ذهنا خياليا هذا معناه .

قال (بشرط الإطلاق) أي بشرط أن لا يثبت له شيء من الصفات ، هذا معنى قوله (بشرط الإطلاق) أي بحيث لا يثبت له شيء من الصفات إذ في زعمهم إثبات صفة ثبوتية له يؤدي إلى التشبيه هكذا زعموا .

قال الشيخ رحمه الله (وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن) الموصوف الذي أو الموجود الذي لا يثبت له شيء من الصفات لا يكون إلا في الذهن كما مثلنا (لا فيما خرج عنه) أي عن الذهن (من الموجودات) لو قيل مثلا لو قال الإنسان أن يثبت الإنسان المطلق وهل الإنسان المطلق له وجود ؟ هذا الإنسان ليس بزيد ولا عمرو ولا خالد إنسان مطلق ، أين يوجد ؟ يوجد في الذهن ولا يوجد في الخارج حتى تقيده ، الإنسان الذي اسمه زيد أو اسمه عمرو ، صار موجودا في الخارج ، لكن قبل أن تقيد فهو في الذهن ، هكذا الموجودات جميع الموجودات إن لم تقيدها بصفة أو باسم فوجودها وجود ذهني .

(وجعلوا الصفة هي الموصوف) فوجدوا ذكر الصفات في الكتاب والسنة كيف يتخلصون من هذه الصفات الموجودة المذكورة في الكتاب والسنة ؟ قالوا الصفة والموصوف شيء واحد (فجعلوا العلم عين العالم) العلم ليس عين العالم والسمع ليس غير السميع شيء واحد ليتحقق بذلك أن وجوده وجود ذهني لا خارجي ، الصفة قد تكون عين الموصوف وقد تكون غير الموصوف ، هذا بحث ينبغي أن يفطن له طلاب العلم ، لا يطلق فيقال الصفة غير الموصوف ولا يطلق فيقال الصفة عين الموصوف ، بل يختلف ذلك باعتبار :

- باعتبار أن للصفة معنى غير الموصوف وللصفة كيان غير كيان الموصوف ، بهذا الاعتبار الصفة غير الموصوف .

- وباعتبار عدم الانفكاك أن الصفة لا تنفك عن الموصوف بهذا الاعتبار هما شيء واحد - افهموا جيدا - وقد بحث شيخ الإسلام هذه المسألة في غير هذه الموضع بتوسع لست أدري هل في الحموية أو في منهاج السنة والله أعلم .

قال الشيخ رحمه الله تعالى فعلوا ذلك (فعلوا ذلك مكابرة للقضايا البديهات) القضايا التي تدرك كما يقال بطرف العقل أي بدون تفكير وتأمل ، أي إنسان سمع ( عالم ) يفهم أن له صفة اسمها العلم ، إذن العلم غير العالم هذه من الأمور البديهيات إلا بالاعتبار الذي قلنا الآن .

(وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى ) أيضا (فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة) كلها واحدة جعلوا العلم والقدرة والمشيئة والحياة وغير ذلك من الصفات شيئا واحدا من الأمور التي تنكرها العقول السليمة .

(جحدا للعلوم الضروريات) صحيح هذا جحد وإنكار للعلوم الضروريات وإلا كل عاقل يدرك أن العلم غير السمع وغير البصر وغير القدرة .

جعل الشيخ في ترتيبه لذكر الطوائف ينتقل من ذكر أسوأ الطوائف إلى السيئ ، لذلك وصلنا إلى المعتزلة ، من المعتزلة ننتقل إلى الأشاعرة حتى نقرب من الجادة .

قال الشيخ رحمه الله (وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام من المعتزلة) قاربوا هؤلاء الذين نفوا الأسماء والصفات أو جعلوا الصفات كلها بمعنى

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:23 AM

واحد أو جعلوا الصفة والموصوف شيئا واحدا قارب هؤلاء قوم من أهل الكلام من المعتزلة ، المعتزلة ظهروا أيام الحسن البصري عندما كان إماما مفتيا ومدرسا كان يجلس في مجلسه واصل بن عطاء أحد تلاميذه ، سئل الحسن البصري عن عبد ارتكب كبيرة هل هو مؤمن أو كافر ؟ قبل أن يجيب الحسن البصري على هذا السؤال بادر واصل بن عطاء قال مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر ، أطلق هذه العبارة ثم قام من مجلسه إلى سارية من سواري المسجد وفتح له مجلسا آخر يفتي فيه بهذه العقيدة اعتزل مجلس الحسن البصري واعتزل عقيدة المسلمين ومنهج المسلمين في مرتكب الكبيرة ، ليس تسمية الاعتزال مجرد اعتزاله للمجلس بل لزم من اعتزاله لمجلس الحسن اعتزاله طريقة أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة ، في مرتكب الكبيرة الناس افترقت إلى ثلاث فرق :

- عند أهل السنةوالجماعة الذي عليه السابقون الأولون والذين اتبعوهم بإحسان مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته أي لا يخرج من الإيمان مهما كبرت تلك الكبيرة ولو كان قاتل نفس ولو كان زانيا محصنا لا يخرج من الإيمان ، يبقى عنده إيمان ضعيف ولكنه فاسق أي يفقد الإيمان الكامل ، يفقد الإيمان المطلق وهو الأيمان الكامل ويبقى عنده مطلق الإيمان أي الإيمان الضعيف لذلك قد يُنْفَى عنه الإيمان ، ويجب أن يفهم هذا الإيمان المنفي ما هو عن بعض مرتكبي الكبيرة ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن [1] ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) الحديث ، إطلاق أو نفي الإيمان من هؤلاء نفي لكمال الإيمان لا أصل الإيمان ، أما أصل الإيمان فمرتكبو الكبيرة كلهم مؤمنون ومسلمون وتجري عليهم أحكام الإسلام ، لو ماتوا دفنوا في مقابر المسلمين وصلي عليهم وجرى الإرث في أموالهم ، ولذلك أوجب الله في حقهم الحدود ولم يعاملوا قط معاملة المرتدين ولكن لهم حدود معروفة وعقوبات معينة معروفة في الكتاب والسنة يعلمها جميع المسلمين .

لذلك المعتزلة لما أخرجوا مرتكب الكبيرة من الإيمان ولم يدخلوه في الكفر وزعموا أنه في هذه الدنيا يبقى في قنطرة وهمية بنوها هم ليس بمسلم ولا كافر ، خرج من

[1] ) هنا ينتصف الشريط .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:24 AM

- الإسلام فلم يدخل في الكفر ، أين يبقى ؟ في منزلة وهمية بين الكفر والإيمان حتى يموت ، فإذا مات أين يذهب ؟ إلى النار خالدا مخلدا مع الكفار .

- وعند الخوارج بمجرد ارتكاب تلك الكبيرة يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر للأسف هذه هي العقيدة التي تنتشر الآن بين بعض الشباب المتطرفين الذين يتحمسون التحمس الزائد دون تقيد بتعاليم الإسلام إذ يحكمون على كل من ارتكب كبيرة ثم لم يسلم نفسه للسلطة للعقوبة أنه كافر مرتد خالد مخلد ، هكذا تتحدث في هذه الآونة الأخيرة بعض الأشرطة ، فأصبحنا الآن نسمع الكلام من الأشرطة لا من بني آدم ولكن بدأت بعض الأشرطة تتحدث بمثل هذا ، تكفير مرتكب الكبيرة ، هذا أمر خطير وخطير جدا لأن من كفّر مسلما يكفر هو ، ومرتكب الكبيرة بإجماع المسلمين إذا استثنينا الخوارج والمعتزلة من المسلمين وقد عرفتم موقف المعتزلة وموقف الخوارج ، لذلك نصيحتنا لشبابنا الذين يتتبعون هذه الأيام الأشرطة أشرطة المتحمسين أشرطة الذين يزعمون أنهم أصحاب الغيرة وأنهم غيرهم من العلماء لا غيرة لهم هكذا يزعمون ثم يكفرون من يشاءون يكفرون الحكام ويكفرون مرتكب الكبيرة ويفسدون من حيث لا يشعرون ، فلينتبه صغار الشباب لهذه الأشرطة فإذا سمعوها فليعرضوها على العلماء المعروفين المشهود لهم بالعلم فليستفتوا وليسألوا ولا يسلموا لكل ما يسمعون في هذه الأشرطة الحديثة .

وبعد : قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى - عرفنا متى ظهرت المعتزلة ولِمَ سموا معتزلة - (ومن تبعهم) من اتبع كبار المعتزلة كواصل بن عطاء وأمثاله (فأثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات) من مذهب المعتزلة في هذا الباب إثبات أسماء مجردة لا تدل على الصفات كأنها أعلام تدل على المسمى فقط كزيد وعمرو يدل على المسمى لا يدل على المعنى ، ولكن أسماء الله - فلنفهم - أسماء الله تعالى أوصاف وأعلام هذه قاعدة عند أتباع السلف ، أسماء الله تعالى أعلام من حيث دلالتها على الذات وأوصاف من حيث دلالتها على الصفات ، لذلك وجه خطأ المعتزلة جعلوا أسماء الله تعالى أعلاما مجردة لا تدل على المعاني وتلك المعاني هي الصفات ، أي : اسم الله (العليم) يدل على العلم ، واسم الله (السميع) يدل على السمع ، واسم الله (البصير) يدل على البصر وهكذا إلى آخر الصفات ، وهم نفوا هذا المعنى .

ثم اختلفت عباراتهم اختلافا شكليا والعقيدة هي هِي (فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفة ) وجه ترادفها لأنها أعلام لمسمى واحد ولكنها لا تدل على الأوصاف (ومنهم من قال عليم بلا علم قدير بلا قدرة سميع بصير بلا سمع ولا بصر) هذا هو المشهور عند المعتزلة هذا التعبير وإلا المعنى كما قلنا هذا الأسلوب والذي قبله مؤداهما واحد . فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات وهذا خطأ محض وفي زعمهم يريدون التنزيه وليس هذا سبيل التنزيه ، لكن هل هؤلاء يُكَفّرون ؟ كما كفّروا الفلاسفة والجهمية لأنهم لم يثبتوا شيئا لم يثبتوا لله تعالى إلا الوجود الذهني ، وهل المعتزلة لكونهم أثبتوا الأسماء وإن نفوا الصفات هل يكفّرون ؟ يُتوقف في أمرهم ويُتحفظ ، وجه التحفظ لأن الإلزام سهل في أمرهم أي من أثبت أن الله عليم يلزمه من حيث لا يشعر إثبات العلم ومن أثبت بأنه سميع يلزمه إثبات السمع من حيث لا يشعر ، بهذا الاعتبار يتحفظ ومع ذلك ننبه على القاعدة التي نبهنا عليها غير مرة : من تجرأ ونفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة فهو كافر لكن إذا أثبت الاسم مع نفيه للصفة هنا يأتي التحفظ لهذا الإلزام الذي قلت لكم وإلا القاعدة تنطبق عليهم أن أي إنسان نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة وليست له شبهة وليس معذورا بجهله فهو كافر هذه القيود لا بد منها ، رحم الله شيخ الإسلام هو الذي علمنا هذه القيود لكثرة مناظرته ولكثرة فقهه أو دقة فقهه في الكتاب والسنة استنبط هذه القيود أن إطلاق الكفر على من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة ليس على الإطلاق بل إن كان هذا الذي أطلق ونفى معذورا بجهله وليس كل جاهل يعذر بل إذا كان جهله جهلا يعذر به - أو له شبهة وجود الشبهة ووجود الجهل الذي يعذر به يمنعه من الكفر ، إذا كان يعيش في بادية بعيدة عن أهل العلم ووقع في شيء من نفي الصفات أو تربى في بيئة من بيئات علم الكلام بين الأشاعرة والمعتزلة وهو طالب صغير ليس له استعداد ليستنبط من الكتاب والسنة ولكنه مقلد لشيخه كان يقرر شيخه فيقول له ليس الله فوق العرش ولا تحت العرش ولا عن يمينه ولا عن يساره تربى على هذا ، ولم يعلم قط أنه توجد عقيدة غير هذه العقيدة في الدنيا ويحسب أن هذا هو ما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام، جاهل وله شبهة ، شيخه شبهة مجسدة إذن هذا الطالب يُتريث معه حتى يخرج من تلك البيئة الأشعرية وبيئة الاعتزال ويدخل في بيئة إسلامية سلفية ويتبيّن ، إذا تبيّن وبعد التبين قال لا لن أترك أبدا تلك العقيدة التي تلقيتها من شيخي من صغري أموت عليها وإن كان ما تقولونه هو الحق هو الموافق للكتاب والسنة كما يظهر لكني لن أخالف هذا كافر لأنه تبين له " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " هذا تبين له إذا عاند بعد تبين الحق فهو كافر وقبل ذلك لا ، يقول شيخ الإسلام : دائما أتذكر وأكرر هذه الآية عندما أناظر علماء الكلام ، لذلك كان يقول لهم لو كنت أنا مكانكم لكفرت ولحكمت على نفسي بالكفر ولكنكم جهال ، يقول لعلماء الكلام فطاحلة علماء الكلام يقول لهم أنتم جهال ويعذرهم بجهلهم لذلك فلننتبه لأن كثيرا من شبابنا اليوم شباب المسلمين في كثير من الأقطار لا يزالون يدرسون نفي الصفات أو تأويل صفات الرب سبحانه وتعالى تأويلا يؤدي إلى النفي وهم يظنون ويحسبون أن تلك العقيدة هي التي جاء بها محمد رسول الله عليه الصلاة والسلامإذن فلنتريث معهم ولنرسل لهم الأشرطة ولنحاول أن نخفف ما لديهم من الشبه ومن الجهل وهم هناك واليوم متيسر لأن من كل بلد توجد هنا طوائف تأثروا وتعلموا وفهموا ينبغي أن يدعوا إخوانهم وهم هناك بالأشرطة الصالحة لا بالأشرطة التي وصفناها قبل قليل.

وبعد : قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : (والكلام على فساد مقالة هؤلاء) الذين تقدم ذكرهم (وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول مذكور في غير هذه الكلمات) هكذا غالبا تحويل شيخ الإسلام رحمه الله لأنه يكتب هذه الرسائل على عجل ارتجالا بدون رجوع إلى الكتب من محفوظاته والرسائل عبارة عن جواب على رسالة تأتيه لذلك في التحويل كثيرا ما يحول بدن تعيين للمكان الذي بحث فيه هذا البحث ، قوله رحمه الله (وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول) لشيخ الإسلام كتاب في هذا المعنى موافقة المنقول للمعقول أو العكس وهو الكتاب الذي جعل له اسم آخر فيما بعد يصرح فيه شيخ الإسلام : النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح ، إذا كان النقل صحيحا وثابتا لا يكاد يخالف العقل الصريح السليم وإنما تأتي المخالفة بين المعقول وبين المنقول إما أن النص الذي استدللت به غير صحيح أو أن العقل الذي تناقشه غير صريح وغير سليم مشوش ملوث بآراء علماء الكلام ، أما إذا بقي الإنسان على فطرته وعقله الصحيح الصريح السليم لا يكاد هذا العقل الصريح السليم أن يخالف النقل الصحيح أبدا . نعم .

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ((وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره وفي شر منه مع ما يلزمهم من التحريف والتعطيل ولو أمعنوا النظر لسووا بين المتماثلات وفرقوا بين المختلفات كما تقتضيه المعقولات ولكانوا من الذين أوتوا العلم الذين يرون أنما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ، ولكنهم من أهل المجهولات المشبهة بالمعقولات يسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات ، وذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عما سواه إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات كالحيوان والمعدن والنبات ، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع وقد علم بالاضطرار أن المحدث لا بد له من محدث والممكن لا بد له من موجد كما قال تعالى " أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون " فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق ولا هم الخالقون لأنفسهم تعين أن لهم خالقا خلقهم وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم ، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره ))

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (وهؤلاء جميعهم) من الباطنية والفلاسفة والمعتزلة وغيرهم (يفرون من شيء فيقعون في نظيره بل في شر منه) لأنهم أعرضوا عن بيان الله تعالى وبيان رسوله عليه الصلاة والسلاموالتمسوا الهدى في غير كتاب الله وهذه قاعدة - وإن كان الحديث الذي جاءت فيه هذه القاعدة من الناحية الاصطلاحية ليس بصحيح ولكن معناه صحيح جدا - أن كل من التمس الهدى في غير كتاب الله تعالى أضله الله ، هذه قاعدة مجربة ، كل من التمس الهدى في غير كتاب الله ترك بيان الله وبيان رسوله عليه الصلاة والسلامواعتمد على عقله في باب الأسماء والصفات أو في باب العبادة أو في باب التشريع أضله الله ولا بد ، لذلك هؤلاء جميعا

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:26 AM

فروا من شيء في زعمهم لئلا يشبهوا الله بالمخلوقات هذا الشيء الذي فروا منه ، بالمخلوقات أي بالموجودات ، ولكن وقعوا في نظيره : شبهوه بمخلوق آخر بل في شر منه بأن شبهوه بالمعدومات أو بالممتنعات تقدم هذا بالتفصيل ، لأن من نفى عن الله سبحانه تعالى الصفات شبهه بالجمادات التي لا توصف بالصفات وإذا فر من تشبيهه بالموجودات وقع في تشبيهه بالمعدومات وهو شر وإذا نفى النقيضين وقع في تشبيهه بالممتنعات أشر من الذي قبله .

(مع ما يلزمهم من التحريفات والتعطيلات ) هذا شيء لا بد منه .

(ولو أمعنوا النظر لسووا بين المتماثلات) وهي المحدَثات المخلوقات (وفرقوا بين المختلفات) بأن يفرقوا بين صفات الخالق وصفات المخلوق كما أن ذات الخالق تخالف ذوات المخلوقين كذلك صفاته تخالف صفات المخلوقين ( كما تقتضيه المعقولات ولكانوا) لو فعلوا ذلك أي لو فرقوا بين المختلفات (لكانوا من الذين أوتوا العلم الذين يرون أن ما أنزل إلى الرسول هو الحق) فيلتمسون الهدى فيما أنزل على الرسول عليه الصلاة والسلاميرون أنما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ، ولكنهم من أهل المجهولات ) ليسوا من أهل المعقولات والمعلومات (المشبهة بالمعقولات) ولما تركوا المعلومات المأخوذة من الكتاب والسنة وقعوا في التشبيه بالمعقولات أي بعقولهم العقول تختلف ، عقول الأشاعرة أقرب من عقول المعتزلة ، وعقول المعتزلة أقرب من عقول الجهمية وهكذا (يسفسطون في العقليات) السفسطة الخداع والتمويه والثرثرة التي لا ثمرة لها ، إذا جاءوا في العقليات سفسطوا ، أكثروا الكلام وموهوا على الناس وخدعوا الناس بكثرة الكلام ، لذلك سمي علم الكلام علم الكلام لكثرة الكلام مع قلة النتيجة .

(ويقرمطون في السمعيات) القرمطة في الأصل تقارب الخطى أو تقارب الخط القرامطة نسبة إلى حمدان القرمطي ، والقرامطة مجوس أظهروا الإسلام كيدا ومكرا للمسلمين ، في المائة الثانية ، هؤلاء تأويلاتهم يؤولون الشريعة كما يؤول علماء الكلام الصفات ، الزكاة مؤولة عندهم ، الصلاة مؤولة والصيام ، جميع العبادات مؤولة عند القرامطة الباطنية ، الشيخ يقول (ويقرمطون في السمعيات) أي علماء الكلام يشبه تأويلهم للسمعيات كتأويل القرامطة للشريعة كلها هذا تشبيه ..[1]

(إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات كالحيوان والمعدن والنبات ، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع) إذا كنتم فررتم من إثبات الصفات والأسماء لأنها تتفق في اللفظ مع صفات الله تعالى وأسمائه ، تعالوا إلى الوجود ( علم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود) وهذا الموجود (قديم) وهو الله المراد بـ ( القديم ) القديم ليس من أسماء الله تعالى ، أي هو الأول الذي ليس قبله شيء ( غني عما سواه إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات ) والمحدثات هذه موجودة يطلق عليه أنه موجود الحيوان موجود والمعدن موجود والنبات موجود والله موجود وهل وجود الله كوجود الحيوان ووجود المعدن ووجود النباتات ؟ لا ، هذا بضرورة العقل يجب أن يوافقوا ، إذا وافقوا على وصف الله بأنه موجود مع العلم أن هناك أشياء يقال إنها موجودات وهل وجود الله كوجود هذه المحدثات ؟ لا ، إذن يقال لهم اسم الله ( السميع ) و ( البصير ) و ( القدير ) ليس كأسماء المخلوقين الذين يوصفون أو يسمون بهذه الأسماء ، هذا وجه الإلزام .

قال الشيخ رحمه الله تعالى نعيد مرة أخرى فليُفْهَم (وذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عما سواه إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات كالحيوان والمعدن والنبات ) هذه الموجودات والمحدثات تدل على وجود موجِد قديم غني مخالف لهذه المحدَثات ، بمعنى : استدلال بالمُحدَثات على المُحْدِث هذه المحدَثات تدل على المُحْدِث ، هذه الموجودات المحدَثة تدل على موجود قديم كما تدل البعرة على البعير .

(والحادث ممكن ) الممكن ما يستوي في حقه الوجود والعدم ، كل ما عدا الله يقال له ممكن ويقال له جائز، الممكن والجائز يقابل الواجب ، الله سبحانه وتعالى يقال في حقه الواجب ، وما عدا الله يقال في حقه ممكن وجائز إذ يستوي وجوده وعدمه ولا يوجَد إلا

[1] ) هنا مسح في الشريط .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:27 AM

بموجِد وذلك الموجِد مخالف لهذا المُحْدَث ، بعبارة أخرى : المُحْدِث الذي أحدث هذا الكون مخالف لما أحدثه ، لو لم يخالفه ، يكون مثله ، لا يمون أهلا للإحداث .

(والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع ) إذن القسمة العقلية ثلاثة :

- واجب .

- وممكن .

- وممتنع .

لا رابع لها ، الواجب هو الله ، الممكن الجائز ما عدا الله ، الممتنع المستحيلات كالشريك والصاحبة والولد والوزير هذه ممتنعات ، الأمور تنقسم إلى هذه القسمة الثلاثية فلْتُفْهَم .

(وقد علم بالاضطرار أن المحدَث ) أي الممكن الذي وجد بعد أن لم يكن .

(لا بد له من محدِث ) لا بد له من موجِد أوجده .

(والممكن لا بد له من واجب ) الواجب هو الله .

(كما قال تعالى " أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ") هذا يسمى دليل التمانع هذه الآية يسمونها دليل التمانع ، ويشرح الشيخ فيقول :

(فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق ) كون المخلوق يخلق من غير خالق ممتنع عقلا ( ولا هم الخالقون ) كذلك ممتنع أن يخلق المخلوق نفسه إذن (تعين أن لهم خالقا خلقهم) أضف على ذلك أن الخالق الذي خلقهم مخالف لهم في كل شيء لأنه لو كان مثلهم ما كان خالقا لهم " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " .

(وإذا كان من المعلوم بالضرورة) العلم الضروري العلم الذي لا تستطيع أن تدفعه عن نفسك لو أردت أن تدفعه ، لو أردت أن تدفع عن نفسك وجود هذا الجهاز ليس بموجود ، هل تقدر ؟ لا ، معرفتك بوجود هذا الجهاز أمامك ، ومعرفة وجود هذه السارية أمامك ، علم ضروري أي لو حاولت أن تدفع هذا العلم لما استطعت هذا معنى العلم الضروري .

(وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه ) وهو الله ( ما هو محدث ممكن ) وهو ما عدا الله كما تقدم .

(يقبل الوجود والعدم ) هذا تفسير للممكن ، لو قيل لك فسر الممكن ، الممكن ما يقبل الوجود والعدم ، أصله في العدم ، ولكن من الذي رجح وجوده على عدمه ؟ هو الله ، إذ قبل أن يوجد يستوي فيه الوجود والعدم ، وترجح الوجود على العدم لوجود موجِد أوجده وهو الله سبحانه .

(فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود) الممكن موجود والذي أوجد هذا الممكن موجود هذا موجود وهذا موجود (ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا) إذا كان الله موجودا والمخلوق موجود هل يلزم من الاتفاق في مسمى الوجود أن يكون وجود الله كوجود المخلوق ؟ أو وجود المخلوق كوجود الخالق ؟ لا ، لا يلزم عقلا قبل أن نقول شرعا .

ثم قال (بل وجود هذا) وجود الله مثلا ( يخصه ووجود هذا) المخلوق (يخصه) أي له مواصفات ، وجود الخالق وجود ليس له أوليه لأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء وهو الآخر الذي ليس بعده شيء وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن الذي ليس دونه شيء ، هذا هو الله ، ولكن وجود المخلوق وجود مسبوق بعدم ، وجود ناقص إذ يطرأ عليه العدم مرة أخرى وتطرأ عليه آفات : أمراض ، جهل ، آفات كثيرة .

(واتفاقهما في اسم عام) الذي هو الوجود (لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة ) قبل أن تقول وجود الله ووجود المخلوق هذا يسمى الوجود العام الاتفاق إنما حصل بين الخالق وبين المخلوق في الوجود العام ، الوجود العام قبل أن يخصص وجود الله بالإضافة والتقييد وقبل أن يخصص وجود المخلوق بالإضافة والتخصيص ، إذا قلت وجود الله ووجود زيد افترقا لا يحصل التشابه والتماثل بينهما أبدا .

وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الدرس السادس من دروس الرسالة التدمرية (وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم) يمكن أن يُعَبَّر بغير هذه العبارة فيقال : وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود قديما واجبا بنفسه ومحدَثا ممكنا يقبل الوجود والعدم يعني لو أردنا أن نتفادى ( ما ) لأن لفظة ( ما ) في الغالب لغير العاقل وهنا تأتي لتطلق على الله وعلى المخلوق معا لو أردنا أن نتخلص منها نقول هكذا - وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود موجودا قديما واجبا بنفسه وهو الله وموجودا محدَثا ممكنا يقبل الوجود والعدم . قول الشيخ رحمه الله (يقبل الوجود والعدم) تعريف للممكن لو قيل لك ما هو الممكن ؟ الجواب : الممكن ما يقبل الوجود والعدم ، هذا الكون كله ممكن لأنه كان معدوما ثم وجد ، فوجوده دليل على عدمه السابق ، أي رُجِّح وجودُه على عدمه السابق والترجيح لا يكون بلا مرجِّح إذن لا بد من مرجِّح وذلك المرجِّح هو الله أي الموجِد ، الجائز والممكن بمعنى واحد ، لك أن تقول : هذا الكون كله جائز وهذا الكون كله ممكن أي ما عدا الله ، الكون يقال لهذا المخلوق ما عدا الله لأنه مكوَّن الله كوّنه وأوجده واخترعه ، يقال له ممكن ويقال له جائز ، مقابل واجب ، الواجب هو الله وحده ، الواجب هو الأول الذي ليس قبله شيء ، وما عدا الله كله جائز وممكن لأنه كان معدوما ثم وجد ثم يقبل الإعدام إذ لا يبقى غير وجه الله إلا ما يبقيه الله سبحانه وتعالى مِن عنده وليس البقاء وصفا ذاتيا له كالجنة ونعيمها وإلا كل شيء هالك إلا وجهه سبحانه ، المهم هذا تعريف للممكن .

ثم قال الشيخ ( فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود ) واجب الوجود موجود وجائز الوجود موجود ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود كون واجب الوجود موجودا وجائز الوجود موجود اتفاقهما في مسمى الوجود لا يلزم من ذلك أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا ، أن يكون وجود الله كوجود المخلوق أو يكون وجود المخلوق كوجود الله بل بينهما تباين لا يلزم من هذا عقلا (بل وجود هذا يخصه) وجود واجب الوجود وهو الله يخصه (ووجود هذا يخصه) وجود الممكن جائز الوجود يخصه .

( واتفاقهما في اسم عام) أي قبل الإضافة ( لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتقييد والتخصيص ) إطلاق الوجود أو موجود عندما تقول ( موجود ) قبل أن تقول الله موجود وقبل أن تقول زيد موجود قلت (موجود) هكذا أو ( وجود ) هذا الوجود اسمه وجود عام ، والموجود قبل أن تضيفه إلى أحد اسمه موجود عام ، الاشتراك في هذا المعنى العام أمر ضروري ، ولا يلزم من الاشتراك في هذا المعنى العام وفي الاسم العام لا يلزم من ذلك اتفاقهما بعد التخصيص والتقييد والإضافة ، انتبه مرة أخرى : (ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود) الله له وجود والممكن له وجود ( أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا بل وجود هذا) وجود الله مثلا (يخصه) وجود ليس له أولية لأنه الأول الذي ليس قبله شيء ، قديم بلا بداية (ووجود هذا يخصه) وجود محدَث الله أحدثه بعد أن لم يكن موجودا فجعله موجودا (واتفاقهما في اسم عام) الذي هو الوجود (لا يقتضي تماثلهما) أن يكون كل واحد مثل الآخر ( ي مسمى ذلك الاسم) متى ؟ (عند الإضافة والتقييد والتخصيص) المعنى واحد إنما كرر من باب التأكيد لو قال عند الإضافة فسكت كفى ، لو قال عند التقييد كفى ، لو قال عند التخصيص كفى لأن الإضافة هنا تفيد التقييد والتخصيص ، وجود الله خُصِّص بالله ، وجود زيد خُصِّص بزيد ، بعد هذا التخصيص لا يتماثلان أبدا ولا يشتركان في أي شيء (ولا في غيره) هذه العبارة أشكلت على كثير من الشراح (ولا في غيره) أي في غير التخصيص أي حتى عند الإطلاق لا يحصل التماثل وإنما يحصل الاتفاق في المعنى العام ، لا يلزم من الاتفاق في المعنى العام التماثل حتى عند الإطلاق ، أي قبل الإضافة التي قيدت وخصصت حصل الاتفاق في الاسم العام لكن لا يلزم حتى عند ذلك أي قبل التقييد لا يلزم تماثلهما هذا تعبير دقيق جدا ينبغي أن يفطن له ، ربما لو قلنا ( لا يلزم تماثلهما عند التقييد والتخصيص ) يكون المفهوم : يلزم تماثلهما عند الإطلاق وليس الأمر كذلك حتى عند الإطلاق الذي يحصل هو الاتفاق في المعنى العام فقط أما التماثل بين حقيقة وجود الله وحقيقة وجود المخلوق لا يحصل أبدا

الشريط الرابع :
((فلا يقول عاقل إذا قيل إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود إن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه بل الذهن يأخذ معنى مشتركا كليا هو مسمى الاسم المطلق وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره مع أن الاسم حقيقة في كل منهما.

ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء ، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص اتفاقهما ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص .

فقد سمى الله نفسه حيا فقال " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " وسمى بعض عباده حيا فقال " يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي " وليس هذا الحي مثل هذا الحي لأنه قوله الحي اسم لله مختص به وقوله " يخرج الحي من الميت " اسم للحي المخلوق مختص به ، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص ، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج ولكن العقل يفهم من المطلق قدرا مشتركا بين المسميين ، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق ، ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى .

وكذلك سمى الله نفسه عليما حليما وسمى بعض عباده عليما فقال " وبشرناه بغلام عليم " يعني إسحاق وسمى الآخر حليما فقال " وبشرناه بغلام حليم " يعني إسماعيل وليس العليم كالعليم ولا الحليم كالحليم .

وسمى نفسه سميعا بصيرا فقال " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعدكم به إن الله كان سميها بصيرا " وسمى بعض عباده سميعا بصيرا فقال " إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا " وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير .. )) [1]

(فلا يقول عاقل) انتبه لهذا المثل (إذا قيل إن العرش شيء موجود) وصفه بأمرين : ( شيء ) و ( موجود ) العرش شيء موجود ، وهذا (البعوض شيء موجود) لا يقول عاقل (إن هذا مثلُ هذا) إن البعوض مثل العرش (لاتفاقهما في مسمى الشيء) وفي مسمى (الوجود) هل وجود البعوض مثل

[1] ) قال الشيخ محمد أمان رحمه الله (القاعدة هذه إذا فهمتموها تريحكم وهي قاعدة عظيمة ) وذلك في الشريط الذي قبل هذا .


أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:28 AM

وجود العرش ؟ لا ، وهما مخلوقان اتفقا في الاسم العام ، الاسم العام ( شيء ) واتفقا في الاسم العام مرة أخرى ( الوجود ) لكن دون أن يفكر العاقل ببداهة العقول يدرك أن وجود البعوض الضعيف الذي تقتله بإصبعيك هكذا ليس وجود ذلك المخلوق العظيم ، أعظم المخلوقات العرش ، وجودهما وحقيقة وجودهما وخصائص وجودهما مختلفة ، علما أن هذا مخلوق وهذا مخلوق (لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه) الاشتراك إنما يكون في مسمى ( الشيء ) وفي مسمى ( الوجود ) لا يشتركان في غيرهما أبدا ، البعوض والعرش هذا مثل إنما يشتركان في ( الوجود ) و ( الشيء ) ليس هنا ما يجمعهما غيرهما غير ( الوجود ) وغير ( الشيء ) .

(بل الذهن يأخذ معنى مشتركا كليا هو مسمى الاسم المطلق) إذا قيل ( وجود ) - قبل أن يضاف الوجود إلى العرش أو إلى البعوض - طبعا حصل الاتفاق ولا يلزم كما قلنا من هذا الاتفاق التماثل ، ولكن يقول الشيخ (بل الذهن يأخذ معنى مشتركا كليا) هذا المعنى المشترك الكلي لا وجود له في الخارج إلا في الذهن حتى بين المخلوقات حتى فيما بين العرش وبين البعوض ، المطلق الكلي وهو المعنى الخيالي الذهني الذي لا تستطيع أن ترسمه الخارج لا وجود له إلا في الذهن .

(وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود) البعوض موجود والعرش موجود (فوجود كل منهما يخصه) لأنه حصل تقييد ( هذا) المشار إليه العرش( هذا) أي هذا العرش (موجود) و ( هذا) البعوض (موجود) (فوجود كل منهما يخصه) العاقل يفهم أن وجود العرش غير وجود البعوض وكذلك العكس و (لا يشركه فيه غيره) لا العرش يشرك البعوض في وجوده الضعيف ولا البعوض الضعيف يشرك العرش في وجوده العظيم ، أعظم المخلوقات وأكبر المخلوقات (مع أن الاسم حقيقة في كل منهما) انتبه لهذا ، لا يقولن قائل يتفلسف ويقول لك لا ، وجود العرش هو الوجود الحقيقي أما وجود البعوض ، لا ، وجود مجازي ، لا ، كل منهما حقيقة ، وجود العرش وجود حقيقي ووجود البعوض وجود حقيقي لكن ليست الحقيقة كالحقيقة وإذا أمكن ذلك بين المخلوقات كيف يستغرب إمكان ذلك بين الخالق والمخلوق وأن مجرد تسمية مخلوق ما بأنه ( عليم ) وبأنه ( حليم ) وبأنه ( سميع ) وبأنه ( بصير ) لا يستلزم أبدا أن يكون سمعه وبصره وعلمه وحلمه كصفة السمع والبصر والحلم عند الله ، العاقل يدرك هذا ، لو درس الإنسان من أول وهله قبل أن يدرس الفلسفة والمنطق وعلم الكلام درس العقيدة هكذا بذهن خال وبعقل سليم صريح لا يقع عنده أي توقف أبدا بل يعلم أن هذا الاشتراك في المطلق الكلي لا تأثير له في حقيقة وجود الله وفي حقيقة سمعه وبصره وفي حقيقة نزوله ومجيئه بل كل ذلك يخالف حقائق صفات المخلوقين ، هذا معنى قول شيخ الإسلام رحمه الله (( العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح )) وكتابه ( درء تعارض العقل والنقل ) موضوعه هو هذا ، ولذلك ينبغي لطلاب العلم خصوصا في هذا الوقت أن يدرسوا هذا الكتاب دراسة ، لو تمكن الطلاب الناضجون أن يدرسوا هذا الكتاب على بعض المشايخ اللي لديهم فراغ ولديهم مقدرة على تحليل هذا الكتاب أزال من لديهم شبها كثيرة ولا يتمكن الأشاعرة من التشويش عليهم ، لأن الكتاب رد على الأشاعرة .

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى (ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه) "علم" الله "قدرة" الله "نزول" الله "مجيئه" (لا يشركه فيها غيره) أبدا (وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم) ما الذي خصص ؟ الإضافة (مضافة إليهم) هذا بيان للاختصاص .

(ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء) واضح (وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه) كما مثلنا (لا يشركه فيها غيره وسمى بعض مخلوقاته بأسماء) عليم حليم سميع بصير (مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص ) كلكم هكذا العبارة ؟ ( تُوَافِق ) ؟ .. (توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص ولم يلزم من اتفاق الاسمين ) عليم وحليم مثلا (تماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص ) .( لم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسماهما) تماثل مسمى ( عليم ) و ( حليم ) (واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص) يحصل الاتفاق دون التماثل ، انتبه الاتفاق حاصل في الاسم العام لكن لا يلزم من ذلك اتحاده عند الإطلاق (ولم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص ) وإن كان عند الإطلاق وقطع الاختصاص والإضافة يحصل الاتفاق في الاسم لكن لا يحصل الاتحاد والتماثل ، التماثل والاتحاد شيء زائد على الاتفاق في المعنى العام وفي الاسم العام ، ولذلك قال (فضلا أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص) أما عند الإضافة والتخصيص فالأمر بين ، بل حتى عند الإطلاق إنما يحصل الاتفاق دون التماثل ودون الاتحاد (فضلا أن يتحد مسماهما) مسمى ( العليم ) مثلا (عند الإضافة) ( علم ) الله وعلم زيد (والتخصيص) وهذا من باب أولى إذا كان لا يحصل الاتحاد والتماثل عند الإطلاق فعدم وجودهما عند التخصيص والإضافة من باب أولى وهذا إعادة للكلام السابق ، يعتبر مكررا مع الكلام السابق ، توضيحا لهذا قال الشيخ بالأمثلة :

( فقد سمى الله نفسه حيا فقال " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " وسمى بعض عباده حيا فقال " يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي " وليس هذا الحي مثل هذا الحي ) ليس الله مثل الحي الذي أخرجه من الميت (لأن قوله الحي (القيوم ) اسم لله مختص به) إذا قال " الله لا إله إلا هو الحي " اسم لله لأنه جاء مضافا إلى الله ، الله سمى نفسه به ، اسم مختص به ، (وقوله " يخرج الحي من الميت " اسم للحي المخلوق مختص به) لأنه وصفه بصفة الحدوث مع العلم أنه سماه حيا لكن أشار إلى أنه محدَث حيث قال " يخرج الحي من الميت " أوجده بعد أن لم يكن ومع ذلك أطلق عليه اسم ( الحي ) إذن هذا مختص به ، فالله منزه أن يشرك هذا الحي في حياته أي : في خصائص حياته ، خصائص حياته : حياة مسبوقة بعدم ، حياة غير كاملة ، حي فقير ، حي عاجز الله لا يشرك هذا الحي في خصائص حياته مع أن هذا الحي الذي أخرجه الله من الميت مستحيل أن يشرك الله في حياته الكاملة من كل وجه ، حياة لم تسبق بموت أو بعدم ، حياة كاملة لا يتطرق إليها أي نقص ، هذا معنى الاختصاص ، حياة الله مختصة به وحياة المخلوق مختصة به كما هو واضح .

ثم قال (وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص) يتفقان فيمَ ؟ في الاسم المطلق (ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج) ذلك المطلق كما قلنا معنى خيالي ذهني لا وجود له في الخارج ، كل ما وجد في الخارج فهو مختص هذه قاعدة ( كل ما وجد في الخارج فهو مقيد مختص ) أما الاسم المطلق أو المعنى المطلق هذا خيالي ذهني ، يقولون الذهن حر يتصور ما يشاء ، الذهن له أن يتصور الشريك لله سبحانه وهو غير موجود مستحيل ، ويتصور الصاحبة والولد وليس عليه شيء لأن هذا خيال ، ولكن متى يؤاخذ الإنسان بهذه العقيدة ؟ إذا خرجت إلى حيز الوجود خارج الذهن ولا وجود لذلك ( ولكن العقل يفهم من المطلق قدرا مشتركا بين المسميين ) هذا القدر المشترك الذي يدركه العقل إنما هو في ذلك المطلق الكلي قبل أن يخرج إلى حيز الوجود ، متى يخرج إلى الخارج ؟ عند الاختصاص لذلك قال (وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق ) ذلك بأن تعرف خصائص وجود الرب وخصائص حياة الرب وخصائص علم الرب وخصائص حياة المخلوق وخصائص علم المخلوق ، هذا شيء معلوم يعني مواصفات حياتنا ما هي ، ومواصفات علمنا ما هي ، إذا عرفت ذلك استرحت ، إذ مستحيل أن يشترك الرب سبحان وتعالى في هذه المواصفات ، أنت ( عليم ) الله أعطاك علما " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " وعلى كلّ اسمه علم عندك علم ، الله عنده علم ، وعندك حياة والله عنده حياة ، لكن انظر في مواصفات حياتك وفي مواصفات علمك حتى تعلم بأنه لا يحصل الاشتراك أبدا بعد إضافة صفة المخلوق أيا كانت تلك الصفة إلى المخلوق وبعد إضافة صفة الخالق إلى الخالق وما قبل ذلك من الاشتراك في المعنى العام لا نقول لا يضر بل نقول إنه أمر ضروري إذ لا يمكن أن تتصور لا وجود الخالق ولا وجود المخلوق إلا في هذا المطلق الكلي الذي يشترك فيه الجميع .

ثم قال الشيخ رحمه الله - ما أدري أنتم معي فاهمين هذا المعنى هذا الكلام مفهوم ؟ إن شاء الله قال الشيخ رحمه الله تعالى (ولا بد من هذا) هذا هو معناه ( ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته) لابد من الاشتراك في المعنى العام المطلق ولابد من نفي المشاركة بعد التخصيص بالإضافة ، قاعدة واضحة الاشتراك في المعنى الكلي المطلق أمر لابد منه في جميع صفات الله وأسمائه بل حتى بين المخلوقين كما تقدم المثال فيما بين العرش وبين البعوض ، ولابد من نفي المشاركة بين الخالق وبين المخلوق أي بين أسماء الخالق وأسماء المخلوق وصفات الخالق وصفات المخلوق بعد الإضافة والتخصيص لو فهم القوم هذا الفهم لما تخبط النفاة في التعطيل ولما تخبط المشبهة في التشبيه ولكن لم يوفقوا إلى هذا العلم ، الذي حال بينهم وبين هذه القاعدة لم يأخذوا العقيدة رأسا من الكتاب والسنة ولكن أخذوا من علم الكلام المدخول في الفلسفة والمنطق فشوش على الناس ، ودائما إذا خرج الإنسان عن الخط يتشوش ولذلك لازموا الخط في كل شيء (ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة ) أي بالموافقة (والاتفاق وما دل عليه بالإضافة والاختصاص ) المواطأة والاتفاق عند الإطلاق (وما دل عليه بالإضافة والاختصاص ) عند الإضافة والتقييد (المانعة من مشاركة المخلوق للخالق) الذي يمنع المشاركة بين الخالق والمخلوق الإضافة المخصصة في صفات الله تعالى لله وأسماءه له سبحانه ، والإضافة المخصصة لصفات المخلوق للمخلوق وأسماء المخلوق للمخلوق بعد ذلك تحس بالراحة إذ لا مشاركة بين الخالق والمخلوق في أي شيء .

قال رحمه الله (وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى ) هذا اللي سميناه مواصفات ، خصائص صفات الرب سبحانه وخصائص أسماء الرب خصصت له بالإضافة ( علم ) الله ( حياة ) الله ( نزول ) الله ( مجيء ) الله ، وليس ذلك خاصا بالصفات الذاتية بل حتى في الصفات الفعلية ، الصفات الفعلية التي تتجدد كثيرا لأنه فعال لما يريد هي التي أشكلت على الأشاعرة لذلك سلموا عدم المشاركة في الصفات الذاتية العقلية ولكن القوم ارتبكوا في الصفات الخبرية التي لولا الخبر لا مجال إلى إثباتها كصفة الوجه واليدين وفي الصفات الفعلية ، مشكلة القوم تنحصر في الصفات الفعلية وفي الصفات الذاتية الخبرية وأنتم تفرقون طبعا أن الصفات الذاتية تنقسم إلى قسمين :

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:29 AM

- صفات خبرية محضة : بمعنى هذه الصفات الخبرية المحضة وتسمى الصفات السمعية وتسمى الصفات النقلية لولا خبر الله أو خبر رسوله عليه الصلاة والسلامولولا النقل عن الله أو عن رسوله ولولا السماع عن الله أو عن رسوله لا تُثبت ، لا يجرؤ عقل المسلم على أن يثبت لله وجها ويدين وقدما وساقا وأصابع لولا ورود ذلك ، بل لا يدور في خلد الإنسان إثبات هذه الصفات لولا ورود الخبر لذلك تسمى الصفات الخبرية المحضة وهذه هي التي أشكلت على الأشاعرة ومن يدور معهم في فلكهم ، أما المسلِّمون لله ورسوله لا إشكال عندهم ، من سلّم لله ولرسوله سلِم ، قال له سمع ، نعم له سمع ، وله وجه كريم له وجه ، وله يدان مبسوطتان ، له يدان ، لا يفكر لا في الجارحة ولا في النعمة ولا في القدرة ولا في القوة طالما جاءت هذه الصفة مضافة إلى الله فهي على ظاهرها .

وبعد ، قال الشيخ رحمه الله تعالى ( وكذلك سمى الله نفسه عليما حليما وسمى بعض عباده عليما فقال " وبشروه بغلام عليم " يعني إسحاق وسمى الآخر حليما فقال " وبشرناه بغلام حليم " يعني إسماعيل وليس العليم كالعليم ولا الحليم كالحليم) هذا الذي نحن نشرحه ونتعب في الشرح لو سمع أعرابي بدوي لم يجلس قط في مجلس ما ، قيل له : الله عليم سمى بعض عباده عليما هل هما شيء واحد ؟ يقول لا أبدا ليس هذا كهذا ، يدرك بفطرته ولكن الذي جعل الناس يحتاجون إلى الدرس وإلى الشرح الشبه القائمة التي جاءت من دراسة علم الكلام أو من مجالسة من درس علم الكلام ، قد يصاب الإنسان بالعدوى ، العدوى هنا واردة ، قد يصاب المرء بالعدوى في هذا الباب لذلك مجالسة المرضى بمرض القلوب مرض الشبهة هذا له تأثير كبير ، ليس كالعدوى بالأمراض الجسمية ونحن لا نؤمن بهذا بل نؤمن " لا عدوى ولا طيرة " ولكن بالنسبة لمرض الشبهة له عدوى ، خطير ، مجالستهم تؤثر لذلك بهذه المناسبة ننصح شبابنا الصغار أن لا يجلسوا إلى أولئك بدعوى أنهم يدرسون عليهم النحو والصرف وفروع اللغة العربية ولا تدري من أين تدخل عليك العدوى ، الارتياح إليه إلى ذلك الشيخ والانسجام معه سبيل إلى العدوى وعلى الأقل يحصل عندك الرضا بما هو عليه ، الرضا بما هو عليه يجر إلى أن توافقه مع طول الإقامة فنسأل الله لنا ولكم السلامة ولستم بحاجة إلى ذلك ...

نكتفي بهذا المقدار لنجيب على بعض الأسئلة التي لها علاقة بدرسنا :

- طالب علم يناقش في قاعدة ذكرها فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ومد في عمره في طاعة الله تعالى لا تحزنوا من كلمة رحمه الله تقال في الأحياء والموتى على حد سواء فنقول رحمه الله ومد في عمره في طاعة الله الشيخ ذكر قاعدة تحفظونها كلكم ( أسماء الله تعالى توقيفية لا إشكال في ذلك ، كذلك صفات الله تعالى توقيفية ) ومع ذلك ذكر في القواعد المثلى أن ( باب الصفات أوسع من باب الأسماء ) وهذا باعتبار ليس مطلقا ، باعتبار الصفات الفعلية والشيخ مثل لذلك بأمثلة ، فمثلا أسماء الله تعالى لا نستطيع حتى أن نصوغها من الأفعال نقف عند ما ورد من الأسماء ، أسماء الله تعالى تدل دلالتين :

- تدل على الذات باعتبار دلالتها على الذات فهي أعلام ولذلك يقال ( أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف ) باعتبار دلالتها على الذات فهي أعلام .

- وباعتبار دلالتها على المعاني أي على صفات الله تعالى فهي أوصاف .

ومع ذلك لا تصاغ من الأفعال التي ورد ذكرها في الكتاب والسنة بل هي توقيفية إلا إذا كان من باب الإخبار كفاعل ، مريد ، متكلم ، قديم ، من باب الإخبار لا على أساس أنها من أسماء الله الحسنى ، وصفات الله تعالى كما هي تؤخذ من الأسماء أي أن الأسماء تدل على الصفات كذلك هناك صفات فعلية تؤخذ من الأفعال ، وهذه الصفات التي تؤخذ من الأفعال لا تصاغ منها الأسماء " الرحمن على العرش استوى " الفعل استوى يدل على صفة فعلية اسمها صفة ( الاستواء ) ، " ينزل ربنا " يدل على صفة ( النزول ) الفعل ( ينزل ) يدل على فعل ( النزول ) وهل تستطيع أن تأخذ من هذا أسماء تسمى الله سبحانه وتعالى بأنه ( مستوٍ ) وبأنه ( نازل ) ، لا ، إلا إذا كان من باب الإخبار ، ولا يعد ذلك من أسماء الله الحسنى لماذا ؟ لما فيه الاشتراك ، أسماء الله الحسنى البالغة في الحسن والكمال ، كلمة ( نازل ) وكلمة ( مستوي ) يشترك فيه الخالق والمخلوق وتستعمل فيما يليق بالله وفيما لا يليق بالله كذلك مريد قد يريد الخير وقد يريد الشر ، إذن هذه الأفعال تصاغ منها الصفات الفعلية ولا تصاغ منها الأسماء هذا معنى قول الشيخ ( باب الصفات أوسع من باب الأسماء ) لأنك تصوغ الصفات الفعلية من بعض الأفعال الواردة في الكتاب والسنة وإن لم يرد ، أما الأسماء لا تستطيع أن تسوغ ما ترد كـ ( المعطي المانع ) للورود ما لم يرد لا تصوغ الأسماء من الأفعال ، هذا معنى قوله إن كان الكتاب لديكم الآن تقرأون هذه القعدة ما فيش مانع .. على كلٍّ راجع هذا معنى كلام الشيخ ...هذا ليس اسم هذا من باب الإخبار ، باب الإخبار أوسع من باب الأسماء ، يخبر عن الله تعالى بأسماء تدل على المعاني الطيبة ولكن لا يلزم من ذلك كما قلنا قبل قليل أن تكون من الأسماء الحسنى ...

سائل يسأل يقول : اشرح لنا قول الإمام مالك رحمه الله وهو ( الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب ) وهل يفهم من قول ( الكيف مجهول ) تفويض الكيفية ؟ - لا شك

الجواب : قول الإمام مالك ( والكيف مجهول ) يفهم منه أنه لا يجوز السؤال بكيف بل الكيفية تفوض إلى الله ، بالمناسبة ، التفويض تفويضان :

- التفويض الذي يريده الشيخ هنا تفويض الحقيقة والكيفية والكنه وهذا واجب ، أي : رد على سؤال السائل لأن السائل قال كيف استوى ؟ السائل سأل عن الكيفية ولم يسأل عن المعنى ، لو سأل عن معنى " الرحمن على العرش استوى " لما اندهش الإمام بل أجاب بداهة ولا يحتاج إلى الجواب عند من يفهم معنى استوى إذا تعدى بـ ( على ) ولكن السائل سأل عن الكيفية لذلك اندهش الإمام ثم رد بهذا الجواب ( الكيف مجهول ) كيفية ذات الرب سبحانه وتعالى وكيفية صفاته كل ذلك مجهول لنا لا نعلم ، لأننا نعلم ولا نحيط به علما الذي يسأل عن كيفية الذات وعن كيفية الصفات يحاول الإحاطة بالله ، هذا وجه اندهاش الإمام مالك ولا يجوز للعبد المسكين أن يحاول أن يحيط بالله علما " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " .

- أما التفويض الثاني : تفويض المعاني وهذا لا يجوز أي ادعاء أن معاني الصفات غير معلومة وغير مرادة لله ، إذا كانت معاني الصفات " الرحمن على العرش استوى " " وجاء ربك والملك صفا صفّا " يعني يتجاهل الإنسان أنه لا يعلم معنى ( جاء ) ومعنى ( أتى ) ومعنى ( يأتي ) ومعنى ( استوى ) ومعنى ( السميع ) ومعنى ( البصير ) لا يفرق بين ( السميع ) و ( البصير ) هذا تجاهل تكلف ، التفويض أي دعوى تفويض المعاني تكلف في تجاهل ما هو معلوم بديهي لكل من يفهم اللغة العربية لأن المعاني مفهومة من الألفاظ وتجاهل ذلك ليس بتفويض ولكنه تجاهل لما هو معلوم وكذلك التوقف منهم من يدعي نحن نتوقف ، لا نقول نعلم المعنى أو لا نعلم كجمع النقيضين كما تقدم ، نتوقف بدعوى الورع هذا ورع مزيف ، الواجب أن تفهم المعاني وتتدبر القرآن أنزل لنتدبر والتدبر لا يتم إلا بمعرفة المعاني ، معاني القرآن بما في ذلك نصوص الصفات معلوم لدى طلاب العلم ...

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى(( وسمى نفسه سميعا بصيرا فقال " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعدكم به إن الله كان سميها بصيرا " وسمى بعض عباده سميعا بصيرا فقال " إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا " وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير .
وسمى نفسه بالرؤوف الرحيم فقال " إن الله بالناس لرؤوف رحيم " وسمى بعض عباده بالرؤوف الرحيم فقال " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " وليس الرؤوف كالرؤوف ولا الرحيم كالرحيم .
وسمى نفسه بالملك فقال " الملك القدوس " وسمى بعض عباده بالملك فقال " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا "" وقال الملك ائتوني به " وليس الملك كالملك .
وسمى نفسه بالمؤمن فقال " المؤمن المهيمن " وسمى بعض عباده بالمؤمن فقال " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " وليس المؤمن كالمؤمن .
وسمى نفسه بالعزيز فقال " العزيز الجبار المتكبر " وسمى بعض عباده بالعزيز فقال " وقالت امرأة العزيز " وليس العزيز كالعزيز .
وسمى نفسه الجبار المتكبر وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر فقال " كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار " وليس الجبار كالجبار ولا المتكبر كالمتكبر ونظائر هذا متعددة ))

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:30 AM

الحمد لله رب العالمين وصلاة الله وسلامه ورحمته وبركاته على رسوله الأمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

فقد قدم شيخ الإسلام قاعدة عظيمة وهي : أن اتفاق الأسماء لا يوجب تماثل المسميات ، هذه القاعدة هي التي مثل لها بهذه الأمثلة الكثيرة من الآيات لذلك ينبغي الرجوع إلى هذه القاعدة وفهمها وهضمها .

(اتفاق الأسماء ) سميع وسميع عليم وعليم (لا يوجب تماثل المسميات ) ليس كل من سمي عليما أو سميعا أو بصيرا كالآخر الذي سمي بهذا الاسم أسماء الله وصفاته مختصة به وإن اتفقت مع ما لغيره عند الإطلاق هذا توضيح للقاعدة التي ذكرناها ، لذلك تأتي هذه الأمثلة تطبيقا للقاعدة .

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في آخر شرحه للقاعدة التي ذكرناها (ولا بد من هذا) أي في الاتفاق في المعنى العام في المطلق الكلي ( في جميع أسماء الله وصفاته ) لا بد من ذلك ( يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق ) المواطأة والاتفاق بمعنى واحد (وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى ) تعلم أولا محل الاتفاق ثم تعرف محل الاختلاف ، الاتفاق إنما يحصل بين أسماء الله تعالى وأسماء بعض مخلوقاته في المعنى العام المطلق أي قبل أن تضاف أسماء الله إلى الله وأسماء المخلوق إلى المخلوق وقبل أن تضاف صفات الله إلى الله وصفات المخلوق إلى المخلوق ، كأن تقول : سمعا وبصرا وعلما أو سميع بصير عليم . هذا يسمى المطلق الكلي أو المعنى العام ، أي : ليس لأحد ، العلم الذي لم يضف : علم ، سمع ، بصر ، ليس لأحد ، ليس خاصا بالله ولا بخلقه بل هو غير موجود في الخارج في خارج الذهن وإنما هو يتصوره الذهن تصورا [1] العلم هكذا علم قائم بنفسه غير موجود ، ولكن بعد إضافة علم الله إلى الله وسمع الله إلى الله وبصر الله إلى الله إلى آخر الأسماء والصفات لا يشاركه أحد من خلقه في هذه الأسماء المضافة والصفات المضافة ، ينزه الرب سبحانه وتعالى أن يشاركه أحد من خلقه لا ملك مقرب أو

[1] ) هنا ينتصف الشريط الرابع .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:31 AM

نبي مرسل أن يشارك الله في سمعه المختص به وعلمه المختص به وبصره المختص به إلى آخر الأسماء والصفات ، كذلك إذا قلنا علم زيد وسمع خالد إلى آخره ينزه الرب سبحانه وتعالى أن يشارك هذا المخلوق في خصائص سمعه وبصره لأن لسمع الرب سبحانه وتعالى وبصره خصائص ومواصفات خاصة كذلك لصفات المخلوق خصائص ومواصفات خاصة ، نأخذ السمع مثلا : سمع الله تعالى سمع محيط بجميع المسموعات وعلم الله تعالى علم محيط بجميع المعلومات لا يفوته شيء ، هذا معنى قول السلف ( علمه في كل مكان وفي كل شيء ) ثم إن علم الرب سبحانه لم يسبق بجهل ولا يطرأ عليه نسيان أو غفلة أو ذهول هذه مواصفات علم الرب سبحانه وتعالىوقس على ذلك سائر الصفات ، يستحيل أن يشارك الله أحد في مواصفات وخصائص هذا العلم ، هل يوجد مخلوق يحيط بعلمه بكل شيء ؟ محيط بكل شيء بعلمه ؟ لا يوجد ، لا ملك ولا نبي ولا يوجد مخلوق علمه قديم قدم ذاته لم يسبق بجهل ، لا يوجد ، ولا يوجد مخلوق لا ينسى ولا يغفل ، إذن هذه خصائص صفات الرب سبحانه وتعالى وأسمائه ، أما خصائص صفات المخلوق فمعلومة " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " علم قليل وضئيل ومسبوق بجهل كان الإنسان جاهلا فرزقه الله العلم فتعلم هذا العلم القليل وعلمه القليل ليس بمحيط بجميع المعلومات ويطرأ عليه النسيان والغفلة والذهول وقد يذهب العلم كله ذهابا وقس على ذلك سائر صفات المخلوق ، إذن بعد إضافة صفات الله إلى الله وصفات المخلوق إلى المخلوق لا مشاركة بين الله وبين خلقه ، متى تقع المشاركة ؟ المشاركة غير المماثلة ، المماثلة غير موجودة قطعا مطلقا ولكن المشاركة والاتفاق في اللفظ والمعنى العام يحصل هذا قبل الإضافة كما مثلنا كأن تقول ( علم ) فتطلق ، ( سمع ) فتطلق دون أن تضيف ، هذه القاعدة يجب أن يفهما طلاب العلم ويهضموها ومن فهم هذا المقدار سهل عليه فهم هذا الباب باب الأسماء والصفات الذي ارتبك فيه كثير من أهل العلم من الخلف ، نقرأ هذه القطعة مرة أخرى قبل أن ننتقل إلى الأمثلة الكثيرة ( ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته ) كما يقال القليل المفهوم خير من الكثير غير المفهوم ، فليكن حرصكم على الفهم والهضم لتهضموا المسائل لا على أن تمروا على جميع المسائل مر الكرام بدون فهم - (ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته يفهم منها ) أي من هذا الاتفاق وهذا الاشتراك (يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق ) المعنى واحد ( وما دل عليه بالإضافة والاختصاص) بالمواطأة والاتفاق دل على المشاركة اللفظية في المعنى العام ، وبالإضافة والاختصاص (المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى ) دل على الاختصاص وأن لا مشاركة بين الخالق وبين المخلوق .

(وكذلك سمى الله نفسه عليما حليما وسمى بعض عباده عليما فقال " وبشروه بغلام عليم ") عليم صيغة تدل على المبالغة : كثير العلم ، كثير العلم ، والكثرة نسبية أيضا ليس العليم كالعليم لأن وإن كانت هذه الصيغة تدل على كثرة العلم ولكن كثرة نسبية بالنسبة لغيره من المخلوقين الذين علمهم دون علمه ، دون علم هذا المخلوق ( يعني إسحاق وسمى الآخر حليما فقال " وبشرناه بغلام حليم ") الله حليم ووصف عبده هذا بأنه حليم ( يعني إسماعيل ) قال الشيخ ( وليس العليم كالعليم ولا الحليم كالحليم ) وليس إسحاق الذي وصف بأنه عليم ليس هو كرب العالمين في علمه وليس إسماعيل الذي وصف بالحلم أنه كرب العالمين سبحانه وتعالى في حلمه ولكن كما قلنا بعد الإضافة لا مشاركة ، له علم له مواصفاته ولله سبحانه وتعالى علم له مواصفاته كما تقدم المثال .

(وسمى نفسه سميعا بصيرا ... إن الله كان سميها بصيرا ") كان ولا يزال " كان " وإن كان الفعل يدل على الماضي ولكن اتفق علماء التفسير بل علماء اللغة أن " كان " في مثل هذا المقام من القرآن ليست دالة على الماضي فقط بل تدل على الدوام أيضا أخذا من السياق وأخذا من المقام لأن المقام مقام وصف الله تعالى بالسمع والبصر والعلم والحكمة مثلا هذه صفات قديمة قدم الذات لذلك يقول المفسرون عندما يفسرون عندما يفسرون هذه الآية " إن الله كان سميعا بصيرا " ولا يزال كذلك ، لا يزال سميعا بصيرا أي ليس فيما مضى فقط.

وسمى بعض عباده سميعا بصيرا فقال " إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ") ( جعل ) هنا بمعنى ( صيّر ) صيرناه سميعا بصيرا بعد أن لم يكن كذلك (وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير ) الأمر واضح .

(وسمى نفسه بالرؤوف الرحيم " إن الله بالناس لرؤوف رحيم " وسمى بعض عباده بالرؤوف الرحيم فقال " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " ) بالمؤمنين فقط " بالمؤمنين رؤوف رحيم " هكذا وصف الله سبحانه وتعالى نبيه ، من أين نأخذ هذا التفقيط ( فقط ) ؟ " بالمؤمنين رؤوف رحيم " تقديم الجار والمجرور " بالمؤمنين " فقط " رؤوف رحيم " ، وعلى غير المؤمنين يغلظ وهكذا أصحابه ، عندهم غلظة وشدة على الكفار ولكن رحماء فيما بينهم ومع المؤمنين وهكذا صفات المؤمنين دائما الذين يتأسون برسول الله عليه الصلاة والسلام عندهم رحمة وشفقة وذلة ولين مع المؤمنين ، وشدة وغلظة على الكافرين ، اللهم إلا في بعض المقامات مقام الدعوة ، مقام التبليغ ، قد يلين الإنسان جانبه ويخاطبه بالتي هي أحسن ، يخاطب الكافر والمنافق بالتي هي أقوم ويقول له قولا لينا رجاء أن يتذكر فيقبل الدعوة ، إذن المقامات تختلف .
(وسمى نفسه بالملك فقال " الملك القدوس " وسمى بعض عباده بالملك " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا") ملك ("وقال الملك ائتوني به ") هكذا إلى آخر الأمثلة والأمثلة واضحة جدا ولا حاجة إلى سردها والتعليق عليها كلها المعنى واحد فليفهم هكذا ، نعم وكذلك .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:31 AM

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (( وكذلك سمى صفاته بأسماء وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال " ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء " " أنزله بعلمه " وقال " إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين " وقال " أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة " وسمى صفة المخلوق علما وقوة فقال " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " وقال " وفوق كل ذي علم عليم " وقال " فرحوا بما عندهم من العلم " وقال " الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة " وقال " ويزدكم قوة إلى قوتكم " وقال " والسماء بنيناها بأيد " أي بقوة وقال " واذكر عبدنا داود ذا الأيد " أي ذا القوة ، وليس العلم كالعلم ولا القوة كالقوة ))

هذه الأمثلة كالتي قبلها ، الفرق أن تلك في الأسماء وهذه في الصفات والنتيجة واحدة ( وكذلك سمى صفاته بأسماء وسمى صفات عباده بنظير ذلك ) من الأسماء ( فقال سبحانه" ولا يحيطون بشيء من علمه) علم (" ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء " ) محل الشاهد " من علمه " وقال (" أنزله بعلمه ") كذلك (" إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ") الرزاق ذو القوة المتين ( " أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ") إثبات العلم وإثبات القوة (وسمى صفة المخلوق علما وقوة) الإنسان عنده علم وعنده قوة ("وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ") " من العلم " أوتينا العلم ، لدينا علم وإن كان قليلا ( " وفوق كل ذي علم عليم "" فرحوا بما عندهم من العلم "" الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ") " العليم القدير " هذا محل الشاهد (" ويزدكم قوة إلى قوتكم ") الشاهد واضح (" والسماء بنيناها بأيد " أي بقوة ) ربما يظن بعض الناس أن ( أيدٍ ) جمع يد وأيد هنا مصدر آد الرجل يئيد أي قوي . أيدا أي قوة ، مصدر مفرد وليس جمع يد ، نظير ذلك في الآية التي بعدها (" واذكر عبدنا داود ذا الأيد " أي ذا القوة) لا يقولن قائل ليشوش عليكم فيقول أنتم أحيانا تأولون وتضطرون إلى التأويل ، ينبغي أن تنتبه ، التأويل المذموم هو التحريف أما تفسير لفظة عربية بقاعدة عربية ، بصيغة تفرق بين المصدر واسم الفاعل واسم المفعول وتعرف بالرجوع إلى اللغة معاني المفردات أن ( أيد ) كما هذه اللفظة كما ستأتي جمع يد تأتي مصدرا لآد مفردا ، تفسير لغوي وليس بتحريف ، ثم إن التأويل ليس كل تأويل مذموما ، التأويل الذي بمعنى التفسير والبيان ليس بمذموم بل هذا شيء لا بد منه وعندما نفسر المفردات ونفسر الآيات هذا يسمى تأويلا في لغة المفسرين لذلك كثيرا ما يقول ابن جرير : وتأويل قوله تعالى كذا وكذا فيفسر الآية ، التأويل في لغة المفسرين بمعنى التفسير والبيان والإيضاح ، والتأويل في لغة الخلف بمعنى التحريف هذا هو المذموم .

ثم قال الشيخ (وليس العلم كالعلم ولا القوة كالقوة) واضح .

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ((ووصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة فقال " لمن شاء منكم أن ستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين " وقال " إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما ، وكذلك وصف نفسه بالإرادة وعبده بالإرادة فقال " تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ، ووصف نفسه بالمحبة ووصف عبده بالمحبة فقال " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " وقال " قل إن كمنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " ، ووصف نفسه بالرضا ووصف عبده بالرضا فقال " رضي الله عنهم ورضوا عنه " ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد ولا إرادته مثل إرادته ولا محبته مثل محبته ولا رضاه مثل رضاه )) .

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (وكذلك وصف نفسه بالمشيئة) الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالمشيئة (ووصف عبده بالمشيئة) العبد له مشيئة وله اختيار وله علم وله قدرة يفعل العبد ما يفعل باختياره ومشيئته وإرادته وليس بمجبور ، العبد له اختيار وله مشيئة وله إرادة وليس بمجبور على ما يفعل من خير أو شر ، قال الشيخ رحمه الله تعالى (وكذلك وصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة فقال " لمن شاء منكم أن يستقيم) العبد هو الذي يشاء أن يستقيم ، يشاء ويختار الاستقامة ولكن يستعين بالله على ذلك لأن مشيئته تابعة لمشيئة الله تعالى لذلك قال ("وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ") مشيئته وإن كانت مشيئة صفة ثابتة له ولكنها تابعة لمشيئة الله تعالى هذا موقف ينبغي أن يفهم جيدا ، ثم قال ("إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) إذن تتخذ إلى ربك سبيلا بمشيئتك ولا تجبر على ذلك كما لا تجبر على ترك اتخاذ ذلك السبيل ، الله أعطاك الإرادة والاختيار والمشيئة ولكن هذه تسمى استطاعة بالآلة استطاعة الآلة هذه لا بد أن تتبعها استطاعة التوفيق ، والعبد مع ما لديه من الاختيار والمشيئة والإرادة والقدرة لا يستغني عن ربه ، يسأله التوفيق ويراقبه في طلب الاستقامة ، في طلب الهداية لأنه لا يستقل بذلك لا بد أن يلجأ إلى الله بأن يعينه على نفسه وعلى هواه وعلى شيطانه ليستقيم ، ليهتدي إلى الله سبحانه وتعالى .

(وكذلك وصف نفسه بالإرادة) الإرادة والمشيئة قد يتفقان وقد يختلفان لأن لفظة الإرادة تعتبر لفظ مجمل ، تأتي بمعنى المشيئة ، المشيئة العامة التي لا تستلزم الأمر ولا تستلزم المحبة والرضا ويقال لها الإرادة الكونية ، الإرادة الكونية القدرية بمعنى المشيئة " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام " ( من يرد ) أي من يشاء " ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء " هذه إرادة كونية بمعنى المشيئة ، ولا تستلزم المحبة والرضا والأمر ، " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم " ( يريد أن يغويكم ) الإرادة هنا بمعنى المشيئة لا تفسر بالمحبة في هذين المثالين إرادة كونية قدرية أزلية ، الله سبحانه وتعالى يريد أي يشاء وجود كل شيء ، يريد الكفر ويريد الإيمان ويريد الطاعة ويريد المعصية أي يشاء ذلك وهذه المشيئة العامة مرتبة من مراتب القدر أي إن الله قد علم ( فيما لم يزل ) [1] وكتب عنده كل ما يقع في هذا الكون من كفر وإيمان وطاعة ومعصية وأرزاق وشقاوة وسعادة ، معلوم عند الله ومكتوب وشاء ذلك لحكمة يعلمها ، وهذه الإرادة لا تستلزم الأمر ، يقول الله سبحانه وتعالى " ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها " لكن ما شاء الله أن يؤتي ويعطي كل نفس هداها ولكن أمر كل نفس بهداها لتفرقوا بين الأمر وبين المشيئة أمر كل نفس بهداها ما من نفس إلا وقد أمرت بهداها ولكن لم يؤت كل نفس هداها ، أي : أرسل الرسل وأنزل الكتب ودعا الناس جميعا إلى الهدى ، وهل كل من دعاه إلى الهدى اهتدى

[1] ) لعل الشيخ رحمه الله أراد ( في الأزل ) .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:32 AM

؟ لا ، فأمر الناس جميعا بإقام الصلاة ، وهل كل الناس صلوا ؟ منهم من صلى ومنهم من ترك " ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها " هذا يسمى سرا من أسرار القدر ، نحن مسؤولون عن أفعالنا إن تركنا المأمور به مسؤولون لم تركنا ، من ارتكب منهيا عنه مسؤول لم ارتكب ، لكن هل هو مسؤول عن فعل الرب ؟ لا ، لماذا لم يعط كل نفس هداها ؟ لا تسأل ، لا تملك هذا السؤال " لا يسأل عما يفعل " له حكمة في أن يكون هناك كفر وإيمان وجعل ذلك سببا للجهاد في سبيل الله لينال أولياء الله تعالى مرتبة الشهداء ، لو لم يكن هناك كفر فيم الجهاد ؟ إذن لا بد من إيجاد كفر وإيمان ، وخلق إبليس أشر خلق الله ، لو لم يخلق الله إبليس بم تجاهد ؟ تجاهد إبليس حتى تتغلب عليه وتطيع ربك ، وخلق فيك النفس الأمارة بالسوء لتجاهدها وأنت تكسب الأجر في الجهاد مع الكفار وفي الجهاد مع نفسك الأمارة بالسوء وفي الجهاد مع الشيطان ، أنت الرابح لكن بشرط أن تكون مع الله وتطلب منه التوفيق " وما توفيقي إلا بالله " " ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها " ما شاء الله ذلك ، لم يشأ لماذا ؟ لحكمة يعلمها ولا نعلمها ، لذلك في باب القضاء والقدر يجب أن نقف في الطرف لا نخوض في الأسرار ، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( القدر سر الله فلا نكشفه ) أي لا نحاول الكشف ومن حاول كشف أسرار القدر هلك ، لأنه لن يستطيع أن يعلم سر القدر ، لماذا خلق ؟ لماذا أغنى ؟ ولماذا أفقر ؟ كان الإمام الشافعي كما يروي بعض أصحابه في مناجاته في جوف الليل يكرر هذه الأبيات :

ما شئتَ كان وإن لم أشـأ وما شئتُ إن تشـأ لـم يكـنْ

خلقتَ العبادَ على ما علمتَ ففي العلمِ يجري الفتى والمسنْ

على ذا مننتَ وهذا خذلتَ وهذا أعنـْتَ وذا لـم تُعِـنْ

وهذا شقـيٌّ وهذا سعيـدٌ وهذا قبيـحٌ وهـذا حـسـنْ

أفعال الرب كثيرة ومتفاوتة ليس لك أن تسأل لم فعل ، إذن ما هو المقدار الواجب للقضاء والقدر ؟ ركن من أركان الإيمان ، على العامة والخاصة ، عليك أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " هذا المقدار يجب أن يعلم كل مسلم ومسلمة ولا يجوز الخوض أكثر من هذا إلا لطالب علم يطلع على أفراد هذا الباب ويدرس ليرد الشبه لا ليدرك الأسرار ولا ليناقش الله في أسرار قضائه وقدره هذا المقدار يكفي في باب الإيمان بالقضاء والقدر .

وأما الإرادة الدينية الشرعية فهي بمعنى المحبة والرضا وهي ملازمة للأمر ، الله سبحانه وتعالى أمر ، مثلا أمر أبا بكر بالإيمان فإيمان أبي بكر مراد لله تعالى ومحبوب عنده ومأمور به ، ثم شاء الله له أزلا وكونا أنه يؤمن فيبادر بالإيمان ، اجتمعت في حقه الإرادة الكونية الأزلية والإرادة الدينية الشرعية ، هذا مثال ، أبو بكر يمثل جميع المؤمنين ، وشاء الله كونا وقدرا بأن أبا جهل لا يؤمن ولكن أمره بالإيمان أرسل إليه رسولا فأمره بالإيمان فالذي تحقق فيه الإرادة الكونية ، لذلك لم يؤمن ، فكفر أبي جهل مراد لله تعالى كونا وقدرا لا شرعا ودينا ، بقيت قسمة ثالثة ، إيمان أبي جهل مراد لله تعالى شرعا ومأمور به لو وقع لكنه لم يقع ، إذن تنفرد الإرادة الشرعية أحيانا والكونية أحيانا وقد يجتمعان ، تجتمع الإرادة الشرعية والإرادة الكونية في إيمان المؤمن وطاعة المطيع وتنفرد الكونية في كفر الكافر ومعصية العاصي وتنفرد الشرعية الدينية في إيمان الكافر وطاعة العاصي ، سجل عندك هكذا ، القسمة ثلاثية .

(ووصف الله سبحانه وتعالى نفسه بالمحبة) أنه يحب (ووصف عبده بالمحبة) بأن العبد يحب (فقال " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ") محبة الله تعالى روح الإيمان ومع ذلك كثير من الخلف أنكروا هذه المحبة التي هي روح الإيمان قالوا أبدلا لا يوصف الله تعالى بأنه يحب بل لا يوصف بأنه يُحَب ، قالوا لا مناسبة بين الخالق والمخلوق حتى يقال بأنه يحب عبده ، وعبده يحبه ، خَوْض فيما لا يعلمون وقول على الله بغير علم ورد لكلام الله من حيث لا يشعرون ، فنحن نقول لعل القوم يعذرون بالجهل وإلا من اطلع على مثل هذه الآية وهو عربي يفهم معنى هذه الآية " بقوم يحبهم ويحبونه " ثم قال لا مناسبة بين الخالق والمخلوق حتى يوصف بأنه يحب أو يُحَب هذا رد على الله ، الأمر خطير ، لذلك القاعدة تنطبق عليه ( من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة فهو كافر ) لذلك فلينتبه لنفسه أتباع الأشاعرة المعاصرة الذين لا يرجعون إلى الكتاب والسنة عند دراسة العقيدة ، يأخذون من بطون كتب الأشاعرة ولا يدرون عن مثل هذه الآيات لا يعلمون عنها شيئا لأن العقيدة عندهم لا تؤخذ من الأدلة النقلية ولكنها تؤخذ من الأدلة العقلية ، فصلوا الناس وأبعدوهم عن الكتاب والسنة في باب العقيدة أكثر من كل باب ، قالوا هذا باب خطير ينبغي أن يكون الاعتماد على الدليل العقلي القطعي ، الدليل القطعي عندهم الدليل العقلي لذلك ضلوا ، ولما انصرفوا وتركوا كتاب الله والتمسوا الهدى عند العقل اختلفت العقول ، عقل الجهمي وعقل المعتزلي وعقل الأشعري ، عقل الجهمي ينفي الأسماء والصفات جميعا بدعوى أن في ذلك التنزيه الكامل ، وعقل المعتزلي ينفي جميع الصفات مع إثبات الأسماء المجردة كالأعلام الجامدة التي لا تدل على المعاني وعقل الأشعري يتصرف في النصوص في الصفات ما وافق العقل وهي الصفات السبع زد على ذلك الصفات السلبية وصفة النفس يثبتونها ، وأما الصفات الخبرية المحضة سواء كانت ذاتية أو فعلية فيوجبون تأويلها وهذا الداء وهذا البلاء من أين أتاهم ؟ من إعراضهم عن كتاب الله وعن ما كان عليه سلف هذه الأمة الذين ليس لهم كتاب توحيد إلا القرآن ، السلف الأول ليست لديهم هذه الكتب ، كتب التوحيد كتب العقيدة ما يعرفونها ، هذه الكتب التي بأيدينا ألفت دفاعا عن العقيدة لا تعليما للعقيدة مصدر العقيدة الكتاب والسنة ولكن الكتب هذه ألفت بعد أن نشأ علم الكلام ودخل في الإسلام ألفت هذه الكتب دفاعا عن العقيدة لا لكونها مصادر للعقيد ة ، مصدر العقيدة الكتاب والسنة فقط ، لذلك سلفنا الأول كانوا في راحة تامة ، إذ ليس لديهم هؤلاء الخصوم لا الجهمية ولا المعتزلة ولا الأشاعرة ، الجو صاف خال من هذه التعقيدات لذلك لم يحتاجوا إلى تأليف كتب في التوحيد والعقيدة ، أما السلف الأخير السلف الذين حضروا زمن الفتن والأهواء بدءا من العصر العباسي إلى يومنا هذا إنما ألفوا هذه الكتب دفاعا عن العقيدة جزاهم الله عنا وعن جميع المسلمين خير الجزاء .

إذن فالله سبحانه وتعالى يحب عباده وعباده يحبونه لكن ليست محبته كمحبتهم ، المحبة عندنا انفعال نفسي ، وعند الله لا تفسر بهذا التفسير ، محبة تليق به لأننا لم نتكلم في ذاته عندما آمنا به ، آمنا به إيمان تسليم يجب أن نؤمن بصفاته إيمان تسليم دون تكييف أو تمثيل أو تحريف أو تعطيل .

وقال الشيخ رحمه الله (ووصف نفسه بالرضا ووصف عبده بالرضا فقال " رضي الله عنهم ورضوا عنه ") الرضا والمحبة والرحمة عند الأشاعرة تأوَّل بالإرادة كلها ترد إلى صفة واحدة ، المحبة عندهم إرادة الإحسان ، كذلك الرحمة إرادة الإحسان ، والغضب إرادة الانتقام والرضا إرادة الإحسان ، حولوا أكثر الصفات إلى صفة واحدة وهي صفة الإرادة ، لو قيل لهم ما السبب ؟ قالوا هذه الصفات كلها انفعالات لا تليق بالله تعالى ، يا سبحان الله ، يصف الله نفسه بما لا يليق به " أأنتم أعلم أم الله " من قال لكم أنها لا تليق بالله ، هل الله أخبر بأنها لا تليق به فيجب عليكم تأويلها ؟ .. ثم لو ناقشناهم عقليا قلنا الإرادة ما هي الإرادة ؟ الإرادة ميل القلب ، وهل تقولون في إرادة الله تعالى ميل القلب ؟ يقولون لا إرادة تليق بالله يبادر بالجواب إرادة تليق بالله ، إذن قل محبة تليق بالله ، رحمة تليق بالله غضب يليق بالله إلى آخره ، الباب واحد ينبغي طرد الباب مرة واحدة لا ينبغي التفريق بين ما جمع الله ، جمع الله لنفسه بين هذه الصفات ولا يجوز للعباد أن يتصرفوا بالتقديم والتأخير والتأويل كما فعلت الأشاعرة ، انتبهوا ، نحن في كل مناسبة لا بد أن نذكر الأشاعرة ولا بد لماذا ؟ لأنهم بيننا هم بيننا ، لا أقصد في هذا المجلس ، بيننا في دنيانا حوالينا جيراننا ، وكثير من الجامعات الإسلامية في البلاد العربية والإسلامية تدرس العقدة على المهج الأشعري لا على هذا المنهج ويسمون أنفسهم أهل السنة والجماعة أو على الأقل من أهل السنة والجماعة ، ونحن نقول ليسوا من أهل السنة والجماعة ولكنهم من أقرب طوائف علماء الكلام أو طوائف علم الكلام إلى أهل السنة والجماعة هذا الكلام نقوله ونكرره ليفهم الشباب ولئلا ينخدعوا ببعض المدرسين الذين يحملون هذه العقيدة وقد يدسون أحيانا في بعض المناسبات .

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (( وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار ووصفهم بالمقت فقال " إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون " وليس المقت مثل المقت ، وهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد كما وصف عبده بذلك فقال " ويمكرون ويمكر الله " وقال " إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا " وليس المكر كالمكر ولا الكيد كالكيد ، ووصف نفسه بالعمل فقال " أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون " ووصف عبده بالعمل فقال " جزاء بما كنتم تعملون " وليس العمل كالعمل ))

قال الشيخ رحمه الله تعالى ( وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار) المقت ، الغضب ، و الكراهة معان متقاربة (ووصفهم بالمقت فقال " إن الذين كفروا ينادون) فيقال لهم ( لمقت الله ) إياكم (أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ") حين تدعون إلى الإيمان فتكفرون الله يمقتكم وهم يوم القيامة عندما رأوا الجزاء مقتوا أنفسهم ، مقت الله إياهم أكبر من مقتهم أنفسهم ، الشاهد أثبت وصف نفسه بالمقت وأنه يمقت الكفار ووصفهم بأنهم يمقتون (وليس المقت كالمقت ) كما أنه ليس الغضب كالغضب ولا الرضا كالرضا .

(وكذلك وصف نفسه بالمكر والكيد كما وصف عبده بذلك فقال " ويمكرون ويمكر الله ""إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا") المكر والكيد والاستهزاء والخداع هذه أفعال تُثبت كما جاءت ولا تؤخذ مها أسماء بل تُمر كما جاءت وهي في الغالب تأتي في باب المقابلة والجزاء " ويمكرون ويمكر الله " جزاء لمكرهم ، المكر : إيصال الشر إلى الغير بطريقة خفية ، الله سبحانه وتعالى عندما يمكر الكفار لأوليائه ولدينه ويحاولوا إيصال الشر إلى أوليائه وإلى دينه وإيقاف دعوته بطرق ملتوية وخفية ، الله يمكر بهم يوصل إليهم الشر سواء كان في الدنيا أو في الآخرة بطريقة خفية قد ينعم عليهم ولا يعاجلهم بالعقوبة وذلك نوع من المكر ونوع من الكيد يستدرجهم بالنعم وهم يمكرون ويؤذون أولياءه ويحاولون إيقاف دعوته ومع ذلك ينعم عليهم فيعطيهم استدراجا هذا نوع من المكر ، وقد يحصل المكر في الدنيا ، بأن يسلط عليهم أولياءه من حيث لا يشعرون وينصرهم عليهم ويجعل فيهم الرعب وينصر ..


الشريط الخامس :
[1](وعقاب الكفار يدل على بغضهم) الله سبحانه وتعالى يعاقب الكفار مرتين ، أحيانا في هذه الدنيا يسلط الله أولياءه على الكفار فيقتّلونهم فيعذبهم بأيدي أوليائه ، هذا نوع من العذاب لأنه يكرههم أو يؤجل العقوبة لهم في الدار الآخرة فيدخلون السجن المؤبد

[1] ) هكذا بداية الشريط ، فمن قول شيخ الإسلام رحمه الله ( وليس المكر كالمكر ) إلى قوله ( فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك ) علما بأن الشيخ محمد أمان رحمه الله سوف يشرح بعد من قوله ( فإن قال تلك الصفات أثبتها بالعقل ) بعد ما يقارب الصفحتين . وسيعيد شرح ما شرحه هنا .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:33 AM

الذي لا يخرجون منه أبد الآبدين ، لماذا ؟ لأن الله يكرههم ، دل ذلك على إثبات صفة الكراهة بالدليل العقلي ، إن الله يكرههم فيبغضهم ، (كما قد ثبت بالشاهد والخبر) عن إكرام أوليائه وعقاب أعدائه ، ثبت ذلك بالشهد لأنه أمر مشاهد ، شوهد في هذه الدنيا إكرام الله لأوليائه ، شوهد في هذه الدنيا عقاب الله لأعدائه كذلك ثبت بالخبر المقطوع به أن الله يكرم أوليائه في دار الكرامة ويعاقب أعداءه من الكفار هذا معنى قوله (كما قد ثبت بالشاهد) أي في هذه الدنيا ( والخبر ) أي في الآخرة (من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه ، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته) ( الغايات المحمودة في مفعولاته ) بأن يوفق الله أولياءه إلى طاعته إلى الاستقامة حتى يموتوا على حسن الخاتمة ( وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة ) العاقبة الحميدة تبدأ بالاستقامة والموت على الإسلام ثم ما أعد الله في دار الكرامة لأوليائه ، تلك هي العواقب الحميدة وهي ما يوجد الشيء لأجله .

كل ذلك (تدل على حكمته البالغة) الله سبحانه وتعالى ( عليم ) ( حكيم ) كونه يدبر لأوليائه هذا التدبير أحيانا بالإكرام لهم في هذه الدار وأن تكون لهم العواقب المحمودة في مأموراته وفي عبادته ويختم لهم بحسن الخاتمة ، ثم ينتهي ذلك إلى دار الكرامة بدخول الجنة والنظر إلى وجه الله سبحانه دل ذلك على حكمته البالغة ، يفعل كل ذلك لحكمة وهو الفعال لما يريد .

انتبهوا لهذه النقطة .

يقول الشيخ رحمه الله تعالى (كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه) بالشاهد يعني ما حصل وما سيحصل في هذه الدنيا ( والخبر ) ما سيحصل في الآخرة .

ثم قال هذا كلام مبتدأ - ( والغايات المحمودة من مفعولاته ومأموراته) المشاهدة في هذه الدنيا الثابتة في الخبر في الآخرة ( وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة ) العواقب الحميدة من أعظمها الاستقامة والموت على حسن الخاتمة ثم التمتع في دار الكرامة بنعم لا تعد ولا تحصى من أعظمها بل أعظمها على الإطلاق التمتع بالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى في دار الكرامة ، كل ذلك ( يدل على حكمته) إثبات للحكمة (البالغة ) بالدليل العقلي ، لأن الأشاعرة ينفون الحكمة ويقولون : أفعال الله تعالى لا تعلل فقوله تعالى " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " يقولون هذه اللام ليست لام العلة ولكنها لام الصيرورة وهو خلقهم بغير علة وبغير حكمة لكن آل الأمر فيما بعد إلى عبادة الله تعالى ، هكذا القول على الله بغير علم ، الذي يدل عليه الأسلوب العربي أن الله خلق الجن والإنس لهذه الغاية لعبادته وإفراده بالعبادة وليخضعوا له وليكونوا عبيدا خالصين له سبحانه ، وهذا الذي تنتهي إليه العواقب الحميدة تدل على حكمة الله البالغة (كما يدل التخصيص على المشيئة وأولى ) وأنتم أثبتم المشيئة بالتخصيص وهذا يدل بطريق الأولى ، لماذا ؟

( لقوة العلة الغائية) انتبهوا لهذه العبارة ، لأن العلة الغائية أقوى ، ما هي العلة الغائية ؟

[ ما يوجد الشيء لأجله ] .

لماذا أوجد الله الجن والإنس ؟

للعبادة ، هذه هي العلة الغائية وهي أقوى .

لماذا خلق الله الجنة والنار ؟

خلق الله الجنة كرامة لأوليائه وخلق النار سجنا وعذابا لأعدائه .

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ((فإن قال : تلك الصفات أثبتها بالعقل لأن الفعل الحادث دل على القدرة ، والتخصيص دل على الإرادة ، والإحكام دل على العلم ، وهذه الصفات مستلزمة للحياة ، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك. قال له سائر أهل الإثبات لك جوابان :

أحدهما أن يقال : عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين فهب أن ما سلكت من الدليل العقلي لا يثبت ذلك فإنه لا ينفيه ، وليس لك أن تنفيه بغير دليل ، لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت ، والسمع قد دل عليه ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي ، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم .

الثاني أن يقال : يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات ، فيقال : نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة كدلالة التخصيص على المشيئة ، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم وعقاب الكافرين يدل على بغضهم كما قد ثبت بالشهادة والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه ، والغايات المحمودة من مفعولاته ومأموراته وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأولى : لقوة العلة الغائية ، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة .

وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء كالمعتزلي الذي يقول إنه تعالى حي عليم قدير وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة قيل له : لا فرق بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات فإنك لو قلت : إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيها أو تجسيما لأنا لا نجد في الشاهد متصفا بالصفات إلا ما هو جسم فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم فانف الأسماء بل وكل شيء لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم ، فكل ما يحتج به من نفي الصفات يحتج به نافي الأسماء الحسنى فما كان جوابا لذلك كان جوابا لمثبتي الصفات .))

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

أما بعد :

فنواصل درسنا بتوفيق الله تعالى في الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية وموضوع الدرس الموضوع العام هو ( الإيمان ) الإيمان بالله لأن الإيمان بالله تعالى لا يثبت إلا بالإيمان بأسمائه وصفاته وأفعاله والإيمان بكل ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك نعتبر موضوع درسنا دائما في العقيدة الموضوع العام هو ( الإيمان ) الإيمان كما نعلم جميعا بحمد الله يتكون من :

- إيمان القلب .

- وإيمان الجوارح .

- وإيمان اللسان .

والعقيدة تمثل جانبا عظيما وأساسيا من الإيمان وهو إيمان القلب لذلك لو سئلت عن الفرق بين الإيمان وبين العقيدة : إن العقيدة جزء هام من الإيمان لأن الإيمان هو [ النطق باللسان والعمل بالجوارح ، وأساس الإيمان وأساس ذلك كله الاعتقاد بالقلب اعتقادا جازما لا يخالطه شك بصحة ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيمان بالله وأسمائه وصفاته ] هذا الجانب من الإيمان يسمى العقيدة لأنك عقدت قلبك على هذه المعاني وجزمت جزما لا يخالطه شك .

ثم أما الموضوع الخاص : مناقشة بعض أهل الكلام ، لأن أهل الكلام لم يؤمنوا الإيمان الصحيح الكامل في باب الأسماء والصفات :

- منهم من آمن ببعض الصفات وأول البعض الآخر تأويلا يؤدي إلى النفي عند الإلزام وعند التحقيق معهم وهم الأشاعرة .

- وطائفة أخرى أسوأ منهم حالا أثبتت أسماء جامدة لا تدل على المعاني ونفت الصفات .

- ثم الفريق الثالث الجهمية أسوأ حالا من الجميع الذين نفوا الأسماء والصفات جميعا ولم يثبتوا لله تعالى إلا الوجود المطلق الذهني .

فدرسنا هذه الليلة في مناقشة الأشاعرة .

(فإن قال) أي المفرق بين الصفات الذي يثبت بعض الصفات وينفي البعض الآخر إن قال (تلك الصفات أثبتها بالعقل) الصفات السبع المعروفة عند الأشاعرة أثبتها بالعقل ولذلك تسمى الصفات العقلية وصفات المعاني في اصطلاحهم .

كيفية الاستدلال بالدليل العقلي : (لأن الفعل الحادث دل على القدرة ) لذلك أثبتّ صفة القدرة ، الفعل الحادث الذي يحدث في كل وقت وفي كل لحظة وفي كل ثانية وتجدد هذا الكون ووجوده بعد عدم دل على القدرة ، إذن يجب إثبات القدرة لله تعالى ، وأنت تلاحظ أن الأشعري يثبت ما يثبت بالدليل العقلي ولا يلتفت إلى الدليل النقلي ولو كان موجودا ، وهو موجود بالفعل لكنه لا يسأل عنه ، لماذا ؟

لأن الدليل العقلي هو العمدة عندهم وهو الدليل القطعي ، ويسمون الدليل النقلي السمعي الخبري كما علمنا يسمونه ظنيا لأنه لفظي والدليل اللفظي عندهم ظني ولا يدل على اليقين ، الدليل الذي يدل على اليقين عندهم هو الدليل العقلي لذلك يثبتون ما يثبتون بالدليل العقلي ولا يلتفتون إلى الدليل النقلي ، وإن ذكروا أحيانا كذكرهم قوله تعالى عند السمع والبصر " وهو السميع البصير " يقولون ( يذكر الدليل النقلي استئناسا واعتضادا لا اعتمادا والاعتماد على الدليل العقلي ) " لأن الفعل الحادث دل على القدرة " لذلك نثبت القدرة ( والتخصيص دل على الإرادة ) التخصيص له معان كثيرة :

- تخصيص العباد وتفضيلهم بعضهم على بعض : أنبياء ، والأنبياء أنفسهم مفضل بعضهم على بعض .

- وتخصيص بعض العباد بالسعادة والبعض الآخر بالشقاوة ، وتخصيص بعض الناس بسعة الرزق والآخرون بضيق الرزق .

وغير ذلك من معاني التخصيص .

هذا التخصيص يدل على أنه يفعل ما يفعل بإرادته ، كلام مسلَّم .

(والإحكام) الإحكام : وهو الإتقان إتقان ما أوجده وخلقه (دل على العلم) بهذا أثبتنا صفة العلم ، مسلَّم .

(وهذه الصفات مستلزمة للحياة) كيفية الاستدلال بالدليل العقلي على صفة الحياة بعد أن تثبت هذه الصفات تقول : إن القدرة والإرادة والعلم هذه الصفات تستلزم الحياة ، من يتصف بالقدرة والإرادة والعلم يجب أن يكون حيا .

(والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك ) كيفية الاستدلال بالدليل العقلي على إثبات السمع والبصر والكلام كأن تقول الحي لا يخلو من أحد حالين :

- إما أن يكون سميعا بصيرا متكلما .

- أو متصفا بضد ذلك .

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:36 AM

والاتصاف بضد السمع والبصر والكلام نقص ، فالله سبحانه وتعالى لا يوصف بالنقص وإنما يوصف بالكمال ، السمع والبصر والكلام من صفات الكمال ، إذن يلزم عقلا إثبات صفة السمع والبصر والكلام للحي .

هكذا أثبتوا الصفات العقلية وهي صفات المعاني عند القوم .

كم هذه الصفات الآن ؟

القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام ، وفي الكلام كلام ، إثباتهم للكلام إثبات شكلي ليس هو إثبات ، لأن الكلام الذي أثبتوه غير كلام الله غير كلام الله المثبت بالكتاب والسنة ، وهو الكلام النفسي لكن القوم لكن المُثبِتَة يتساهلون تساهلا مع الأشاعرة لإثباتهم هذه الصفات فيقولون إنهم مثبتة لهذه الصفات بما في ذلك صفة الكلام ، وعند التحقيق لم يثبتوا صفة الكلام الثابتة بالكتاب والسنة ولكنهم أثبتوا صفة الكلام على اصطلاحهم وهو الكلام النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت وهو معنى واحد لا يتعدد ، لا يتجزأ لا يكون له أول وآخر ولا تكون له حروف وأصوات ، وهذا ليس بكلام ، وهذا يسمى حديث النفس وحديث النفس ليس بكلام باتفاق العقلاء وأهل اللغة .

( قال له سائر أهل الإثبات) كلمة ( سائر ) ما معناها هنا (قال له سائر أهل الإثبات ) ؟ هل معناه جميع أهل الإثبات أو بقية أهل الإثبات ؟ .

يحتمل ، إن قلنا بقية أهل الإثبات لأن الأشاعرة داخلون في المثبتة ، مثبتة بنوع معين ولذلك يقال (قال له سائر أهل الإثبات) بقية أهل الإثبات الذين لم يكونوا من الأشاعرة .

أو (قال له سائر أهل الإثبات) جميع أهل الإثبات باعتبار أنهم ليسوا بمثبتة لأن إثباتهم إثبات ناقص .

ولكن في الغالب الكثير أتباع السلف يطلقون على الأشاعرة بأنهم مثبتة ، وإذا جاءوا يبحثون في الجهمية أطلقوا عليهم أنهم جهمية ، أي أنهم مثبتة باعتبار وجهمية باعتبار ، باعتبار إثباتهم الصفات السبع بل أكثر من السبع وإن كان اشتهرت هذه السبع وإلا هم يثبتون أكثر ، يثبتون : البقاء والقدم ومخالفته للحوادث وقيامه بنفسه والوحدانية ، هذه يسمونها الصفات السلبية ، خمسة ، يثبتونها ، ويثبتون صفة يسمونها الصفة النفسية وهي صفة الوجود ، لذلك إذا عددوا هذه الصفات بأضدادها مع الجائز تصبح العقيدة عندهم خمسين عقيدة وهي التي يجب على كل مسلم أن يعرفها بأدلتها وليس هذا مقام تفصيلها .

(قال له سائر أهل الإثباتلك جوابان ) أحد الجوابين (أن يقال ) أن يقول المثبتة للأشاعرة ( عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين ) هذه القاعدة يجب أن تحفظوها حفظا وهي تنفعكم في كل مقام عند المناظرة مع الخصوم (عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين ) توضيح ذلك (هب أن ما سلكت من الدليل العقلي لا يثبت ذلك) أي لا يثبت ما نفيته من الصفات الخبرية ( ذلك ) اسم الإشارة راجع إلى ما ينفيه الأشعري ( لا يثبت ذلك الذي نفيته من الصفات الخبرية كالرحمة والمحبة والغضب والرضا ) ولكنه ( لا ينفيه) الدليل العقلي الذي أثبت به الصفات التي أثبتها لا ينفي الصفات التي نفيتها وإن كان لو فرضنا أنه لا يثبتها (وليس لك أن تنفيه) بغير دليل ، بأي دليل تنفي ؟ ما أثبته أثبتّه بالدليل العقلي وليس لديك دليل عقلي ينفي ما نفيت وكل ما في الأمر لك أن تدعي بأن الدليل العقلي لا يثبتها لكن هل ينفيها ؟

لا .

إذن بأي دليل نفيت ؟

لا (دليل) .

(لأن النافي عليه الدليل ) أنت النافي الآن ناف للرحمة والمحبة مثلا بأي دليل نفيت ؟ وكل الذي قلت : إن الدليل العقلي لا يدل على هذه الصفة ، فرضنا بأن الدليل العقلي لا يدل - ولكنه سوف يدل - على رأيك أنه لا يدل ، هل ينفي ؟

لا .

إذن نفيك لهذه الصفات نفي بغير دليل (لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت) نحن نثبت بدليل وأنت تنفي بلا دليل ، أيهما أقوى ؟

جانبنا أقوى ، لأننا نثبت ما نثبت بدليل وننفي ما ننفي بدليل وأنت تثبت ما تثبت بدليل وتنفي ما تنفي بلا دليل ، تناقض .

(والسمع قد دل عليه) السمع : الدليل النقلي والدليل الخبري الذي تقدم الحديث عنه عدة مرات دل على هذه الصفات التي نفيتها ، على الرحمة والمحبة والرضا وغير ذلك .

( ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي) الدليل السمعي الذي دل على إثبات هذه الصفات لم يعارضه معارض عقلي ولا سمعي ، أما السمعي فواضح ، وأما العقلي لأن المتفق عليه عند جميع العقلاء أن الدليل العقلي الصريح السليم لا يعارض الدليل النقلي الصحيح ، الدليل النقلي الذي أثبتنا به صفة الرحمة وصفة المحبة " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " دليل نقلي صحيح ، وهل يوجد دليل عقلي صريح سليم يعارض ؟

لا .

إذن أثبتنا ما أثبتنا بدليل سالم عن المعارض ، لا معارض سمعي ولا معارض عقلي .

( فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم) هذه هي النتيجة ، نتيجة المناقشة والمناظرة مع الأشاعرة هي هذه . يقول المثبت (فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم) الدليل السالم هنا الدليل السمعي ، السالم ( عن المعارض المقاوم) المعارض المقاوم الذي لا وجود له ، لم يوجد هنا : سمعي وعقلي ، لا يوجد معارض مقاوم عقلي ولا معارض مقاوم سمعي ، وما كان كذلك فيجب إثباته ، إذن يجب إثبات الصفات الخبرية الثابتة بالدليل السمعي ، وإن شئت بالدليل النقلي أو الدليل الخبري ، لا تنس دائما هذه الألقاب لملقب واحد . هكذا ينتهي الجواب الأول فأرجو أن يكون مفهوما لأنه مهم جدا .

الدليل الثاني أو الجواب (الثاني أن يقال : يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات ) يقال له : يمكن عقلا إثبات هذه الصفات الخبرية بنظير ما أثبت به تلك الصفات العقلية (من العقليات) أي بالأدلة العقلية ، يمكن إثبات الصفات الخبرية بالأدلة العقلية أيضا زيادة على ثبوتها بالأدلة النقلية فيقال : - نريد الآن نسوق دليلا عقليا لإثبات صفة الرحمة ، انتبه - (فيقال : نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة) الله سبحانه وتنلاحظ ينفع عباده بالإحسان إليهم بالأمور المادية والأمور المعنوية :

- التوفيق إلى الإيمان من الإحسان .

- والعطاء الجزيل من الإحسان .

- وغفران الذنوب من الإحسان .

فنفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة ( كدلالة التخصيص على المشيئة) إذا كنتم أثبتم المشيئة - وهي الإرادة بالتخصيص فيجب أن تثبتوا صفة الرحمة بنفع الله عباده بالإحسان إليهم لأن ذلك دليل على أنه أرحم الراحمين " ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " هذا الإحسان دليل على الرحمة ، إذن أثبتنا صفة الرحمة بالدليل العقلي كما أثبتنا قبل بالدليل النقلي .

(وإكرام الطائعين) إكرامهم في هذه الدار بالنصر والتأييد والتوفيق والاستقامة ، إكرامهم في دار الكرامة بدخول الجنة والتنعم هناك بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، بل التنعم بالنظر إلى وجه الله الكريم (يدل على محبتهم) بأن الله يحبهم ، لو كان لا يحبهم ما أكرمهم هذا الإكرام ، أثبتنا صفة المحبة بالدليل العقلي وهو الإكرام ، إكرام الطائعين .

(وعقاب الكافرين يدل على بغضهم) عقاب الله تعالى لأعدائه الكفار في الدنيا أحيانا على أيدي أوليائه من المؤمنين بالهزيمة وإدخال الرعب عليهم ، وفي الآخرة في النار ذلك دليل على بغضهم ، بهذا نثبت صفة البغض بأن الله كما يحب أولياءه يبغض أعداءه .

(كما قد ثبت بالشاهد والخبر) " ثبت بالشاهد " أي بالأمور المشاهدة في هذه الدنيا ، ثبت الإكرام وثبت العقاب بالشاهد في الدنيا ، شاهدنا كثيرا وسمعنا وقرأنا كثيرا كيف أكرم الله أولياءه ، كثير من الأنبياء وأتباعهم ، قرأنا وسمعنا وشاهدنا كيف عاقب أعداءه في الدنيا على أيدي أولياءه هذا المشاهد ، " والخبر " خبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام عن إكرام الطائعين في الدار الآخرة وعقاب الكفار وأعداء الله في الدار الآخرة أيضا .

(كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه ، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته) - بين

أبو الحارث الليبي 13-Nov-2009 02:40 AM

شرطتين جملة اعتراضية لم يأت الخبر بعد - ( وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة تدل على حكمته البالغة) هذا هو الخبر ، فهمت المبتدأ والخبر ؟ .

(والغايات المحمودة) هذا المبتدأ ، ( الغايات ) مبتدأ و ( المحمودة ) طبعا صفة .

(والغايات المحمودة في مفعولاته) أي مخلوقاته (ومأموراته) وفسر الشيخ هذه الغايات المحمودة بالجملة الاعتراضية حيث قال ( وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة ) هذه العواقب الحميدة قد تكون في الدنيا وغالبا في الآخرة ، العواقب الحميدة كأن يجعل الله للمتقين العاقبة الحميدة بالنصر والتأييد على أعدائه وما يحصل لهم من العاقبة الحميدة التي لا نهاية لها في الآخرة يدل كل ذلك على حكمته البالغة .

الأشاعرة في صفة الحكمة يتناقضون ، قد تقرأ لبعضهم ما يدل على أنهم يثبتون صفة الحكمة ولكن الغالب على كلامهم نفي صفة الحكمة ، يسمونها علة فيقولون : أفعال الله تعالى لا تعلل إنما تحصل أفعال الرب سبحانه وتعالىعندهم بمجرد تعلق الإرادة بها ، يعني المفعول يحصل ويقع ، والمخلوق يخلق بمجرد تعلق الإرادة به ثم إيجاده بالقدرة ، لا تعلل أفعال الله لا يقال أوجد لكذا ، خلق لكذا ، أكرم لكذا ، عاقب لكذا ، هذا غير وارد عندهم وهذا نفي للحكمة ، ونفي الحكمة يستلزم نفي اسم الله تعالى الحكيم وهم يثبتون اسم الله تعالى الحكيم ويؤمنون بذلك وينفون الحكمة ، تنطبق عليهم القاعدة أن ( كل من خالف الكتاب والسنة ولم يلتمس الهدى قي الكتاب والسنة لا بد أن يتناقض ) هذه قاعدة ، لا بد أن يتناقض ، ولو تتبعت كلام السلف في كل وقت وكلام السلفيين أيضا ـ أي علماء السلف وعلماء السلفيين ـ لا تجد في كلامهم تناقض أبدا كأنهم تخرجوا من مدرسة واحدة وعلى أستاذ واحد وهذا هو الواقع لأن أستاذهم الحقيقي هو رسول الله صلى الله عليه وسلموإن كان إطلاق لفظة ( أستاذ ) على النبي عليه الصلاة والسلامغير وارد إلا من باب الإخبار ، باب الإخبار أوسع الحمد الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

كل ذلك أي هذه العواقب الحميدة تدل على حكمته البالغة سبحانه ( كما يدل التخصيص على المشيئة وأولى) في باب الإلزام التزم الشيخ أن يلزمهم بإثبات الإرادة بالتخصيص ، وإثبات الحكمة بالعواقب الحميدة أولى من إثبات الإرادة بالتخصيص وأوضح وأكثر ذكرا في الكتاب والسنةوأبلغ عند العقلاء (لقوة العلة الغائية) لذلك قال " أولى " ما هي العلة الغائية ؟

[ ما يوجد الشيء لأجله ] العلة الغائية ما يوجد الشيء ويفعل الشيء من أجله .

لماذا خلق الله الجن والإنس ؟

للعبادة ، " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " الغاية من خلق الجن والإنس العبادة ، أن يعبدوه ويوحدوه فيكونوا له عبيدا لا يلتفتون إلى سواه ويخضعون له ويعظمونه ويعظمون شرعه ، لهذا خلقهم ، هذه العلة الغائية أقوى ، وهذه العلة الغائية تدل على الحكمة .

(ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة) الله سبحانه وتعالىأخبر كثيرا في كتابه الدلالة على ما يدل على النعم والحكم " وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون " هذه النعم دلالتها على المنعم وعلى الحكمة أبلغ من دلالة التخصيص على الإرادة " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " واضح ، لكن دلالة ما خلق الله في هذا الكون وسخر لعباده ، خلق لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه هذا أدل وأبلغ في دلالته على الحكمة وعلى هذه النعم التي خلقها لعباده ، أبلغ من دلالة التخصيص على الإرادة ، وإذا أثبتم الإرادة بالتخصيص يلزمكم إثبات الحكمة وأنه المنعم المتفضل بهذه المخلوقات وبتسخير الله السماوات والأرض والبحر لعباده ، هذا معنى قوله (ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة ) أرجو أن يكون واضحا .





إلى هنا تنتهي المناقشة مع الأشاعرة ينتقل الحوار الآن إلى الحوار مع المعتزلة الذين يثبتون الأسماء وينفون الصفات ، ولذلك يقول الشيخ رحمه الله (وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء كالمعتزلي الذي يقول إنه تعالى حي عليم قدير وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة) تناقض بين ، أصحاب الفطرة لا يقبلون مثل هذه العقيدة ، لو سمع أعرابي من يقول بأن الله سبحانه وتعالىحي لكن لا يوصف بصفة الحياة ، عليم لا يوصف بصفة العلم ، قدير لا يوصف بصفة القدرة لا يكاد يفهم هذا الكلام ، يستنكر يقول ما هذا ؟ هذه رطانة ما هذا الكلام المتناقض ، العليم ، يلزم من ذكر العليم إثبات صفة العلم ، ومن ذكر القدير إثبات صفة القدرة ، وهكذا ، هذا هو المعقول عند أصحاب الفطرة السليمة ، ولكن القوم أصيبوا في فطرتهم وفي عقولهم من دراسة الفلسفة والمنطق وعلم الكلام وتخبطوا هذا التخبط وقالوا كلاما متناقضا ، قالوا : إنه حي عليم قدير ولكن لا يوصف لا بالحياة ولا بالعلم ولا بالقدرة ، كيف ترد عليهم ؟ كيف تناقشهم ؟ كونك تستدل عليهم بالكتاب والسنة لا يقبلون ولا يؤمنون بأدلة الكتاب والسنة ، لأن أدلة الكتاب والسنة عندهم أدلة ظنية غير قطعية يهولون المسألة فيقولون : ( هذا الباب باب عظيم وخطير ) مقدمة عظيمة ( فإذا كان الباب بهذا المثابة لا ينبغي الاستدلال في هذا الباب إلا بالدليل القطعي ) وإذا سلمت هذه المقدمة إلى هنا ، يقول لك ، إذن لا ينبغي الاستدلال بالدليل اللفظي فيجب أن يكون الاستدلال بالدليل العقلي ، إذا كان السلفي لم يفطن للمقدمة وسلم للمقدمة ألزمه الخلفي بهذه العقيدة المتناقضة ولذلك ينبغي التأني عند المناظرة ولاحظتم ما وقع فيه عبد العزيز المكي إن كان الكلام له حيث أثبت السميع البصير ولم يثبت السمع والبصر ، إن كان هذا الكلام كما يقال تمثيلية رويت على لسانه لا بأس ، وإلا تعتبر هذه هفوة وغلطة من ذلك السلفي المناظر القوي في مناظرته لكنه أخطأ هنا لذلك ينبغي التريث في أثناء المناظرة مع الخصوم خصوصا في هذا الباب ، والاطلاع على العقليات مع النقليات مفيد لطلاب العلم في هذا الباب وخصوصا طلاب الجامعات الذين يُنْتَظَر منهم أن يكونوا هم المدافعون عن العقيدة ، وجود من يجيد العقليات والنقليات أو يستطيع على الأقل أن يشارك في


الساعة الآن 03:18 PM.

Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
سبحان الله وبحمده :: سبحـان الله العظيم

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42